1 - 568 - تفسير الآيات ( 1 - 2 ) من سورة البقرة - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ألف لام ميم ذلك الكتاب ولا ريب فيه هدى المتقين هذه تسمى سورة البقرة لأنه ذكرت فيها البقرة واعلم أن التسمية تكون بأدنى ملابسة ولذلك تجي بعض السور
فيها كلام كثير عن موضوع معين ولا تسمى به السورة وفيها كلام قليل تسمى به السورة وتسمية السور منها ما هو توقيفي ومنها ما هو اجتهادي فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم سمى سورة البقرة
وآل عمران وغيرهما وغيرهما كثيرا وفي بعضها التسمية التوقيفية أما البسمة فقد سبق الكلام عليها وبينا أنها آية مستقلة يؤتى بها في ابتداء كل سورة سوى سوى براء قال الله تعالى ألف لام ميم
ذلك الكتاب ألف لام ميم هذه الكلمة مكونة من ثلاثة أحرار فما معنى هذه الحروف التي تركبت من هذه الكلمة كثير من المفسرين يقول الله أعلم بما أرى وهذا لا شك أنه تأدب مع الله عز وجل
وإمساك عما لا يعلمه الإنسان ومنهم من جعلها رموزا لأشياء معينة إما من أسماء الله أو غيرها من الحوادث وهذا لم يبني ما قاله على علم ومنهم من قال إنها حروف هجائية ليس لها معنى ولا نعلم
لها معنى حسب مقتضى اللغة العربية والقرآن الكريم نزل باللغة العربية وعلى هذا فمن حقنا أن نقول ليس لها معنى بناء على أن القرآن العربي وأن مثل هذه الحروف المركبة ليس لها معنى وهذا قول
مجاهد رحمه الله وهو إمام التابعين في التفسير وهو القول الذي تقتضيه الأدلة ولكن أبقى النظر لماذا جاء الله بها وهي لس لها معنى حسب اللغة العربية نقول إشارة إلى أن هذا القرآن الكريم
الذي أعجزكم أيها العرب لم يأتي بجديد من كلامه بل أتى بما تركبون منه كلامكم أتى بما ترتبون منه كلامه وتبنونه أنتم كلامكم حروف ألف تأثى إلى آخر هل القرآن جاء بشيء زائد؟
لا ومع ذلك أجزتم أن تركبوا مثلا أجزكم وقد ذكر الله تعالى عجاز القرآن على أربعة يوجه عجاز بكل القرآن وعجاز بعشر سور منه وعجاز بسورة منه وعجاز بمثله كلها تكررات القرآن قال الله تبارك
وتعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وقال تعالى أن يقول مفتراه قل فأتوا بعشر سور مثلي مفترايا وقال تعالى قل لأن اجتمعت الإنس وجن على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن لا يأتون بمثله وقال تعالى فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين وقد تحدى الله عز وجل الخلق على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ولو بآية واحدة كما تحداهم على أن يخلقوا أدنى مخلوقات
الله فقال إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له فالقول الراجع في هذه المسألة عن الحروف الهجائية التي تبتدأ بها بعض الصور أنه ليس لها معنى ولكن لها مغزى وهو أن
هذا القرآن الكريم لم يأتي بجديد في الحروف التي جاء بها بل هو جاء بالحروف التي تركبون منها كلامكم ومع ذلك أعجزكم ولهذا تجد الصور المبدوعة بهذه الحروف الهجائية يأتي من بعدها ذكر
القرآن أو شيء لا يكون إلا بوحي فمثلا الافلاميم ذلك الكتاب جاء بعدها ذكر القرآن الافلاميم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون لم يعتفى ذكر القرآن لكن جاء بعدها ما لا
يمكن إلا بوحي انتحدر نعم نعم طيب ذلك الكتاب لا ريب فيه ذلك الكتاب يجوز أن نجعل الكتاب خبر ذا ويجوز أن نجعلها نعتنى أعطى بيان فإن جعلناها خبر ذا صار قوله لا ريب فيه جملة مستأنفة وإن
جعلناه بدلا أعطى بيان صارت لا ريب فيه إيش خبر اسم الإشارة والكتاب المشار إليه هو القرآن وسمي كتابا لأنه مكتوب في اللوحة المحفوظ ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة كلا إنه تذكرة
فمن شاء ذكره في صحف مكرم مهمر مرفوعة مطهرة بأيدي سفر ومكتوب في المصاحف التي بين أيدينا لا ريب فيه لا ريب ما معنى الريب الشك هكذا فسره أكثر العلماء أن الريب هو الشك لكن شيخ السلام
رحمه الله له رأي في مثل هذه الألفاظ المترادفة يقول لا يوجد في اللغة العربية كلمة مرادفة لأخرى من كل وجه لا بد أن يكون بينهما فرط فالريب هنا ليس مطابقا للشك بإزائه من كل وجه لأن
الريب يقول شك مع قلق وارتياب فهو إذا أخص من الريب فيه لا يتصور الفرق وقوله لا ريب فيه لا نافية للجنس للجنس فيشمل أدنا ريب يعني ما فيه أدنا ريب وقوله هدى للمتقين الهدى بمعنى الدلالة
القرآن نفسه لا يهدي هداية توفيق لكنه يهدي هداية دلالة هدى للمتقين في آيات أخرى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس فأي فرق بين هذا وهذا نقول أما كونه هدى للناس فهذا هو الأصل
أن القرآن يمكن أن يهتدي به كل أحد وأما إضافة الهدى إلى المتقين فلأن المتقين هم الذين انتفعوا به فصار هدى لهم ومن المتقون الذين قاموا بأوامر الله وتركوا نواهي الله في هذه الآلات
الكريمة هو بيان أن كلام الله عز وجل حروف خلافا لمن قال إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس ونحن نشرح بذلك أصول الخلاف في هذا القرآن الكريم أو في كلام الله عموما أولا من قال إن كلام
الله هو المعنى القائم بالنفس وما ينقل من كلامه أو يسمع فهو عبارة عنه وليس هو كلام الله بل عبارة عنه وهو مخلوق والثاني قال إن الله تعالى لا يتكلم وكلامه مخلوق كسائر مخلوقاته كسائر
مخلوقاته ومن هو من قال إن الله يتكلم بحرق وصوت وليس كلامه والمعنى فقط بل كلامه اللفظ والمعنى وهذا الذي قبله مذهب معتزلة والجهمية وهذا مذهب أهل السن والجماعة ومذهبهم هو الحق لأن
الأدلة تدل عليه قال الله تعالى في موسى وناديناه من جانب الطول الأيمن وقربناه نجياً فلما كان بعيداً قال ناديناه لأن النداء يكون البعيد ولما قرب لعنى لما قربه الله قال قربناه نجياً
أي بصوت ليس نداء وفي الحديث الصفيح أن الله ينادي يوم القيامة يقول يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك باثاً إلى النار وهذا أمر لا يشك فيه إنسان
ولولا أن الخلاف وقع فيه ما كنا نتكلم فيه لكن وقع ولا بد من بيان الحق المعتزلة يقولون على القرآن مخلوق من المخلوقات أصوات يخلقها الله وحروف تكتب فهو كسائل المخلوقات ولا شك أننا إذا
قلنا بهذا أبطلنا الأمر والنحي لأن الأمر يكون صوت سمع على هذا الوجه قولوا صوت سمع على هذا الوجه يعني كأنه صدع أرأيت الآن الشمس والقمر والجبال مخلوقة على هذا الوجه هم يقولون هذا صوت
خلق على هذا الوجه كصوت الرعد الأشعرية يقولون الكلام معنى قام بنفسه لكن خلق أصواته فإذا قلنا إن الأوامر والنواهي مخلوقة بطل الأمر والنحي لأن قل خلق الله كلمة على صورة قل ولا تفيد
أمرا لا تقلب إذننا خلق الله تعالى حروفا على هذا الشكل فلا تفيد نحي ولهذا صدق من قال إن القائلين بخلق القرآن سواء جعلوه عبارة عن كلام الله أو هو كلام الله إنهم أبطل الأمر والنحي
والشرائع كله