226 - 459 - تفسير الآية ( 106 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

وجوه وتسود وجوه قوله يوم تبيض وجوه يحتمل أنها جملة استنافية وأنها متعلقة بمحذوه تقديره اذكر يوم تبيض وجوه وتسود وجوه يعني اذكر هذا اليوم الذي ينقسم فيه الناس إلى هذين القسمين ويحتمل أنها متعلقة بالخبر في قوله أولئك لهم عذاب عظيم يعني لهم عذاب عظيم في ذلك اليوم وقوله يوم تبيض وجوه البيضاض معروف أي تكون بيضاء وهذه الوجوه التي تكون بيضاء هي وجوه المؤمنين وتختص هذه الأمة بأنها يكون لبيضاضها نور تعرف به يوم القيامة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام سيما ليست لغيركم تدعون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء وقوله تبيض وجوه وتسود وجوه قد يبدو للإنسان من أول وهلة أن هذين القسمين متساويات لأنه قال تبيض وجوه وتسود وجوه ولكن هذا غير مراد وذلك لأن أكثر بني آدم من أهل النار وجوههم مسودة والعياذ بالله فإن من بني آدم تسعمائة وتسعة وتسعين كلهم في النور وواحد من الألف في الجنة كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تسود وجوه أي تكون سوداء وسبب هذا البيضار والسوداد والله أعلم أنه مما يبشر به هؤلاء ويوبخ به هؤلاء فإن المؤمنين يبشرون إذا بعثوا من قبورهم برحمة الله عز وجل وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون وأما كافرون فبالعكس ومن المعلوم أن الإنسان إذا بشر بما يسره يستنير وجهه ويظهر عليه علامة السرور قال فأما الذين سودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فأما الذين سودت وجوههم ألفا للتفريع وعما للتبصيل لأنه قال بعدها وعما الذين بيضت وجوههم قول فأما الذين سودت وجوههم بدأ بذكر الذين سودت وجوههم مع أنه أخر ذكرها فيما قبل لأنه قال يوم تبيض وجوه وتسود فأما الذين سودت وجوههم وكان المتوقع أن يقول فأما الذين بيضت وجوههم لأن هذا هو الترتيب ولكنه كان الأمر بخلاف المتوقع ويسمي علماء البلاغة هذا النوع من السياق لفا ونشرا مشوشا أو أحسن نقول غير منطق فأما الذين سودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم جواب أما محذوف أما محذوف والتقدير فيقال أكفرتم وأما الجملة أكفرتم بعد إيمانكم فهي مقول للقول المحذوف أي فيقال أكفرتم ومن القائل يحتمل أن القائل هو الله عز وجل ويحتمل أن يكون القائل الملائكة وعلى كل تقدير فالمراجب للسفهام هنا التوبيخ والتنديم يقال لهم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب فهذا الاسفهام للتوبيخ أي أن هؤلاء يوبخون فيجمع لهم بين الألم البدني والألم القلبي النفس وذلك لأن العذاب قد يكون على البدن وقد يكون على النفس وقد يكون عليهما جميعا من الناس مثلا من تضربه ولا توبخه نقول هذا العذاب على إيش البدن ومن الناس من يوبخه في مقام يرى فيه الإكرام والاحترام فتهينه فهذا عذاب النفسي قلبي ومن الناس من يجمع له بين الأمري كأهله كالكفار فإن الكفار يوبخون في عرصات القيامة ويوبخون عند دخول النار كلما ألغي ألغي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكوا نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما لزا الله من شيء إن أنتم الله فضلا كبير ويوبخون أيضا بعد ذلك كما في قوله تبارك وتعالى قال اخسأوا فيها ولا تكلمون فإنهم يوبخون أيضا في حال دخولهم النار ومكثم فيها ما شاء الله وطلبهم أن ينجوا منها قولوا أكبرتم بعد إيمانكم المراد بالإيمان هنا إيمان الفطرة لأن كل مولود يولد على الفطرة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو نصرانه أو يمجسانه ويحتمل أن يكون المراد بالإيمان الإيمان الفطري الاختياري وتكون الآية في سياق من ارتدوا بعد إيمانه لكن الأول أولى لأنه أعم قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ذوقوا العذاب أي عذاب البدني والنفس وقاله ذوق العذاب أي مسه والذوق هنا ليس ذوقا باللسان بل هو ذوق بالبدن كله لأن الذوق قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالبدن فقول الرسول عليه الصلاة والسلام ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا المراد به ذوق القلب لا ذوق اللسان وإذا قيل ذاق الثمرة فهذا ذوق اللسان ذاق العذاب هذا ذوق البدن فلكل مقام فلكل مقام مقاب قول ذوق العذاب أي يقال لهم أيضا ذوق العذاب وهو العقوبة على الذنب كنتم تكفرون أي بسبب بسبب كفركم فالباء هنا للسببية وما مصدرية أي بكونكم تكفرون بالله وعما كنتم تكفرون فعرابها ظهر كان واسمها وخبرها لكن خبرها جملة وقل بما كنتم تكفرون بمن تكفرون بالله وبما يجب الإيمان به