208 - 459 - تفسير الآية ( 100 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

ثم قال تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوثوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا أولا هذا الحكم مصدر بالنداء يا أيها الذين آمنوا وتصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به وذلك لأن النداء يتضمن تنبيه المخاطب والتنبيه لا يكون إلا لأمر هام تجب العناية به ثم صار النداء موجها للذين آمنوا من باب الإغراء لأن وصفهم بالإيمان يقتضي أن يقوموا بمقتضى هذا الخطاب الموجه لهم كما لو قلت لشخص يا رجل افعل كذا يعني أن مقتضى رجليتك إيش أن تفعل هذا فإذا قلت يا مؤمن افعل هذا فالمعنى أنه من مقتضى إيمانك أن تفعل هذا يا أيها الذين آمنوا يعني من مقتضى إيمانكم أن تنتبهوا لما سيلقى عليكم ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأرعيها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه ثم إن الخطاب بوصف الإيمان يقتضي أن انتثال ذلك من مقتضيات الإيمان ويقتضي أيضا أن مخالفته نقص في الإيمان لأن المؤمن يقتضي إيمانه أن يقوم بما أمر به وأن يدعى ما نهي عنه يقول تعالى يا أيها الذين آمنوا يقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا وقد تكرر علينا مرارا أن ما سبقه النداء فإنه معتنم به لأن تصدير الشيء بالنداء يدل على الاهتمام به إذ أن النداء يوجب الانتباه ثم إن الخطاب بقوله يا أيها الذين آمنوا وفي توجيه الخطاب بهذا الوصف يغراء بقبول ما يأتي تصديقا به إن كان خبرا وامتثالا له إن كان طلبا أمرا أو نهيا كأنه يقول يا أيها الذين آمنوا إن كنتم مؤمنين حقا فالأمر كذا وكذا فيكون فيه إغراء لقبول ما يأتي بعده كما لو قلت يا أيها الرجل افعل كذا وكذا أي أنه بمقتضى رجولتك تفعل كذا وكذا وفي تصديره بهذا الوصف أو في اختيار هذا الوصف دليل على أن ما سيأتي قبوله من مقتضيات الإيمان تصديقا به إن كان خبرا وامتثالا له إن كان طلبا وفيه أيضا أن عدم قبوله مما ينافي الإيمان فهذه أربعة أمور يقول عز وجل يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب فريقا بمعنى طائفة ومن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى فالكتاب لليهود هو التوراة والكتاب للنصارى هو الإنجيل وقوله فريقا من الذين أوتوا الكتاب يعني لا جميعهم لأن بعض أهل الكتاب ليسوا على هذا الوصف فإن منهم من آمن من أهل الكتاب من آمن فآمن من النصارى النجاشي وآمن من اليهود عبد الله بن سلام وهؤلاء من خير المؤمنين لكن فريقا منهم يقول يردوكم بعد إيمانكم كافرين يعني يوجبوا لكم أن ترتدوا بعد الإيمان سواء كان ذلك بالقتال فيما بينكم كما يذكر أن رجلا من اليهود وشى بين الأوس والخزرج وذكرهم أيام الجاهلية فتاروا أي تار بعضهم على بعض وغضبوا وقد يكون هذا السبب أو هذا المعنى الذي ذكر ضعيفا لكن مهما كان الأمر من أهل الكتاب من يريدون منا أن نرتد عن الإيمان وقد صرح الله بذلك في آية أخرى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ود كثير من أهل الكتاب لن يضلونكم فأهل الكتاب يودون هذا وتعلمون أن من ود شيئا سعى في تحصيله إذن فنحن نعلم أن أهل الكتاب يسعون بكل ما يستطيعون أن يردوا المسلمين عن دينهم سواء منعوا الناس عن الدخول في دين الإسلام أو أخرجوهم من دين الإسلام بعد دخولهم فيه وسيعت إن شاء الله الكلام على هذا مطولا في ذكر الفوائد قولوا يردوكم بعد إيمانكم والردة بعد الإيمان أعظم من منع الإيمان من أصل لأنها إخراج من الإيمان إلى الكفر ومن المعلوم أن الإنسان لن يخرج من الإيمان إلى الكفر إلا بمحاولات شديدة إذ أن من لم يدخل في الشيء إبعاده عنه أهوى من من دخل فيه وآمن به ولهذا قال من بعد إيمانه وقوله كافرين المراد به الكفر المخرج عن الملة لكنهم قد لا يستطيعون أن يخرجون من الإيمان بالكلية لكن بالتدريج بما يضعونه أمامنا من معوقات كمال الإيمان حتى ينحل الإيمان شيئا فشيئا ولا يبقى فيه في القلوب شيء وحينئذ يكون الكفر المحظ ثم قال عز وجل نأخذ الإعراب قبل قولوا إن تطيعوا فريقا جملة الشرطية أين جواب؟ يردوكم بعد إيمانكم وفيه إشكال لأن المعروف أن إن الشرطية تجزم فعلي الأول فعل الشرط والثاني جواب الشرط وهنا لم نجد جزما فيه تطيعوا ولا فيه يردوكم وقوله كافرين حال من الواو في قوله يردوكم يعني يردوكم حال كونكم كافرين الجزم بحدث النوم لأنه من الفعل الخمسة ومن فائد هذه الآية أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان وقد تصل إلى انتفاء الإيمان لقوله يَا أَيُّهَا الَّذِنَ آمَنْتُ فَتَكُونَ طَاعَتُهُمْ مُخَالِفَةَ لِكَمَالِ الإيمانِ وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية من فائدها أيضاً أن نحرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا وبناء عليه فإننا ننزل القاعدة السابقة أن ما علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكاً بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم عرفتم هذا؟ ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازدادنا تمسكاً بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان ومثل ذلك أيضاً الطاعة والمعصية الطاعة والمعصية كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه ازداد أهل الفسوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة ومن فائد هذه الآية أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان لقوله يا أيها الذين آمنوا فتكون طاعتهم مخالفة لكمال الإيمان وقد تصل إلى انتفاء الإيمان بالكلية من فائدها أيضاً أن حرص الكفار على ذلك من أجل إيماننا وبناء عليه فإننا ننزل القاعدة السابقة أن ما علق على وصف فإنه يزداد بزيادة ذلك الوصف وقوته وعلى هذا فثقوا أنه كلما ازداد المؤمنون تمسكاً بدينهم ستزداد شراسة الكفار في صدهم عن دينهم عرفتم هذا؟ ما دام الوصف هو الإيمان فإنه كلما ازدادنا تمسكاً بالإيمان ازداد الكفار شراسة في صدنا عن الإيمان ومثل ذلك أيضاً الطاعة هو المعصية كلما ازداد الناس في الإقبال على الله والتمسك بهديه ازداد أهل الحصوق شراسة في القضاء على هذه القوة في الطاعة طيب من فوائد هذه الآية أن من أهل الكتاب من لا يحاول إضلالنا عن دينه يؤخذ من قوله أن تطيعوا فريقاً من الذين أوتكتاب طيب وقد ذكرنا الآن أن أهل الكتاب بالنسبة لهذا الأمر ثلاث تقسام طيب