200 - 459 - تفسير الآية ( 96 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال الله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكه مباركا وهودا للعالمين إن أول بيت وضع للناس أي وضع لعبادة الناس وليس أول بيت وضع في الأرض يعني مما يبنى ولكنه أول بيت وضع للناس
للعبادة والتعبد للذي ببكه وهو الكعبة سيد الله تعالى تشريفا وتعظيما وبكه اسم من أسماء مكة وسميت بذلك قالوا لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تقطعها وقيل لأنه لا يوصل إليها إلا بمشقة وتعب
وقيل غير ذلك ولكن المهم كل مهم أن المراد ببكة مكة وقد ذكرها الله تعالى في هذه السورة بهذا الاسم وذكرها في سورة الفتح بسم مكة في قوله نعم وهو الذي كف أيديهم عنكم وعيديكم عنهم ببطن
مكة مكة إذن فلها اسمان مذكران في القرآن وأما القرية فهي اسم جامع لمكة وغيرها كما قال تعالى وكأي من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلك نام يقول عز وجل لَلَّنَّذِي بَكَ
مُبَارَكًا مُبَارَكًا أي أن فيه البركة وبركاته متعددة فمن ذلك أن من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ومن ذلك أن الحسنات فيه مضاعفة ولهذا قال أهل العلم إن العبادة فيه أفضل من
العبادة في غيره سواء كان صلاة أم صدقة أم صياما أم غير ذلك ومن بركته أيضا أنه تجبى إليه ثمرات كل شيء فأن مكة يأتيها رزقها رغاد من كل مكان ومن بركته أيضا أن فيه ماء من شربه لأي شيء
بنية صادقة فإنه يكون له وهو ماء زمزم فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ماء زمزم لما شرب له ومن بركته ما يحصل من المكاسب التي تكون فيه في أيام المواسم وغير أيام المواسم ومن بركته أنه
بعث فيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله تعالى شريعته أفضل شريعة كانت للخلق وقال وهدى للعالمين هدى أي منار يهتدى به وكيف كان هدى للعالمين نعم لأنه يجتمع فيه المسلمون من كل
جانب يؤون إليه من كل فج عميق فيهتدى الضال منهم للمهتدي ويحص به التعليم والأسوة الحسنة وكذلك أيضا هدى للعالمين لأن الأمة الإسلامية كلها تهوي إليه وتتجه إليه في كل يوم خمس مرات وجوبا
يعني يجب أن نولي وجوهنا كل يوم خمس مرات على الأقل ولهذا قال هدى للعالمين ومن هداية للخلق للعالمين أن فيه إقامة الحج وإقامة العمرة وذلك هدى لأن الأمة تزداد إيمانا وهدى الحج والعمرة
وقول للعالمين المراد بهم الإنس فهو عام أريد به الخاص وليس المراد بهم من سوى الله لأن العالمين في بعض المواضع يراد بها من سوى الله وفي بعض المواضع يراد بها الإنس فقط وقد يراد بها
الإنس والجن مثل قوله تعالى تبارك الذي نزل الفقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا وثموا عالمين من العلامة لأنهم عالم على خالقهم فإن هؤلاء البشر بل وهذه المخلوقات كلها تدل على خالقها
ففي كل شيء له آية تدل على أنه واحد في هذه الآيات في هذه الآياتين فوائد منها أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة الذي ببكة فيكون سابقا على بيت المقدس وآخر بيت وضع للعبادة المسجد النبوي
وهذه هي المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لا تشد الرحال الرحال إذا قلنا لا تشد لا تشد الرحال وإن قلنا لا تشد الرحال فهي بالضمن إلا إلى ثلاثة
مساجد المسجد الحرام ومسجد هذا والمسجد الأخصى ومن فوائد هذه الآية أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله بقوله إن أول بيت وضع الناس الذي بكه هذا المراد به التفضيل ولهذا قال
العلماء إن المسجد الأسبق في إقامة الجماعة فيه أفضل من المسجد الحديث فإذا كان حول الإنسان مسجدان أحدهما قديم والآخر جديد ولم يتميز أحدهما عن الآخر بفضيلة أخرى فإن القديم أفضل من
الجديد لسبقه في العبادة فيه ومن فوائد هذه الآية الرد على بني إسرائيل وهو أن محمد صلى الله عليه وسلم بعث من البلد الذي فيه أول مسجد وضع للناس وأنبياء بني إسرائيل بعثوا في بيت المقدس
فيكون في هذا رد عن لهود الذين يقدسون بيت المقدس وكذلك النصارى الذين يقدسون فقيل لهم إن الكعبة التي بعث منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من بيت المقدس ومن فوائد هذه الآية أن
من أسماء مكة بكة ولها أسماء كثيرة ذكرها من تكلموا في تاريخ مكة ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن هذا البيت مبارك وسبق لنا بيان بركتي لقوله مباركا ومن فوائدها أن هذا البيت هدى للعالمين
يعني أن الناس يهتدون به بما يقيمونه من الشعائر أو يهتدون به حيث يتوجهون إليه في صلواتهم من فوائد آتين الآيتين أولا أن أول بيت وضع للناس لعبادة هو الكعبة الذي في مكة والآية في ذلك
صريحة وبعده بيت المقدس والثالث المسجد النبوي ومن فوائد هاتين الآيتين فضيلة هذا البيت بكونه أول بيت وضع للناس ومن فوائدها أن الكعبة معظمة عند جميع المسلمين عند جميع الناس عند جميع
الخلق لأنه إذا كان أول بيت وضع للناس فسوف يعظمه الناس ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن القبلة هي الكعبة لليهود والنصارى والمسلمين وجميع أهل الأجيان كما ذكر الشيخ الإسلام بن تيمية
رحمه الله ولكن اليهود صاروا يتجهون إلى بيت المقدس والنصارى صاروا يتجهون إلى المشرق وهو من جملة ما حرفوه من دينهم وإلا في الأصل أن الكعبة قبلة لجميع الناس ومن فوائد هذه الآتين
الآتين أن الناس لا بد لهم من بيت يجتمعون عليه وتهوي قلوبهم إليهم ولهذا وضع الله لهم ما كان بمكة ومن فوائدها أن من أسماء مكة بكة ولها أسماء عديدة أكثر من هذا ومن أراد ومن أراد
الإطلاع عليها فالنصار يرجع إلى الجامع اللطيف في بناء البيت الشريف أو نحو هذا العنوان أو يرجع إلى أخبار مكة للأزرقي ومن فوائد هذه الآتين أن هذا البيت مبارك مبارك قدرا ومبارك شرعا
وقد مر علينا في التفسير بيان وجوه بركته ومن فوائد هذه الآتين أيضا أنه هدى ومنار للعالمين يهتدون به ويهتدون إليه ويأمونه في عباداته وقد جاء في الحديث القبلة الكابة قبلتكم أحياء
وأموات وأموات