199 - 459 - تفسير الآية ( 95 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله تعالى قل صدق الله قل الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه أي للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره فعلى القول الثاني لا إشكال فيه إذا قلنا إن كل واحد من الناس يجب عليه أن يصدق الله فيقول صدق الله وعلى القول الأول يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام مرادا به الخطاب مباشرة للرسول وللأمة باتبع لأن الخطاب الموجه لإمام القوم خطاب للجميع فإنك لو قلت للقائد مثلا اذهب إلى جبهة الفلانية وتحته جنود يمشون بأمره صار هذا الأمر له ولمن كان تابعا له والرسول صلى الله عليه وسلم قائد الأمة وإمام الأمة فإذا وجه إليه الخطاب كان موجها له ولأمته ما لم يقم دليل على التخصيص وقوله صدق الله جملة تتضمن الثناء على الله بالصدق وقد قال الله تعالى ومن أصدق من الله قيلة فلا أحد أصدق من الله وصدق مطابقة الخبر للواقع والكذب مخالفة الخبر للواقع فإذا قلت غربت الشمس وقد غربت فعلا فهذا صدق وإذا لم تغرب فهذا كذب إذن فالصدق موافقة الخبر للواقع والكذب مخالفة الخبر للواقع طيب هل يضاف إلى ذلك مع اعتقاد الوقوع بمعنى أنه لو أن شخصا أخبر بالواقع بما يطابق الواقع ولكنه يعتقد في نفسه أنه كاذب فهل نقول إن خبره هذا صدق أو كذب كذب النسب للنسب هو صدق لأنه موافق للواقع لكن عليه إثم الكاذب إذا كان يعتقده هو أنه كاذب في ذلك طيب الكذب مخالفة الخبر للواقع هل نقول بحسب اعتقاد المتكلم أو سواء كان موافقا لاعتقاده أو لا نعم نقول سواء كان موافقا لاعتقاده أو لا حتى لو اعتقد أنه صدق وقد خالف الواقع فهو كذب ولهذا نقول إن اليهود الذين زعموا أنهم صلبوا المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وإن كانوا اعتقدون الصدق فهم كاذبون والنصارى الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة هم أيضا كاذبون وإن كانوا قد اعتقدوا الصدق إذن لا يشترض اعتقاد القائل موافقة ما أخبر به للواقع أو مخالفته للواقع المهم أن هذا الخبر إن وافق الواقع فهو صدق وإن اعتقد قائله وإن أعتقد قائله أنه صادق صدق الله قلنا إن صدق الله جملة خبرية تتضمن الثناء على الله وإذا كانت تتضمن الثناء على الله فهي عبادة فقول القائل صدق الله وثناء على الله تعالى بالصدق فهو عبادة لأن كل تناء على الله فهو ذكر لله وتعبد الله صدق الله بأي شيء لم يذكر الخبر الذي حكم عليه بالصدق فيكون ذلك عاما شاملا أي صدق الله في كل شيء كل ما أخبر الله به فهو صدق ومن ذلك ما أخبر به مما أحلى لإسرائيل أو لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا فاتبعوا الخطاب للأمة كما أن الله أمر بذلك نبيه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يتبع ملة إبراهيم حنيفا وكذلك نحن مأمورون بأن نتبع ملة إبراهيم حنيفا والملة هي الشريعة التي يكون عليها الإنسان فكل شريعة يكون عليها الإنسان فهي ملة فالإسلام ملة واليهودية ملة والنصرانية ملة وقد جاء في الحديث لا يتوارث أهل ملتين شتى أي مفتلقتين وقوله ملة إبراهيم هل المراد هل المراد اتباع هذه الملة في كل الشرائع والشعائر أو في الأصل الفقط وهو التوحيد المراد هذا ثاني يعني اتبع ملة إبراهيم في التوحيد وعدم الشرك ولهذا قال حنيفا وما كان من المشركين حنيفا أي مائلا عن كل شرك وما كان من المشركين هذه الجملة معطوفة على ما سبق من باب عطف المترادفين أو المرادث على مرادثي فالحنيف معناه المائل عن كل شرك وما كان من المشركين توكيد لذلك وإذا انتفى الشرك في ملة إبراهيم لزم من ذلك أن يكون مخلصا في التوحيد وهو كذلك ولهذا يسمى إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء وقوله حنيفا يعني مائلا عن كل شرك ثم قال وما كان من المشركين أي الذين يدخلون الشرك في عبادتهم في هذه الآية الإعراب ليس فيه إشكال إلا قوله حنيفا فما إعرابه منصوبة عليش على الحال من إبراهيم يعني حال كونه حنيفا هذه الحال هل هي حال لازمة أو عارضة يمكن الانتقال عنها نعم هي حال لازمة وإلا لما صح أن نؤمر باتباعها في هذه الآية من الفوائد وجوب الأمر نعم وجوب تصديق الله عز وجل في كل ما أخبر به لقوله قل صدق الله ومن فوائدها وجوب الإيمان بما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات وهذا يستلزم تحريم تغييرها عن المراد بها أي تغيير عن نصوص التي أخبر الله بها عن نفسه من الأسماء أو الصفات ومن فوائد هذه الآية وجوب اتباع ملة إبراهيم لكن في أصل الشرائع فإن قال قائل ما الدليل على تقييدكم إياها بأصل الشرائع مع أن لا يتعام قلنا الدليل قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فدل ذلك على أن الشرائع تختلف بحسب حاجات الناس ومصالحهم أما أصلها وهو التوحيد فإن جميع الشرائع تتفق فيه وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ومن فوائدها الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه حنيف وإمام ولهذا أمرنا باتباعه ومن فوائد هذه الآية أنه يجب على الإنسان أن يتبع الحق أينما كان سواء كان من الرسول الذي أسل عليه مباشرة أو من الرسول السابقين ومن فائد هذه الآية انتفاء الشرك عن إبراهيم انتفاءا كاملا لقوله حنيفا وما كان من المشركين هل يؤخذوا من هذا دم الشرك والنهي عن اتباعه كيف ذلك؟ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده فإذا أمرنا بالإخلاص فهذا يستلزم أننا منهيونا عن الإشراق