193 - 459 - تفسير الآية ( 92 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

يقول العز وجل لن تنالوا البر أي لن تدركوه والبر في الأصل هو الخير والعطاء ومنه بر الوالدين وذلك بالإحسان إليهم فالبر في الأصل هو الخير والعطاء ويقرن أحيانا بالتقوى فإذا قرن بالتقوى صار معناه فعل الطاعات والتقوى جناب المحرمات لأن النسان يتقيها ويحذرها يبتعد عنه إذن البر هو الخير الكثير والعطاء فلم تنالوا ذلك حتى تنفقوا مما تحبون حتى هذه للغاية وهي من أدوات النصب فالفعل بعدها منصوب وقول حتى تنفقوا مما من يحتمل أن تكون لبيان الجنس ويحتمل أن تكون للتبعيض أي والفرق بينهما أننا إذا جعلناها لبيان الجنس شمل المدح من تصدق بجميع ماله وإذا جعلنا للتبعيض صار مختصا بمن تصدق ببعض ماله ويمكن أن نقول إنها صالحة للأمرين فأحيانا يكون التصدق ببعض المال أفضل من التصدق بكله وأحيانا يكون العكس وقوله مما تحبون أي من المال لأن الله تعالى قال وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ولكن كلما كان المال أحب كان إنفاقه أقوى إيمانا وأدل على محبة الإنسان للخير لأن الشيء الذي تكون رغبة فيه قليلة يسهل على الإنسان أن ينفقه لكن الشيء الذي تتعلق به النفس كثيرا هو الذي تشح النفس في إنفاقه فإذا أنفقه الإنسان مع قوة تعلق نفسه به كان ذلك دليل على إيش على قوة إيمان لأنه لا يدفع القوي إلا بما هو أقوى منه طيب لما نزلت هذه الآية قام أبو طلح رضي الله عنه فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن الله تعالى أنزل لم تنالوا البر حتى تنفغوا مما تحبوا وإن أحب مالي إلي بيرحا وكانت نخلا مستقبلة المسجد يعني قريبا من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب منه ويتظهر به وهذا مما يزيده رغبة أن رسول صلى الله عليه وسلم يأتي إليه ويشرب منه ويتظهر به قال وإني ضعها نعم قال فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم بخل بخل ذا كمال رابح ثم قال أرى أن تجعلها في الأقربين فجعلها أبو طلحة في أقاربه في بني عمه وأقاربه وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به يتأول قوله تعالى لنت لا نذر حتى دهم بظم ما تحبون أما نحن فإذا أعجبنا شيء من مالنا جعلناه في صندوق واستعملنا الردي وخلنا الباقي يمكن يكون لورثتنا ما كلنا ولكن هكذا الشح أما الذين يريدون الآخرة فهم يرون أن مالهم هو الذي يقدمونه ولهذا لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام قال الأصحاب سأل أصحاب ذاتهم قال أيكم مال وارثه أحب إليه ماله أحب إليه مال وارثه قال رسول الله ما منا أحد إلا وماله أحب إليه مال وارثه قال فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر يعني معناه أنك إذا بخلت بالمال وأبقيته فإنك سوف تذهب عنه سوف يورث من بعده لكن إذا تصدقت به وأنضيته تجده أمامك تجده أمامك ولهذا ينبغي النسان أن يتأول هذه الآية ولو مرت واحدة لو مرة واحدة إذا أعجبه شيء من ماله أن يتصدق به لعله ينال هذا البر وقوله تعالى وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهَ عَلِيمٌ يعني أي شيء تنفقونه مما تحبون وما لا تحبون من قليل أو كثير من نفاعس الأموال أو صغائرها فإن الله به عليم وقوله من شيء من هذه بيان لماء وهي نكرة وما اسم شرط واسم الشرط يدل على العموم فهو عموم مبين بعموم العموم في ماء الشرطية والذي بيّنها شيء وهي أيضا عامة لأنها كرة في سيق الشرط وقوله فإن الله به عليم ألف هذه في جار الشرط رابطة فإن الله به عليم وقوله به عليم قدم الجار المجرور على متعلقه والمعروف أن تقديم المعمول يفيد الحصر فهنا نقول إنه قدم المعمول لفائدتي الفائدة الأولى لفظية وهي مراعاة فواصل الآيات والفائدة الثانية معنوية وهي بيان الاعتناء بهذا المقدم حتى كأن الله تعالى حصر علمه به فتقديم المعمول هنا يدل على العناية والاهتمام بهذا الشيء الذي قدمه الإنسان لنفسه وأن الله به عليم فإن قال قائل علمنا أن الله به عليم ولا ننكر ذلك لكن ما فائدة فالجواب أن الله تعالى لم يذكر هذا العلم إلا لما يترتب عليه من المجازات فإن الله إذا علمه لا يمكن أبدا أن يضيعه فمن يعمل متغال ذرة خيرا يره ومن يعمل متغال ذرة شرا يره والله تعالى عليم بكل شيء