146 - 459 - تفسير الآية ( 69 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله تعالى وَدَّتْ طائفةٌ من أهل الكتاب لَوْ يُظِلُّونَكُمْ وَمَا يُظِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَدَّتْ أي أحبَّت والهد خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى الودود بمعنى الواد والموجود فهو سبحانه وتعالى واد لأوليائه وأصفيائه وهو أيضا موجود من أوليائه وأصفيائه فالودود إذن خالص المحبة يعني أحبة هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة وقوله طائفةٌ من أهل الكتاب الطائفة بمعنى الجماعة والمراجب أهل الكتاب هنا اليهود والنصارى ولكن الأغلب هم اليهود لأنهم أكثر ممارسةً للعرب من النصارى فإن اليهود كانوا في المدينة قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشرت به التوراة يعني قدموا من بلاد الشام لأنهم علموا أن مهاجر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به فقالوا نذهب إلى هناك لنكون معه وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به من أهل الكتاب اليهود والنصارى والغالب أنهم اليهود لو يظلونكم لو هذه مصدرية بمعنى أن والقاعدة في لو أنها إذا أتت بعد ما يفيد الغد والمحبة تكون مصدرية ودوا لو تدهنوا فيدهنون أي ودوا أن تدهنوا ود كثير من الأكتاب لو يردونكم كفارا أي ودوا أن يردوكم فهي هنا مصدرية وقد علم أنها تأتي شرطية حرف امتناء لامتناء مثل لو جاء زيد لأكرمتك فهنا امتنى إكرامي إياك لامتناء مجيء زيد طيب يقول عز وجل لو يظلونكم يعني ودوا أن يظلوكم والإغلال بمعنى الإتاهة عن الحق يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين يمكن أن يفسر بالعاية الثانية التي في البقرة ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم كفارا حسدا ود كثير من الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم يقول عز وجل وما يظلون إلا أنفسهم يعني بمحاولة عده ماذا لا يظلون إلا أنفسهم وبماذا يظلون أنفسهم المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى وما يهلكون إلا أنفسهم وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصارهم كالظالين وقيل بل المعنى وما يظلون أنفسهم أنهم إذ اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يرد الحق وأن يظل غيره اشتغل بمحاولة غيره عن محاولة هداية نفسه فيكون معنى ما يظلون إلا أنفسهم لأنهم اشتغلوا بمحاولة إذلالهم إياكم عن طلب هدايتهم لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إذلال غيره تجد يطبق كل بار ويسلك كل طريق يحاول به إذلال الغير وينسى نفسه ينسى نفسه وهذا واقع كثيرا حتى بين طلبة العلم أحيانا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجد يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عورض أن يطلب الحق وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرا عندما يختار الإنسان قولا أو يقول قولا ثم يراجع فيه يتبين له أن الصواب خلاف ما كان يعتقد أولا نعم إذن ما يظلون أنفسهم فيها رأيان الرأي الأول ما يظلون إلا أنفسهم بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله والثاني ما يظلون إلا أنفسهم بانشغالهم بمحاولة إضلالهم إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم قال بعض المفسرين وهذا أولى وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مجد في هذا المقام لأنهم أصلا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا لا يؤمنوا بمن أنذر بهذا حتى يقال إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم ولكن الواقع أن هذا غير وارد يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع فالآية محتملة للمعنى المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يظلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والأثام والمعنى الثاني يظلون أنفسهم بإضاعتها واشغالهم بما يكون سبباً لضلالكم وما يظلون إلا أنفسهم وما يشعرون يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم لأن الإنسان في غمرة الغلبة أو حب الغلبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم والشعور هو المعنى النفس الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخاً وتنديماً أحياناً أو عكس ذلك تفريحاً وتفاولاً في هذه الآية الكريمة بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين حيث يودون لهم الإضلاء والطائفة من القوم الغالب أن مشرب بقية القوم نشربها فإذا كان هذا الطائفة تود هذا فغيرها كذلك ومن فوائد الآية التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم كالمشركين وكل من الطائفتين يودون من المشركين الضلاء قال الله تعالى نعم يودون من المسلمين الضلاء قال الله تعالى ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء وقال تعالى عن المشركين من القريش وودوا لو تكفرون فكل المشركين وكل الملحدين وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويظلوا بعد هدالتهم وإيمانهم وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعدى ألد يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه ويبتلى بمثل ما ابتلى غيره به لقوله وما يظلون إلا أنفسهم ومن فوائد الآية الكريمة تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال لا تخافوا منهم فإن الإضلال إنما يعود عليهم ولكن هذا في حق المؤمنين حقا الذين يؤمنون بدينهم تماما ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالا باللسان أو حروفا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظمون غيرهم في نهوسهم فإن هؤلاء ربما يصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم ومن فرائد الآية الكريمة أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى وما يظلون إلا أنفسهم وما يشعرون ومن فرائد الآية الكريمة إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله ود الطائفة فإن الود محله القلب ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل ومن فرائد هذه الآية الكريمة أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين لأننا نقول له إنك لا تعلم ما في قلوبهم واصمع إلى أعلام الغيوب عز وجل يقول ود الطائفة من أهل الكتاب لن يظلونكم فأنت لا تعلم ولا تغتر لمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم