107 - 459 - الفوائد المستخرجة من الآية ( 49 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله عز وجل ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل يعني يرسله رسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بعية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير إلى آخر في هذه الآيات من الفوائد أن عيسى بن مريم قد جاء بالبينة من الله لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لا بد أن يأتي بآية يأخذ من قوله قد جئتكم بآية من ربكم ومن فوائدها الإشارة إلى وجوب قبول رسالة لقوله من ربكم يعني فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدا فتقبلوا ما جاءت به رسله ومن فوائد الآية الكريمة أيضا قدرة الله عز وجل قدرة الله حيث يخلق عيسى بن مريم من الطين كهيئة الطير فينفق به فيكون طيرا بإذن الله في الحال بينما الأمور العادية لا يكون طيرا إلا بعد مدة بعد أن يفكس من عبيضة ويترعر فيطير ومن فوائد الآية الكريمة أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح وإن كان نظيره بدون أمر حراما كقوله أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فلو أن أحدا أراد أن يصنع تمثالا من الطين على هيئة الطير لكن ذلك حراما لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالا ولهذا نظائر السجود لغير الله الشرك والسجود لغير الله بأمر الله طاعة ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين قتل النفس المحرمة ولا سيما ذو الرحم من كبائر الذنوب وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله فإبراهيم عليه الصلاة والسلام أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثب وكان أمره وكان امتثاله لذلك طاعة لله عز وجل هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها فيكون طيرا بيد الله هذا أيضا من الأمور التي أبيحت بأمر الله عز وجل ومن فوائد الآية الكريمة إطلاق وصف الخلق على المخلوق أي أن المخلوق يكون خالق لقوله أخلق لكم وهذا له نظائر قال الله تعالى فتبارك الله أحسن الخالقين وقال النبي عليه الصلاة والسلام في المصورين يقال لهم أحيوا ما خلقتم لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقا حقيقة ولكنه تغيير أو تحويل فالإنسان مثلا يخلق من الطين صورة لكن من الذي خلق الطين؟ الله عز وجل لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئا على وجه الاستقلاء وإنما خلقهم للأشياء تغير صور الأشياء أو تحويلها من شيء إلى شيء أو ما أشبه هذا ومن فوائد هذه الآية الكريمة هذه المعجزة العظيمة لعيسى بن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرا وفي قراءة طائرا والفرق بل ليس هناك فرق في الواقع وذلك لأن الطير قد يطير وقد لا يطير ولكنه يصير طيرا يطير بإذن الله في الحال ومن فوائد الآية الكريمة أن من آيات عيسى عليه الصلاة والسلام أنه يبرؤ الأكمه والأبرص لكن لا استقلالا بل بإذن الله وإلا لا أحد يشفي من المرض أي مرض كان إلا بإذن الله عز وجل حتى الأشياء التي جعلها الله تعالى بطبيعتها شفاء للأمراض لا تشفي إلا بإذن الله وكم من دوائم كان مفيدا ونافعا لهذا المرض المعين ثم يستعمله المريض فلا ينتفع به ومن فوائد الآية الكريمة الآية العظيمة وهي إحياء الموتى وهذا من آيات الله وفي الآية الثانية وإذ تخرج الموتى بإذن الله ففي الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض وإحياء الموتى في القبور وإخراجهم من القبور أحياء أحياء يعني إذا ضمنت هذه إلى هذه استفدت فائدتين أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون وإذ تخرج الموتى بإذن الله وفي هذه الآية الكريمة إثبات الحكمة لله عز وجل وجهه أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبا لزمنه وعصره حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محلة عظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطب في عهد عيسى ترقى الطب ترقيا عظيما ولكن مهما ترقى الطب لم يصلوا إلى ما وصل إليه عيسى لا يبلؤون الأكمح ولا الأبرص ولا يبحين الموت ولا يخرجونهم من القبول لكن عيسى يأتي بهذه الآيات بإذن الله عز وجل قال أهل العلم وفي عهد موسى ترقى الصحر ترقيا عظيما فكانت آياته معجزة تقهر السحرة وذلك في العصى واليد ومحمد صلى الله عليه وسلم أتى بعث في قوم يفخرون بالبلاغة والفصاحة ويرونها هي محل التقدير والاحترام فكانت آياته أن جاء بكلام يعجز عن مثله البشر في بلاغته وفي معانيه وأحكامه إلى آخر وجوه العجاز في القرآن ومن فوائد الآية الكريمة إثبات الإذن لله الإذن لا الأذن الأذن هي الجارحة أو العضو الذي يكون في الإنسان لتلقي الأصوات وأما الإذن فهو الإذن فهو الإباحة والترخيص وما أشبه ذلك أما الأذن فلا يجوز أن نثبتها لله ولا أن ننفيها عنه لأن الصفات توقيفية والله عز وجل لم يثبت لنفسه أذنا ولم ينفي عنه الأذن أثبت لنفسه السمع والسمع ليس بشرط أن يكون من ذي أذن فها هي الأرض تسمى وتحدث أخبارها وليس لها آدان المهم أن الإذن هنا غير الأذن وإذن الله عز وجل ينقسم إلى قسمه إذن شرعي وإذن كوني فما تعلق بالخلق فهو إذن كوني وما تعلق بالشرع فهو إذن شرعي هذا الضابط الإذن الكوني ما تعلق بالخلق والشرع ما تعلق بالشرع ففي قوله تعالى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مَنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهِ الإذن هنا شرعي وليس كونيا لأنه كونيا قد أذن الله فيه شرع لكن لم يأذن به شرعا من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه كوني كوني وكذلك هنا فيكون طيرا بإذن الله ومن فوائد الآيات الكريمة أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئا من الربوبية من أين يأخذ؟ من تقييد فعل عيسى بإذن الله ومن فوائد الآيات الكريمة الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام له حقٌ في الربوبية وكذبوا في ذلك كذبوا في هذا فعيسى عبد عبد الله ورسول قال لقومه وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَعْبُدُوهُ وقال الله تعالى عنه إِنْهَ إِلَّا عَبْدُّ نَانَّ عَلَيْهُ وَجَعَلْنَاهُمْ مثلاً لبني إسرائيل فهو عبد لا يملك من الربوبية شيئاً أبداً لأن الربوبية من حق الله الخاص الذي لا شك فيه أحد ومن فوائد الآية الكريمة أن الله تعالى أطلع نبيه عيسى بن مريم على ما يأكل قوم وما يدخرون مما يخفى على غيره لقوله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكِ ومن فوائدها أيضاً إثبات الحكمة لله سبحانه وتعالى في أن الله أطلع نبيه عيسى على ذلك حتى يخافوا أن يخفوا شيئاً لا يرضاه الله ورسوله لأن إذا كانوا ينبئهم بما يكونوا وما يدخنوا في بوتهم معناها أنه يطلع على أسارهم البيتية وهذا يلزمهم أن لا يبيتوا شيئاً لا يرضاه ومن فوائد الآية الكريمة أنه ينبغي التكرار في المقام الهام لقوله إن في ذلك لا آية لكم مع أنه قال في الأول قد جئتكم بآية من ربه وذلك لأن الأمور الهامة ينبغي تكرارها أولاً من أجل أن يتبين للمخاطب أهميتها عند من؟ من؟ لا أن يتبين للمخاطب أهميتها عند متكلم وأنه ذو عناية بها والثاني من أجل أن ترسخ في الذهن لأنه كلما تكرر الشيء ازداد رسوخاً ومن فوائد الآية الكريمة أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل لقوله إن كنتم مؤمنين وكلما كان الإنسان أقوى إيماناً كان أقوى قبولاً لما جاءت به الرسل من الآيات الكونية والآيات الشرعية ومن فوائد الآية الكريمة أنه يجوز تعليق الأحكام بالأوصاف لقوله لا آية لكم إن كنتم مؤمنين وهذا شيء كثير قد تعلق الأحكام بالأوصاف إما بأدوات الشرط المعروفة وإما بغير ذلك المهم أن تعليق الأحكام بالأوصاف سواء عن طريق الشرط أو عن طريق الصفة المعروفة النحو أو البدل أو غير ذلك جار في القرآن والسنة