106 - 459 - تكملة تفسير الآية ( 49 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

وأبرئ الأكمه والأبرص أبرئ بمعنى أشبه والبرئ في الأصل من البراءة والبراءة من الشيء السلامة منه ومنه برئ من دينه أي سلم من غائلته غائلة الدين وضيق الدين فالبرء من المرض يعني السلامة والشفى منه وقوله الأكمه الأكمه قيل إنه الذي لا يبصر ليلا ويبصر نهارا وقيل هو الذي يبصر ليلا ولا يبصر نهارا وقيل هو الذي لا يبصر إلا بمشقة وقيل الذي ولد بلا عين نعم فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها فهو للمعاني كلها وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدا فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من ولد بلا عين لأن هذا أبلغ في القدرة لأنه كل ما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية فنحن نقول إن كانت اللغة العربية تطلق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية الشاملة وإن لم تحتمل إلا معنى واحدا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين لأن هذا أبلغ في القدرة والأبرص من به برص والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن وقد لا يؤثر لكن البرص ليس له دواء فلهذا قال أبلغ الأبرص بإذن الله وقوله أبلغ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله وليس المراد بالموتى هنا موتا معينين بل هو للجنس فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر أما قول من قال إنه أحيى سام بن نوح أو أحيى فلانا فهذا من الإسرائيليات لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه هو ميت يأمره فيحيى بإذن الله نعم وحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم أنبئكم أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوته من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك وهذا فيه شيء من علم الغيب فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان يقول أكلت اليوم كذا وكذا وكذا وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا مع أنه لم يبعث أحدا يطلع على ما في البيت وهذا لا يكون إلا بوحمة الله إذا لم يكن هناك بشر يطلعهم على ما في البيت فإنه يكون من وحي الله وقد يكون بواسطة الجن فإن الجن ربما تختم الإنس فتذهب إلى الأمكنة البعيدة أو تتسور الجدران وتخبر بما في البيت وتخبر ما في البيت لكن الجن الذي على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به أو الاتصال به لماذا؟ لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان ولا يجوز الإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق من في حق عيسى عليه الصلاة والسلام يعني لو قال قائل إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويدخر في البيت قلنا لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى لأن الاستمتاع بالجن على هذا الوصف محرم لما فيه من العدوان والظلم لكن وعيسى لا يمكن أن يفعل هذا فتبين أنه يأتيها عن طريق الوحي والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة في الأمور الخاصة في البيت والثاني والله أعلم تحذيرهم من أن يأكلوا شيئا محرما عليهم ولهذا سيأتي أنه قال لهم ولو يحل لكم بعض الذي يحرم عليكم لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخلون في بموتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يجسر الله لهم فيحله لهم قال الله تعالى إن في ذلك لا آية لكم إن كنتم مؤمنين إن في ذلك المشار إليه ما سبق من عدة أمور قوله أني أخلق لكم من الطين كاية الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وابرئوا لكم هو الأبرص وابحي الموت بإذن الله ونبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم هذه ثلاثة آيات كلها آية تدل على صدق إيسى عليه الصلاة والسلام وأنه رسول الله حقا لأن مثل هذا لا يستطيعه البشر وآيات الأنبياء التي جاءت هي علامات على صدقهم لا يستطيع أن يأتي بمثلها البشر لأن الآية لو أمكن للبشر أن يأتي بمثلها لم تكن آية إذ أن كل إنسان يستطيع أن يفعل مثل هذا وقول إن كنتم مؤمنين يعني أنها آية بهذا القي أي إن كنتم مؤمنين وأما المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات وأما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بالآيات ولا تكون الآية آية له قال الله تعالى وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون لأن قلوبهم قاسية مطبوع عليها والعياذ بالله لا يصل إليه الخير ولا تلين من أجل العقوبات والنذر لأنها قاسة فالمؤمن هو الذي ينتفع بالآيات بل لا ينتفع بالآيات والعياذ بالآيات بل إن غير المؤمن بل إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين وذلك بسبب ما كان على قلبه من ظلمات المعاصر والعياذ بالله لقوله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون والإيمان سبق لنا معناه كثيرا بأنه التصديق المستلزم للقبول والإذعان وليس مجرد التصديق ودليل ذلك أنه لا يتعدى بما يتعدى به التصديق فإنه لا يقال صدقته نعم لا يقال آمنته ويقال صدقته بل إنه يتضمن الإقرار والاعتراف والإنقياد والتسليم ومن صدق ولم يقبل ولم يذعن فليس بمؤمن فأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان مصدقا برسالته لكنه لم يقبل ولم يذعن فلم يكن مؤمنا وإلا فإنه يصدق بما يقول بعشاره وفي أحواله لكنه لا يتعدى بالله ليس بمؤمن إذن الإيمان معنى زائد على التصديق وليس هو مجرد السيء