58 - 459 - تتمة تفسير الآية ( 26 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

وتعز من تشاء وتذل من تشاء والعزاز هنا يعني التقوية أي تجاله عزيزا قويا غالبا على غيره وكذلك تذل من تشاء وهل هذا ملازم الملك أي تعز من تشاء من الملوك وتذل من تشاء أو هو عام قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه وإن لم يكن ملكا وقد يعزه بملكه وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية وبالغلبة بالمعصية هذا في مقابل العز بالإيمان وبالغلبة في مقابل العز بالملك المهم أن الإعزاز والإذلال لا يستلزمان الملك ولا يستلزمهم الملك فمن الذي يعزه الله يعز الله تعالى من ذكره بقوله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فالعزة لله لكنها لكن لا دخل الله في الآتي هنا لكن الذي يعزه الله هم الرسل وأتباعه كما قال الله تعالى كتب الله لأغلبن أنا ورسله إن الله قوي عزيز فمن أسباب العزة الإيمان سواء كان إنسان ملكاً أم غير ملك ومن أسباب العزة الاستعداد والحذر والحزن والقوة والنشاط كل هذه من أسباب العزة لكن هذه أسباب مادية حصية والإيمان سبب معنوي على أن الإيمان قد يكون من ثمرته ونتيجته أن يكون الإنسان قوياً حازماً ينظر إلى الأمور بمنظار الحكمة فتحصل له بذلك العزة قال وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ يُذِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنَّ مِنْ مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ مُلْكُ وَمِنْ مَنْ لَمْ يُؤْتِهُ حتى الملك ربما يكون ملكاً ولكنه ذليل ذليل ضعيف خائف كل شيء يخاف منه ولا يكون عنده حزم وقوة ونشاط وقد يذل الله سبحانه وتعالى الإنسان حتى في ملكه وقد يذل الله من لم يكن ملكاً ومن أسباب الذل أن يعجب الإنسان بنفسه وأن يتعرض لما لا يمكنه دفعه فهذا نشيئاً إعجابه بالنفس قد يخذله ويذله كذلك تعرضه لما لا يمكنه دفعه قد يكون سبباً لذله أيضاً وخذلانه وكل الأمرين يقع فيهما كثير من الناس فكثير من الناس يتكلم أو يفعل غير ملتفت إلى الاستعانة بالله عز وجل وكثير من الناس يتعرض للأمور التي لا يمكنه دفعه تكون أموراً كبيرة فوق مستوى ثم يختل ويذل ولهذا جاء في الأثر لا ينبغي لأحدكم أن يذل نفسه فقالوا كيف يذل نفسه؟ قال يتكلم بما لا يمكن أن يدفعه أو كلمة هذا معناه فالإنسان ينبغي له أن لا يعرض نفسه بالذل بسبب معقول أو بمعنوي أو بغير ذلك فالأول أن يكون معجباً بنفسه يقول القولة أو يفعل الفعل غير ملتفت لماذا؟ للاستعانة بالله والثاني يتعرض نفسه لأمور لا يمكنه دفعه أمور أكبر من مستوى والنفرض واحد يتكلم بالفقر وهو لا أعرف الفقر فيختل ويذل يتكلم في النحو وهو لا أعرف النحو يتكلم في الأصول وهو لا أعرف الأصول فيظهر ذله أمام الناس ولهذا ينبغي الإنسان أن يتحرى في قوله حتى لا يقع في شبكة الذب وتذل من تشاء بيدك الخير بيدك الخير الخير بيد الله عز وجل والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد فهو خير سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة فالرزق والصحة والعلم هذه خير والعمل الصالح أيضا الخير فكل ما ينتفع به الإنسان في دينه والدنيا فهو خير وهذا كله بيد الله كما قال تعالى وما بكم من نعمة فمن الله وهنا ذكر أن الخير بيده ولم يذكر الشر مع أن الخير من الله والشر من الله فقال بعض المفسعين إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم فقوله وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وزعموا أن تقدير الآية بيده الخير والشر ولكن هذا وهم الباطل وليس المقام مقام حذف وقصر أو اقتصار المقام مقام ثناء والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام فالحذف غير مناسب لفظا وهو باطل معنا لأن الله لا يضاف إليه الشر ولا يجوز أن نقول بيده الشر لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والشر ليس إليك فلا ينسب إلى الله الشر طولا ولا فعلا فالله يقول الحق وهو الهدى السبيل ويفعل الخير ولا يفعل الشر وإذا وجد شر في المفعولات فهو شر من وجه خير من وجه آخر لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرا بل هو خير خير محف ففعل الله ليس فيه شر إطلاقا والشر إنما هو في إيش في المفعولات لا في الأفعال أما الخير فهو في المفعولات والأفعال ولها لا ينسب إلى الله فهو قل بيده الخير لكن الشر ليس إلى الله فلنضرب لهذا مثلا ولنضرب لهذا مثلا بقضية بالسباء والهوام فالسباء فيها شر والهوام اللاسعة واللادغة فيها شر بلا شك الشياطين كلها شر لكن إيجاد الله لهذه الأشياء خير خير ولا بد منه الحكمة توجبه لأنه لا يمكن أن تعرف تماما قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد ولجوءه إلى ربه واستعادته به من هذه الأمور الشريرة خير كثير ثم إن الخير لا يعرف إلا بضده لا يمكن أن يعرف خير إلا إذا عرف ضده حتى يعرف قدر الخير ثم إن الخليقة لا بد لها من امتحان فلو كانت في خير دائما لزال هذا الامتحان لأنها دائما في خير فإذا وجد شر فحينئذ يعرف أو حينئذ يتبين الامتحان لو كان الإنسان دائما في صحة ودائما في غنى ودائما في عقل ودائما في سعة ما حصل في هذا الامتحان ولا عرف قدر النعمة ولا شكر الله عليها لكن إذا أصيب بمرض عرف قدر الصح بفقر عرف قدر الغنى بخوف عرف قدر الأمن وهكذا فوجود هذه الأشياء فيه فوائد عظيمة فيكون إيجادها خيرا يكون إيجادها خيرا وليس بالشرف لكن هي نفسها فيها شرف كذلك وجود الأشياء المدمرة كالزلازل والعواصف والفيضانات وما أشبهها هي شر في نفسه لكن فيها خير عظيم فيكون إيجادها خيرا وليس بالشرف إذن فيجب أن نبقي الآية على ظاهرها بدون تقدير وهو قوله بيدك الخير ولا شر ينسب إلى الله أما المفعولات فلا شك أن فيها خيرا وشر إنك على كل شيء قدير ومن قدرتك تغيي هذه الأشياء العظيمة إيتاء الملك نزعه الإعزاز والإذلال كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا قادر عليها سبحانه وتعالى وقول إنك على كل شيء قدير الآية العامة فهو قدير على كل شيء على ما شاءه وما لم يشاءه قدير على ما شاءه وعلى ما لا يشاءه فما لا يشاءه قدير على إيجاده وما شاءه قدير على إيجاده نعم إذا كان مقيدا بوقت وعلى إعدامه كان موجودا المهم أن الله قدير على كل شيء على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود سواء أراده أم لم يرده وبهذا نعرف أن تقديد بعض الناس القدرة بالمشيء خطأ الذين يقولون إنه على ما يشاء قدير هذا خطأ لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء ولكن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه وبهذا التقديد الأخير أن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه يتبين الجواب عن قوله تعالى وهو على جمعهم إذا يشاء قدير وذلك أن المشيئة هنا ليست عائدة على القدرة ولكنها عائدة على الجمع يعني إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعتز عنه