57 - 459 - تفسير الآية ( 26 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى القل الله ممالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك من من تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء إلى آخره الخطاب لا يخفى أنه لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولوا يريدون أن تكون السيادة لهم لا لغيرهم فأمر النبي عليه الصلاة
والسلام أن يبعو الله تعالى بهذا الدعاء المتضمن لهذه الصفات العظيمة التي مقتضاها قدرة الله سبحانه وتعالى على أن ينقل الرسالة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب بمحمد صلى
الله عليه وسلم فهذا وجه ارتباط هذه الآياتين بما قبلهم أي أن هؤلاء الذين تولوا وأعرضوا إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم لا شك أنهم يريدون أن تبقى السيادة لهم وأن يمنعوها غيرهم
فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب فقال فقال قل اللهم مالك الملك وقد سبق الكلام على هذه الجملة
اللهم وبينا أنها منادى حذفت منه ياء النداء وعوذ عنها الميه ولهذا لا يجمعوا بينهما ولا يجمعوا بينهما إلا في حال السدود كما قال ابن مالك وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِي أي في
النظم وقولها اللهم مالك الملك أي ياء الله وقوله مالك الملك مالك اسم فاعل والملك يحتمل أن يكون بمعنى المملوك أي مالك المملوكات كلها ويحتمل أن يكون المراد به التدبير أي مالك تدبير
الخلائق كلها والأمران ثابتان لله عز وجل فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها وهو مالك التصرف فيها لا يشك في ذلك أحد هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور وقوله مالك الملك قيل إنه بدل من
الله ولكنه نصب لأنه مضاف والبدل يكون على نية إعادة العامل وأنت لو سلتها التي هي العامل في اللهم لو سلتها على مالك الملك لوجب النصب لأن المنادى إذا أضيف يجب فيه النصب وسواء قلت إنها
بدل أو إنها منادى حذف منه حرف النداء فإن المعنى لا يختلف قال مالك الملك ثم فصل فقال تؤتي الملك من تشاء والأصح أن تؤتي هذه جملة استئنافية لبياني كيف يكون ملك الله عز وجل لهذا
المملوك فقال تؤتي الملك من تشاء وقال تؤتي أي تعطي ولم يقل تملك لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إيجاه وتسليطه عليهم ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين بما ملك
إلا على حسب إيش إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله عز وجل لأن الإتان من الله فالتصرف في هذا المؤتى إلى الله عز وجل لا إلى الإنسان فالإنسان لا أملك أن يتصرف تصرف مطلقا فيما ملكه
الله وقوله تؤتي الملك من تشاء هي من الجملة الفعل تؤتي من الأفعال التي تنصب مفعولي ليس أصلهما المبتدى والخبر ومفعولها الأول الملك مفعولها الثاني من تشاء من وقوله تؤتي الملك من تشاء
نحن نعلم أن من سنة الله عز وجل أن كل شيء له سبع إما شرعي وإما كون لأن هذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مقيد بسببه فلابد أن يكون له سبب
فالملك قد يكون مستقلا عن الرسالة وقد يكون نعم تابعا للرسالة فإذا كان مبنيا على الشريعة صار تابعا للرسالة وإذا كان غير مبنيا على الشريعة كان مستقلا قال الله تعالى ألم تر إلى الذي
حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك وهذا ملك تابع لرسالة ولا لا لا لا هذا مستقل لا يتبع بالرسالة لأنه كافر هذا الذي يحاج إبراهيم في ربه وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام إن الله
زوالي الأرض فرأيت رأيت مشارقها ومغاربها وأن ملك أمتي سيبلغ ما حوالي منها أو ما زوالي منها فالمراد بالملك هنا ملك النبوة يعني الملك التابع للنبوة فهنا يقول تؤتي الملك من تشاء يشمل
الملك المستقل الذي قد يكون مبنيا على الكفر والملك التابع للرسالة وهو المبني على الشريعة قال تؤتي الملك من تشاء ثم إن من تشاء ككثير من الآيات الكريمة المقيدة للحكم بالمشيئة أو
المعلقة للحكم بالمشيئة تقيد كلها بما تقتضيه الحكمة تؤتي الملك من تشاء وتعز من تشاء نعم وتنزع الملك ممن تشاء قول التنزع الملك يحتمل وجهين الوجه الأول نزع بعد ثبوته والوجه الثاني نزع
بمعنى المنع فعلى الأول يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يملك من شاء من خلقه ثم ينزع عنه الملك وكم من ملك ملك ثم زال ملكه إما بالغلبة له أو بموته أو بغير ذلك ويحتمل أن تكون بمعنى
المنع أي تملك من شئت ولا تملك من شئت وكل المعنى صحيح فالله تعالى قد يمنع الإنسان الملك وقد ينزع الملك منه بعد ثبوته له وكلهما صحيح إذن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا يملكه وهذا
لا يملكه وهذا يملكه ثم ينزع الملك منه وهذا يملكه ويستمر الملك له حتى توفاه الله وتنزع الملك ممن تشاء ولكن يكون هذا بحكمة أيضا فقد يكون هذا الملك الذي نزع منه الملك غير صالح للملك
لكونه من أصحاب الفساد في الأرض فيسلط عليه من ينزع الملك منه وقد يكون هذا الملك ضعيفا هو لا يريد الفساد لكنه ضعيف لا يقيم الإصلاح فيسلط عليه من ينزع الملك منه وهذا كثير في التاريخ
لو تدبرتموه والله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئا إلا بحكمة