56 - 459 - تفسير الآية ( 25 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون أي فكيف تكون حالهم في هذا الوقت إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك
اليوم وما أشد حسرتهم إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيهم واللام تأتي دائما بمعنى فيه ويسمون هلام التوقيت ومنها قوله تعالى يا أيها النبي إذا طلقتم النساء
فطلقوهن لعدتهم أي في قبل عدتهم أي في استقبال عدتهم فاليوم لا ريب فيه أي جمع لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة وقوله لا ريب فيه إما أنه خبر بمعنى النهي بمعنى النهي المعنى لا ترتاب
فيه أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل أما الكتاب فما أكثر الآيات التي
فيها إثبات اليوم الآخر وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق وأما في السنة فكثير أيضا إثبات هذا اليوم وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن
هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله خليقة يعمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه
الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون نديجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابا لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه لو أن الإنسان صنع ثوبا وخاطه وأتقنه ومن أحسن ما
يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبقى له أثر لعد الناس كلهم هذا سفه فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسليها الرسل وأباح دماء وأموال من لم ينقد لهذه
الكتب ويتبعها إلى الرسل ثم تكون نتيجة أن تتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه فكيف إذا جمالهم اليوم
لا رأي فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون وفيت يعني أعطيت ومنه قولهم وفاه حقه أي أعطاه حقه وافي وقوله كل نفس كل نفس من البشر أو من غيرهم من البشر والجن يعني من المكلفين الذين
أمروا ونهوا هم الذين يوفون وجوره أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يجازون عليها فلا يشملهم قوله ووفيت كل نفس ما كسبت كيف تكون حال هؤلاء
الذين تولوا وهم معرضون تكون أسوأ حال وليا ذو بالله لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جوزوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جوزوا بالعذاب المهيد فتكون أعمالهم حصرات عليهم وليا ذو بالله ومن
القيامة ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أخرى وقول كل نفس ما كسبت يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة ماء ولكن كيف توفى أما الخير فيوفى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة
ضعف إلى أضعاف كثيرة وأما في الشر فيوفى السيئة بمثلها إن لم يعفوا الله قد يعفوا الله عنه وقد يكون له أعمال صالحة تكفر هذه السيئات فالجزاء الله عز وجل وتوفية للأعمال دائر بين الفضل
والعدل بين الفضل في أهل الخيف والعدل في أهل السوء أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا منتنع ولهذا قال وهم لا يظلمون لا يظلمون فلا ينقص أحد من حسناته ولا يزاد فيه سيئاته ونحن
نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يقل من ثلاثة حالات إما أن نوفيه بالفضل أو بالعدل أو بالجور إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل وعما الجور والظلم فهذا منتنع ممتنع عليه
لقوله تعالى وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحْلَىٰ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدٍ وَمَنْ يَا مَنْ مِنَا الصَّلْحَاتِ وَهُوَ مُؤْمٍ فَلَا يَخَافُمْ ظُلْمًا وَلَا هَظْمًا وفي الحديث
القدسي أن الله تعالى قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفس وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا وقال الله عز وجل فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون في هذه
الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله فكيف إذا جمعناهم ووفيت كل نفس وفيها دليل أيضا على الندى بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران ولهذا قال كيف تكون حالهم
في ذلك اليوم والجواب أن حالهم أخيب الحال أخيب حال هي حالهم ولعذب الله لأنهم ليس عندهم شيء خسروا دينهم ودنياه ومن فوائد الآية الكريمة إثبات اليوم الآخر لقوله ليوم لا ريب فيه ومن
فوائده أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر لأنه مكذب لقوله تعالى لا ريب فيه فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه أمر واقع ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأخذك وأخيك في ذلك
اليوم لكن تجتمع بهم وأنت تفر منه يوم يفر من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأنه يغنيه حتى يستقر الناس في منازلهم فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة
فهذه غاية المنع والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم لكن
هل يلحق الأعلى ينزل الأدنى ولا بالعكس بالعكس يرفع الأدنى إلى الأعلى أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته لأن هذا له ذرية على كل حال في قوله فكيف إذا جمعناهم
اليوم لربح فيه دليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكثيبه لله عز وجل طيب ومن فوائد الآية الكريمة أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله ووفيت كل نفس ما كسبت
وإنما قلت التوفية الكاملة لأن الإنسان قد يوفى شيئا من عمله في الدنيا أليس كذلك؟
بنا قد يوفى في الدنيا لكن يوفى في الآخرة أيضا يوفى ما عملت توفى النفوس ما عملت قد يوفى في الدنيا وماذا يوفى؟
قال الله تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مَنْ حَيْثُ لَيَحْتَسْبُ مَخْرَجًا من كل ضيء وسعه في الرزق ويرزقه من حيث لا يحتسب هذا في الدنيا وهذا جزاء
هناك جزاء آخر أشد يعني أعظم وأنفع وهو الهدى الهدى قال الله تعالى وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًا وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال لأن الهدى إذا
زاد الله الإنسان هدى انشرح صدعه واستنار قلبه واطمعا ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه جُعلت
قرة عيني في الصلاة والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عيني لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين الأمر الأول أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلا لربه ومحبة له وإنابة إليه
والأمر الثاني أنه بذلك متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يشعر حين في العمل حين في العبادة أن إمامه محمد صلى الله عليه وسلم فيزداد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما
لقوله بل وتعظيما لهده وسنته وهذا أعظم كسب أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى ومن فوائد هذه الآية الكريمة انتفاء الظلم عن الله عز وجل لأن قوله وفيت وهم لا يظلمون
فاعلها معروف من الموفي؟
الله والذي لا يظلم؟
الله ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟
الثاني إلا أننا نقول لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم فيكون نفي الظلم لكمال العدل انتبه لأن الظلم قد يكون كاملا وقد يكون ناقصا يعني قد يكون كاملا بحيث لا يعطى شيئا من عمله من
جزائي عمله وقد يكون ظلما ناقصا يعطى بعض الشيء فإذا نفى الله عن نفس الظلم صار ذلك مستلزما لكمال العدل وكذلك ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب اللغوب
يعني التعب والإعياء تعب والإعياء الله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهم في ستة أيام ولم يمسه لغوب أي تعب وإعياء لماذا؟
لكمال قوته وقدرته عز وجل الإنسان يعمل العمل لكن يتعب يتعب أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام وما مسه من لغوب طيب إذا نأخذ
من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات وهي أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضد فضد الظلم العدل إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل ضد القدرة والقوة التعب فإذا انتفى
التعب ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقص نعم نعم