54 - 459 - تفسير الآية ( 23 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
ثم قال الله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ألم ترى الاستفهام هنا للتعجب فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاق
وترى يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال والحال تعلم وليست ترى بالعين يعني ألم تعلم إلى هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يعني
أوتوا نصيباً من العلم والذين آتاهم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم قال الله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي
خيراً كثيراً وقال تعالى وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل وقوله نصيباً من الكتاب يفيد التقليل أو التكثير يحتمل أن يكون المراد أوتوا
نصيباً كبيراً من الكتاب بحيث يكون حاملاً لهم على الاهتداء ولكنهم العياذ بلا استكبروا ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل وأنه لو فرض أن عندهم علماً كثيراً فإن هذا العلم لم ينفعهم
فصاروا كالذي أوتي نصيباً قليلاً من العلم وقوله يدعون إلى كتاب الله هذا محل التعجل يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يدعون إلى كتاب الله والدعي لهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن
دعا بدعوته إلى يوم القيامة هؤلاء يدعون إلى كتاب الله ليحكم ما بينهم إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأسند الحكم إليه
لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيراً على كل حال سواء قلنا إن الضمير في يحكم يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون
هذا ولهذا قال ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون يتولى فريق منهم لا كلهم لأن بعضهم قد هدي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب قد هداهم الله وهم كثيراً لكن تولى فريق منهم ومع توليهم
فإنهم معرضون والعياذ بالله ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطل بل هم متولون معرضون وإنما قال وهم معرضون وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ
لكن في قلبه شيء من الإقبال أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلأوا إعراضاً عن كتاب الله ليحكم بينهم وهنا يقول يتولى فريق منهم وهم معرضون كيف صحت الحال من النكرة فريق هل هو ما يبين
هيئة الفاعل أي نعم أو فعل النكرة أو معرفة لا لعب ما يبين هيئة الفاعل أي لكن الفاعل لابد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب نعم لأنها موصوفة فريق منهم وإذا وصفت النكرة تخصصت فصادت شبيهة
من المعرفة ثم توالي في غمهم عرون ذلك بأنهم قالوا لن تمستنا النار إلا أياماً معدودات ثم قال الله تعالى ألم ترى إلا لي نوته نصيباً من الكتاب إلى آخره يستفاد من هذه الآية الكريمة
فوائد أولاً أنه ليس كل من أعطي علماً يوفق للعمل به لقوله يدعون إلى كتاب الله ثم يتولى ومن فوائد الآية الكريمة التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم ثم بعد ذلك
نعم لا يقبلون على كتاب الله عز وجل ومن فوائدها أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا وهذا هو محط الذم هذا محط الذم أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم
يفرطوا بطلب الحق ومن فوائد الآية الكريمة أن الواجب تحاكم إلى كتاب الله لقوله يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ومن فوائدها أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه فلا أحد من الحكام
يستطيع أن يشرع أحكاما مخالفة لأحكام الله بل من شرع أحكاما مخالفة لأحكام الله وألزم العبادة بها فهو كافر بالله عز وجل كافر اللهم إلا أن يعدر بتأوين السائر فهذا قد يخطجهما كفر لكن
فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره ومن فوائد الآية الكريمة أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء لأنه لم يخص قال ليحكم بينهم في كل شيء
فيستفاده من هذه ويتفرع على هذه الفائدة الرد على من قال إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط أما المعاملات فهي إلى الخلق واستدلوا لذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة
ورأى الناس يؤبرون النخل معنى يؤبرونها يلقحونها فقال عليه الصلاة والسلام ما أرى ذلك يغني شيئا هذا أو معنى فتركوا التأبير ففسدت سمر لأن النخل إذا لم يؤبر فسد فلما حصلت السمر جاءوا
إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه فقال أنتم أعلموا بأمور دنياكم أنتم أعلم بأمور دنياكم قالوا فواكل علم أمور الدنيا إليهم بل جعلهم أعلم منه بهذا وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل
فيها الشرق ولكن هذا فهم خاطئ ومباطئ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم فهذه مرجعها إلى الشرق وإما أمور فنية تدرك بالتجارب والتعلم فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة وكم
من عالم عنده علم غزير واسف في أمور الشرق لا يستطيع أن يسمع بابا ولا إبرة ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ولا يستطيع أن يسمع بابا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن لباب أليس كذلك ومسألة
الصحابة رضي الله عنه في التعبير مسألة فكمية أو مسألة فنية فنية بلا شك تدرك بالتجارب والنبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم ولد بمكة ومكة ليست ذات نخل ولا يعلم عن هذا شيئا فصار أهل
المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور صاروا أعلم منه بذلك أما مسألة الحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم المهم أن الحكم لمن لله ولا يجوز أن يكون حكم لأي شيء فإن قال قائل
لأي شيء سوى الله فإن قال قائل ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة فالجواب بلى لكن من الذي يرجعنا إلى العرف الشرع كان العرف عاشرون بالمعروف أمسقوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف فالشرع
هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكمناه وليهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني البخاري أو مسلم أو
أبو داود أو ما سبه ذلك لا نرجع إلى هذا نرجع إلى من؟
إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه إذن الحكم فيما رد إلى العرف لمن؟
للشرع لا الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف وأهل العرف يحكمون طيب ومن فوائد هذه الآلات الكريمة أن هؤلاء الذين دعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيباً من الكتاب لم يتولوا
جميعاً بل تولى فريق منه والأمر كذلك فإن كثيراً من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم وكان لهم قدم صدق في الإسلام ومن فوائد الآلة الكريمة ذنب من يتولى بإعراض يقول يتولون يتولون من
بعد نعم وهم معرضون يتولى فريق منهم وهم معرضون لأن التولي كما ذكرنا في التفسير قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض والتولي مذموم كله ولكن إذا كان عن إعراض وعن المبلات كان أشد