35 - 459 - تكملة تفسير الآية ( 15 ) من سورة آل عمران - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
وقوله للذين اتقوا لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم وجنات مبتدى مؤخرة وتقديم الخبر يفيد الحصر لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر طيب للذين اتقوا
عند ربهم اتقوا ماذا اتقوا الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وأحيانا نؤمر باتقاء اليوم يوم القيامة كما في قوله واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وأحيانا نؤمر بتقوى النار
واتقوا النار التي أعدت الكافرين ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها
ليست تقوى عباده وإنابه وتعلق بها بل تقوى فرار منها وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه الله وهو يوم القيامة المهم أن قوله للذين اتقوا ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها وهي
تقوى تقوى الله عز وجل لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار فما هو تقوى الله فما هي تقوى الله قال بعض العلماء في تقوى الله أن
تعمل لطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك مانها الله على نور من الله تخشى إقاب الله وهذا يتضمن الإخلاص والعلم العلم قوله على نور من الله والإخلاص ترجو ثواب الله وتخشى
إقاب الله يعني لا أحملك على هذا حب الدنيا أو الجاهة أو الرئاسة أو ما أشبتها وقال بعض العلماء إن تقوى الله أن يخلي الإنسان جميع الدنيا صغيرها وكبيرها وعلى هذا قول شاء خلي الذنوب
صغيرها وكبيرها ذاك التقى واعمل واعمل كماشي فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحطرن صغيرة إن الجبال من الحصر وقال بعض العلماء تقول الله عز وجل اتخاذ وقاية من عذابه بفعل عوامره واجتناب
نواهيه وهذا أجمع ما قيل في التقوى إن اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه ثم أعلم أن التقوى أحياناً تقرن بالبر وأحياناً تفرد فإن قرنت بالبر صارت صارت صار معناها
اجتناب المعاصر والبر فعل الطاعة وإن وفرجت عنه صارت شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهيه ولهذا الاستعمال في الكلمات شواهد كثيرة أو نظائر كثيرة للأصحة كالفقير والمسكين الفقير والمسكين
إن ذكر جميعاً صار لكل واحد منهما معنى وإن أفرد أحدهما صار بمعنى واحد كذلك الإيمان والإسلام عند الإفراد يدخل أحدهما في الآخر وعند الجمع يكون لكل واحد منهما معنى غير الآخر قوله للذين
اتقوا إذن اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه عند ربهم العندية هنا تفيد فضلاً عظيماً لأنها هي القرب من الله عز وجل عند ربه كما قال تعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته
ويسبحونه ولا هو يستدون كما قال تعالى ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسنون يسبحون الليل والنهار لا يفتنون ثواب أهل المتقين عند الله والعندية تفيد القرب ولا أقرب من شيء يكون
سقفه عرش الله عز وجل كالفردوس الأعلى أصلى الله يجعله إياكم من أهلها العندية تفيد القرب إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مفتدل وقوله عند ربهم الرب كما سبق هو الخالق
المالك المدبر وسبق أيضا قريبا أن ربوبية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة والربوبية هنا عند ربهم ربوبية خاصة لأن الله تعالى وفقهم لما حرمه كثيرا من عباده عند ربهم جنات تجري
من تحتها النهار جنات كثيرة متنوعة ذكر الله تعالى في سورة الرحمن أن أنواعها أربع فقال وليم الخافة لما قام ربه جنتان ثم قال ومن دونهما جنتان وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن
الجنتين من ذهب وجنتين من فضة وهذا باعتبار الجنس أما الأنواعها الكثيرة لأن لكل أمة ما يختص بها من الثواء ولكل فرد من الأمة ما يختص به من الثواء ونحن نعرف الآن أن الفواكه في الدنيا
اسمها واحد ولكن تختلف فالرمان مثلا في هذا البستان يكون جيدا والبستان الثاني يكون رديئا وكذلك بقية الفواكه كذلك الجنة تختلف حتى وإن اشتراكت في أن كلها رمان كلها فواكه وما أشبأ ذلك
تختلف من شخص لآخر كما قال الله تعالى ولكل درجاته مما عمل وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يتراؤون أصحاب الغرف العالية من فضلك كما تتراؤون القمى الكوكب الدري الغابر في
الأفق فهي درجات عظيمة فهنا قال جنات بالجمع لتعدد أجناسه وأنواعه وأفرادها نعم والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار ولكن المراد بالجنات التي وعد الله به المتقين هي دار النعيم
المطيم التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر يقول جنات تجري من تحتها الأنهار تجري من تحتها ليس من تحت أرضها بل فوق أرضها لكن من تحت أشجارها وقصورها أنهار مضطردة
وأنهار مختلفة الأنواع أربعة أنواع أنهار من ماء غير آس وأنهار من لبن لم يتغير طعم وأنهار من خمر لذة للشارفين وأنهار من عسل مصف هذا الماء لم يخرج من الأبار ولم يذب من الجليد وهذا
العسل لم يخرج من نحل وهذا اللبن لم يخرج من بهيمة ولكن الذي خلق هذا في الدنيا من هذه الأشياء المعلومة قادر على أن يخلقه عز وجل في الآخرة ابتداء لبن مخلوق نهر يجري عسل كذلك خمر لذة
للشارفين كذلك فهذه الأنواع الأربعة تجري تحت هذه القصور الفخمة والأشجار اليانعة تبهج الناظرين تصر الناظرين تصر القلب لا يتصور الإنسان ما فيها من النعيم الله فغل لك