506 568 تفسير الآية 278 من سورة البقرة الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

ثم قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرباء إن كنتم مؤمنين أولا تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاعتناء به لماذا؟ لأن النداء يفيد التنبيه والتنبيه على خطاب سيلقى يدل على الاهتمام بهذا الخطاب والعناية به ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن هذا الشيء من مقتضيات الإيمان وأن مخالفته نقص في الإيمان ثم إن توجيهه أيضا بلفظ الإيمان يفيد الإغراء إغراء المخاطب بانتثال ما وجهه إليه يفيد إغراءه بانتثال ما وجهه إليه كما لو قلت لك أيها الرجل افعل كذا وكذا يعني أنني أغريك فتذكر أنك رجل فتأخذك الشهامة فتفعل كذلك هذا إذا قل يا أيها الذين آمنوا يذكر أنه مؤمن فيحمله إيمانه على إيش؟ على الامتثال والفعل إن كان أمرا أو الترك إن كان نهيا طيب فصلنا الآن مبحثا مبحثا مبحثا الأول تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام والعناية لأن النداء للتنبيه والتنبيه المقدم بين يد الخطاب يدل على أهمية الخطاب توجيه للمؤمنين يقصد به إيش؟ الإغراء والحث يعني يا أيها الذين آمنوا بصفتكم مؤمنين افعلوا كذا وكذا يدل أيضا على أن مخالفته نقص في الإيمان والقيام به كمال في الإيمان ولهذا قال من المسعود رضي الله عنه إذا قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا فأرعها سمعك فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه يقول اتقوا الله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله والتقوى مأخوذ من الوقاية وهي اتخاذ ما يقي من عذاب الله ولا شيء يقي من عذاب الله إلا امتثال أمره واجتناب نهيه وقد اختلفت عبارات المفسرين في معنى التقوى ولكن كل المعاني ترجع إلى هذا المعنى الذي ذكرنا وهو امتثال أمر الله واجتناب نهيه لأن به الوقاية من عذاب الله سبحانه وتعالى طيب اتقوا الله فوجه الخطاب إليهم بوصف الإيمان وأمرهم بالتقوى مما يدل على أن التقوى من مقتضيات الإيمان وأن كل مؤمن حقا فلابد أن يتقل الله عز وجل لأن الإيمان إذا وقر في القلب صدقته الأعمال وظهر تأثار ذلك على الجوارح وعرف الإنسان بإيمانه من تقوى وقالوا اتقوا الله أي احذروا عقابه كما قال الله تعالى ويحذركم الله نفسه والإنسان يجب عليه أن يحذر من عقاب الله عز وجل وإذا حذر من عقاب الله اجتنب النواهي ويجب عليه أن يرغب فيما عند الله من الثواب وإذا رغب في الثواب فعل الأوامر لأن الأوامر عليها جزاء وثواب فالتريف فيها يحجو المرء إلى أن يقوم بها والنواهي عليها عقاب فالحذر منها يوجب للإنسان أن يتعد عنه اتقوا الله والله اسم عالم على الرب عز وجل لا يسمى به غيره وهو أعرف المعارف على الإطلاق لأن الله متى ذكر لا ينصرف الذهن إلا إلى الخالق عز وجل ولهذا قالوا إنه أعرف المعارف لأنه لا يشاركه أحد في هذه العالمية لكن زيد وعمر وبكر خالد عالم لا شك معرفة إلا أنه يشارك في ذلك أما هذا الاسم الجليل فإنه لا يشاركه أحد في مسمى نعم قالوا والأصل في كلمة الله الأصل فيها الإله لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال كما حذفت الهمزة في الناس وأصلها الأناس وحذفت في شر وخير من قولهم فلان خير من فلان وفلان شر من فلان أي أخير وعشر واختلف اللغويهون هل هذا الاسم مشتق ولا جامد والصواب بلا ريب أنه مشتق وأن جميع أسماء الله عز وجل تتضمن المعنى الذي اشتقت منه فالسمي يتضمن السمن والعليم يتضمن العلم والله يتضمن الألوهية وهكذا ليس في أسماء الله تعالى اسم جامد لا يدل على معنى أبدا فالصواب أنه مشتق طيب إذا قلنا أنه مشتق وأصله الإله فما معنى الإله الإله عند المتكلمين هو القادر على الاختراع هذا الإله عند المتكلمين الذين يتسمون بالعقل ومعلوم أننا إذا قلنا بهذا التفسير لم نخرج بتوحيدنا عن توحيد المشركين لأن المشركين يقولوا لا إله إلا الله فإذا قلنا إله بمعنى قادر على الاختراع صار معنى كلمة التوحيد لا قادر على الاختراع إلا الله وهل هذا توحيد ينجي من النار ويعصم دم الإنسان وما له وأهله إذا قلنا لا إله إلا الله إلا قادر على الاختراع لله لا لأن المشركين يقرون بذلك وما هذا فهم مشركون مباح الدم والمال والذرية ولم يدخلهم هذا التوحيد بالإسلام فهذا التفسير بلا شك تفسير باطل فليس معنى الإله قادر على الاختراع وإلا لكانت كلمة الاختراع الأخلاص معناها إيش لا قادر على الاختراع إلا الله وهذا التوحيد هو توحيد المشركين تماما ولكن معنى إله أي مألوه فإله بمعنى مألوه فهي فعال بمعنى مفعول ونعرف أن اللغة العربية يأتي فيها فعال بمعنى مفعول في مواضع كثيرة مثل غراس وبناء وفراش كلها بمعنى مغروس ومبني ومفروس فمعنى لا إله إلا الله أي لا مألوه إلا الله إذن الله بمعنى المألوه أي المعبود المعبود حبا وتعظيما فلحبه نقوم بأوامره ولتعظيمه ندعو نواهيه نعم اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا شف ذروا ما بقي من الربا تركوا ما بقي من الربا لا شك أنه من تقوى الله لكن هذا من باب عطف الخاص على العام اعتناء به وإلا فهو من تقوى الله لكن قدم تقوى الله على قدم الأمر بتقوى الله على الأمر بترك ما بقي من الربا ليكون الإنسان متهيئا لقبول الأمر بترك ما بقي من الربا لأنه إذا ورد عليه ذروا ما بقي من الربا بعد قوله اتقوا الله ورد على نفس مستعدة متهيئة لقبول ما تؤمر به بعد ذلك وقوله ذروا بمعنى اتركوا ما بقي من الربا يعني إذا كان لكم معاملة ربوية وإلى الآن لم تقبضوا الربا فالواجب عليكم تركوا ما بقي من الربا أن تدعوا ما بقي من الربا والربا في الأصل مر علينا أن الربا في الأصل هو الزيادة والنمو ومنه قوله تعالى فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت أي زادت وعلت ورتفعت وفي الشر تفاضل بين شيئين يحرم فيهما التفاضل أو نسأ في شيئين يحرم فيهما النساء فليس كل تفاضل ربا وليس كل نساء نساء ربا فلو أبدلت سيارتين بواحدة فليس بربا ولو أبدلت سيارة بسيارة إلى أجل فليس بربا لأن الربا النموه في أشياء مخصوصة خاصة الشارع وسبقت لنا قال إن كنتم مؤمنين هذا أيضا من باب الإغراء مرة أخرى يعني إن كنتم مؤمنين حقا نعم فدعوا ما بقي من الربا وهذه الجملة يقصد بها الإغراء والإثارة إغراء الشخص وإثارته إن كنتم مؤمنين حقا فتأفرع الربا فإن قلت كيف يوجه الخطاب إلى المؤمنين ويقول إن كنتم مؤمنين أفلا يكون في هذا تناقض فالجواب لا لأن معنى الثانية التحدي وليست الشرطية المطلقة أي إن كنت صادقا في إيمانك نعم فاتق الله وذر ما بقي من الربا واضح وقول إن كنتم مؤمنين سبق لنا أن الإيمان عند كثير من العلماء بمعنى التصديق والصحيح أنه أخص من التصديق فهو إيمان بإقرار وقبول وإذعان قالوا الفرق بين آمن له وآمن به أن الإيمان له إيمان بالمخبر والإيمان به إيمان بالمخبر به فإذا قلت آمنت لفلان أي صدقت فيما أخبر به وإذا قلت آمنت بكذا وكذا أي صدقت بهذا الشيء بما أخبر عنه فتعدي بالله بالنسبة لمن للمخبر وبالباء بالنسبة للمخبر به نعم هذا هو الفرق بين آمن له وآمن به لكن هنا إن كنتم مؤمنين لله ولا بالله بالله لأن الله أخبر عن صفاته عز وجل فالإيمان به إيمان به بما أخبر به عن ذاته وعن صفاته صفاته