501 568 تفسير الآية 273 من سورة البقرة الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

ثم قال تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ظلم في الأرض يحسبهم الجاهل وأغنياء من التعفف تعرفهم بسماهم لا يسألون الناس الحافر هذا بيان لمصرف الإنفاق كأن سائلا يسأل إلى أين نصرف هذا الخير لما قال ما تنفق من خيرني وفى عليكم كأنه قيل إلى أين نصرف فقال للفقراء وعلى هذا فتكون للفقراء إما متعلقة لتنفقوا أو بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقات للفقراء والفقراء جمع فقير والفقير هو المعدم لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من الفقر الموافق للقفر في الاشتقاق الأكبر الذي يساوي في الحروف دون الترتيب والقفر هو الشيء الخالي الأرض الخالية نعم وكما قال الشاعر وقبر حرب بمكان قفري وليس قرب قبر حرب قبر يقول إن إنسان ما يأتي بهذا البيض سبع مرات إلا أغلط فيه نعم وأنا أغلط فيه بأول مرة الكلام على أن القفر بمعنى الشيء الخالي الفقير معناه الخالي ذات اليد ويقرن بالمسكين أحيانا فإذا قرن بالمسكين صار لكل منهما معنى وصار الفقير من كان خالي ذات اليد أو لا يجد من النفقة إلا أقل من النصب والمسكين أحسن حالا منه لكن لا يجد جميع الكفاية أما إذا انفرد أحدهما عن الآخر صار معناهما واحدا فهو من الكلمات التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت طيب للفقراء يعني الخالي ذات اليد الذين أحصروا في سبيل الله أي منعوا في سبيل الله لأن الاحصار بمعنى المنع فقوله تعالى وأتم الحج والعمرة لله فإن أحصرتم أي منعتم عن إتمامهما أحصروا في سبيل الله يعني أحصروا في الجهاد إما بالاستعداد له وإما بما أصابهم من الجهاد من العيوب التي أقعدتهم عن العمل المهم أنهم أحصروا في هذا الطريق في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يعني لا يستطيعون سفرا يبتغون به الرزق لأنهم إما مشغولون بالجهاد وإما عاجزون عن السفر لما أصابهم من الجراح أو الكسور أو نحن ذلك يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفو يحسبهم وقراءة يحسبهم ففيها قراءتان الجاهل الذي ليس عنده علم أو الجاهل بأحوالهم الثاني الجاهل بأحوالهم لأن جهل كل شيء بحسبه الجاهل بأحوالهم الذي لا يعرفهم يحسبهم أغنياء من أي شيء قال من التعفف أي بسبب تعففهم وعدم سؤالهم يحسبهم الجاهل أغنياء لأنك إذا رأيتهم ظننتهم أغنياء مع أنهم فقراء وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام ليس المسكين الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي يتعفف لا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس هذا هو المسكين حقيقة لكن كذا رأيته تقول هذا غني لا يظهر بمثل الفقراء أبدا لا في هيئته ولا في لباسه وقول من التعفف يعني العفة عفة عن ما في أيدي الناس وكلمة التعفف قد يقول قائل إن ظاهرها تكلف العفة لأن تعفف ليست كعف عفة أي صار عفيفا تعفف أي تكلف العفة هكذا قيل ولكن الصواب خلاف ذلك بل الصواب أن التاء هنا للمبالغة وليست للتكلف والطلب بل المعنى أنك تحسبهم أغنية لكمال عفتهم فلا يسألوا الناس قال لا يسألون الناس نعم تعرفهم بسماهم تعرفهم بسماهم في الأول يقول يحسبهم جاهل أغنية والحسبان بحسب ظاهر الحال وأما تعرفهم بسماهم فهو بمقتضى الفراسة والنظر والتدقيق وكثير من الناس يكون عندهم من الفراسة ودقة النظر ما يعرف به الأحوال الباطنة فهؤلاء إذا رأيتهم عرفتهم بسماهم طيب السما بمعنى العلامة لقول النبي عليه الصلاة والسلام إنكم تدعون من القيامة غرى محجلين من أثر الوضوء سما ليست لغيركم يعني علامة ليست لغيركم بسماهم أي بعلامتهم وش العلامة اللي فيهم العلامة هي أن الإنسان إذا رآهم ظنهم أغنياء وإذا دقق في حالهم تبين لهم أنهم فقراء لكنهم متعففون وكم من إنسان يأتيك بمظهر الفقير المدقع ثياب ممزقة وشاعر منفوش وجه كاله وأنين وطنين وإذا أمعنت النظر فيه عرفت أنه غني وكم من إنسان بالعكس يأتيك بالزيج الغني بهيئة الإنسان المنتصر على نفسه الذي لا يحتاج إلى أحد لكن إذا دققت في حاله علمت أنه أنه فقير وهذا يعرفه من من الله عليه بالفراسة وكثير من الناس يعطيهم الله تعالى علما بالفراسة يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه ونظراته وكذلك بعض عباراته كما قال تعالى ولتعرفنهم في لحن القول قال تعرفهم باسماهم لا يسألون الناس إلحافا الإلحاف هو الإلحاف في المسألة الإلحاح في المسألة قوله لا يسألون الناس إلحافا هل النفي للقيد ولا للقيد والمقيد إن نظرنا إلى ظاهر اللفظ فإن النفي للقيد يعني لا يسألون الناس سؤال إلحاف ولكن يسألونهم سؤال ثلاث طف وحياء وخجل إذا رده المسؤول مرة ما عاد إليه مرة أخرى هذا مقتضى إيش مقتضى ظاهر اللفظ لكن مقتضى الصياق وأن المقام مقام ثناء أن النفي نفي للقيد الذي هو الإلحاف والمقيد الذي هو السؤال فهم لا يسألون الناس إلحافا ولا غير إلحاف بدليل قوله يحسبهم الجاهل أغنيا من التعفو ولو كانوا يسألون ما حسبهم الجاهل أغنيا بل لظنهم فقراء بسبب سؤالهم فعليه يكون النفي عن القيد وإيش والمقيد لكنه ذكر أعلى أنواع السؤال المذمون وهو الإلحاح ولهذا تجد الإنسان إذا ألح وإن كان فقيرا يثقل عليك وتمل مسألته حتى ربما تأخذك العزة بالإثم ولا تعطيه ما علمك بالسحقاق لأنه ألح وتجد الإنسان الذي يظهر بمظهر الغني المتعفف تجدك ترق له وتعطيه أكثر مما تعطي السائل هذه خمس الصفات قال الذين وحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضبا في الأرض يحسبهم جاهل أغنيا من التعفو تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا هذه خمس والسادسة الفقراء فهؤلاء هم المستحقون حقا للصدقة والإنفاق وإذا تخلى فالصفة من الصفات فالاستحقاق باق لكن ليس كما إذا تمت هذه الصفات الست طيب في الآية الكريمة عدة فوائد نعم طيب ونكمل الآية وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم هذه الجملة جملة الشرطية ذيّلت بها الآية المبينة لأهل الاستحقاق حثا على الإنفاق لأنه إذا كان إذا كان الله عليما بأي خير ننفقه فسيجازين عليه الحسنة بعشة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فتأمل ما في هذه الآيات من ظهور الحث على الإنفاق وأن الإنفاق هذا كله مقيد بالخير ومقيد بأهله الذين يستحقونه ففي الآية أيضا بيان من يستحق الإنفاق على استحقاق الكامل وهم الفقراء الموصفون بهذه الصفات الخمس الخمس لأننا قلنا هم الفقراء الموصوفين في هذه الصفات الخمس التي ارتكزت على الفقر طيب من فوائد الآية الكريمة أن تشاغل الإنسان بعمل يعد من سبيل الله يبيح أن نعطيه وننفق عليه فلو تشاغل القادر على الكسب بطلب العلم فإننا نعطيه حتى من الصدقة الواجبة ليتفرغ لطلب لطلب العلم ولو تفرغ إنسان للجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله أعطيناه للا نعم أعطيناه ولو من الصدقة الواجبة طيب لو تفرغ الإنسان للعبادة فإن ذلك فإنه لا يعطى إلا من الصدقة المستحبة أما من الزكاة فلا يعطى لأنه تفرغ لنفع قاصر لا يتعدى وفرق بين النفع القاصر والنفع العام ومن فوائد الآية الكريمة أنه لا ينبغي أن نعطي بل لا يجوز أن نعطي من يستطيع التكسب لقوله لا يستطيعون ضربا في الأرض فإنه علم منه أنهم إذا كانوا يستطيعون ضربا في الأرض والتكسب فإنهم لا يعطوا ولهذا لما جاء رجلان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يسألان الصدقة صعد فيهم النظر وصوبه ثم قال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب فإذا كان الإنسان يستطيع ضرب في الأرض والتجارة والتكسب فإنه لا يعطى لأنه وإن كان فقيرا بماله لكنه ليس فقيرا بعمله ومن فوائد الآت الكريمة فضيلة التعفف فضيلة التعفف لقوله يحسبه مجاهل أغنياء من التعفف ومنها التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يكون فطنا ذا حزم ودقة نظر لأن الله وصف هذا الذي لا علم عن حال هؤلاء بأنه جاهل فقال يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف فينبغي للإنسان أن يكون ذا فطنة وحزم ونظر في الأمور ومن فوائد الآت الكريمة إثبات الأسباب لقوله من التعفف فإن من هنا للسببية أي بسبب تعففهم يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء ومن فوائد الآت الكريمة الإشارة إلى الفراسة والفطنة لقوله تعرفهم بسيماهم فإن السيمة هي العلامة التي لا يطلع عليها إلا ذو الفراسة وكم من إنسان سليم القلب ليس عنده فراسة ولا بعد نظر يختأ بأدنى سبب وكم من إنسان عنده قوة فراسة وحزم ونظر في العواقب يحميه الله تعالى بفراسة عن أشياء كثيرة ومن فوائد الآية الكريمة الثناء على من لا يسأل الناس لقوله لا يسألون الناس إلحافا وقد كان من جملة ما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عليه أصحابه أن لا يسأل الناس شيئا حتى إن الرجل لا يسقط صوته من على بعيره فينزل ويأخذه ولا يقول لأخيه أعطني إياه كل هذا بعدا عن السؤال والسؤال لغير ضرورة السؤال المال لغير ضرورة محرم إلا إذا علمنا أن المسؤول يفرح بذلك ويسر كما لو ساء الإنسان صديقا له يعرف أنه يكون ممتنا بهذا السؤال فإن ذلك لا بأس به وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في اللحم الذي على البرمة قال هو لبريرة صدقة ولنا منها هدية فإذا علمت أن صاحبك يسر لسؤالك الشيء ويفرح ولولا أنك سألته لأهداه إليك مثلا فلا بأس عن تسأل ولكن ترك السؤال أسلم لأنه من ذا الذي يتأكد بيقين أن صاحبه يحب أن يسأله ومن فوائد الآية الكريمة عموم علم الله لقوله تعالى وما تنفق من خير وهذه عامة أي خير نكون فإن الله به عليم ففيه بيان علم الله بيان عموم علم الله وأنه شامل لما يعمل له الإنسان ولما يفعله الله عز وجل بنفسه