346 568 تفسير الآية 218 من سورة البقرة الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله تعالى إن الذين آمنوا والذين هاجوا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله انتبه إن الذين آمنوا الإيمان في اللغة تصديق قال الله تعالى وما أنت بمؤمن لنا أي بمصد يقولونه إخوة يوسف لأبيهم وأما في الشرع فإن الإيمان هو التصديق المستلزم للقبول والانقياد هذا الإيمان ليس مجرد التصديق ولهذا أبو طالب كان مصدقا بالرسول صلى الله عليه وسلم وليس بمؤمن لماذا؟ لأنه لم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يدعن له وينقدله وعلى هذا فليس بمؤمن فالذين آمنوا أي صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والانقياد وقوله هاجروا الهجر في الأصل الترك في اللغة الهجر في اللغة الترك ومنه هجرت فلانا إذا لم تكلمه وله معنى عام وخاص أما العام فهو هجر ما حرم الله عز وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام المهاجر من هجر ما نهى الله عنه هذا بالمعنى العام والمعنى الخاص أن يهجر الإنسان بلده ووطنه لله ورسوله يعني يكون هذا البلد أو هذا الوطن لا يقيم فيه الإنسان دينه فيهاجر من أجل إقامة دين الله حماية لدينه هو بنفسه ونصرة لدين الله عز وجل كما جاء في حديث صحيح من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هجر إليه الذين آمنوا وهاجروا المراد بالمهاجر هنا ما يعم المعنيين العام والخاص وقوله والذين هاجروا وجاهدوا شف تأمل أعيد الموصول بعد قولها الذين آمنوا قال والذين هاجروا ولكنه في الجهاد ما أعيد ما قال والذين جاهدوا وذلك لأن الهجرة والجهاد عملان مبنيان على الإيمان وأما الإيمان فإنه هو أصل الأصول ولهذا جعله منفرد وحده إن الذين آمنوا نعم وأما الهجرة والجهاد فهما عملان متفرعان عنه وقوله جاهدوا الجهاد وبذل الجهد لأمر مقلوب والجهد معناها الطاقة كما قال الله تعالى والذين لا يجدون إلا جهدهم أي إلا ضاقتهم وهو يغلب على بذل الجهد في قتال الأعداء هذا الغالب وإلا كل أمر شاق تبدل فيه الطاقة فإنه جهاد ولهذا جهاد النفس يسمى جهادا جهاد نفس جهاد بلا شك ولكن لا صحة للحديث الذي يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما رجع من تبوك قال رجعنا من الجهاد الأكبر إلى الجهاد الأصغر من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يعني جهاد النفس هذا ما هو أصغر ولكن لا شك أن النفس تحتاج إلى مجاهدة أما الجهاد بالمعنى الخاص فهو بذل الجهد في قتال من في قتال الكفار وهو بحسب ما يحمل عليه إن كان الحامل على ذلك العصبية والحمية والشجاعة والرياء فإنه ليس في سبيل الله وإن كان الحامل عليه أن تكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل أن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه أي ذلك في سبيل الله قال من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله إذن بهذا يتحدد معنى قوله تعالى وجاهدوا في سبيل الله جاهدوا مفعولها محذوف للعلم به أي جاهدوا من الكفار أو أعداء الله في سبيل الله أي لتقول كلمة الله هي العليا واعلم أنه يقال في كذا ولكذا وبكذا فقل مثلا جاهدت لله وجاهدت بالله وجاهدت في الله فجاهدت لله اللام لبيان القصد فتدل على إيش على الإخلاص والباء الباء للإستعانة فتدل على أنك فعلت ذلك مستعينا بالله وفي للظرفية فتدل على أن ذلك الجهاد في ضمن شرع الله لما تعد فيه الحدود كما تقول صليت لله ما وبالله وفي الله أي في دين ما خرجت وقوله في سبيل الله تقدمنا قبل زمن غير بعيد أن السبيل بمعنى الطريق وأنه يضاف إلى الله تارة ويضاف إلى الخلق تارة فمثال إضافة إلى الله كثير كما في هذه الآية في سبيل الله ومثال إضافة إلى الخلق قوله تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين سبيل مضاف للمؤمنين أما لذي قلتم ابن السبيل فالسبيل مضاف إليه وليس مضاف نعم ويتبع غير سبيل المؤمنين ومرة يضيف إليه أما إضافته إلى المؤمنين فلأنهم ساركوه وأما إضافته إلى الله فلأن الله تعالى هو الذي شرعه ولأنه يوصل إلى الله فهو مضاف إلى الله من وجهين قال الله تعالى أولئك يرجون رحمة الله كلمة إن الذين تحتاج إلى خبر لأن الذين اسمها فأن الخبر أولئك يرجون رحمة الله هذا الخبر الجملة الجملة لأن أولئك مبتدى ويرجون جملة خبر المبتدى والجملة نعم خبر إن فعندنا جملة كبرى وصغرى والصغرى فيها جملة كبرى وصغرى نعم أو لا طيب الجملة الكبرى إن الذين آمنوا وخبروها هذه الجملة الكبرى الجملة الصغرى أولئك يرجون رحمة الله هذه الصغرى باعتبار الأولى يرجون صغرى باعتبار المبتدى الثاني نعم أولئك يرجون رحمة الله إذا قال قائل كيف هذا التركيب لماذا لم يقل إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله قلنا لأن الإشارة بمبتدأ جديد تدل على رفعة مقامهم لا سيما وأنه أتى باسم الإشارة الدالة على البعد أولئك يرجون رحمة الله ثم إن تكرار المبتدأ يجعل الجملة كأنها جملتان كأنه قال إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله يرجون رحمة الله أولئك يرجون رحمة الله فيقوم في ذلك تنويها بذكرهم من وجهي أولا الإشارة إليهم بما يدل على الرفعة والعلو والثاني أن تكرار المبتدأ يجعل الجملة الواحدة كالجملتين يجعلها كالجملتين ليكون في ذلك توكيد على توكيد