مفهوم الزهد و الورع- للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

بسم الله الرحمن الرحيم الورع والزهد يشتبه معناهما عند بعض الناس ولكن الفرق بينهما كما قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح الورع ترك ما يضر في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع فمقام الزهد أعلى من مقام الورع لأن الورع أن يترك الإنسان ما يضر والزهد أن يترك ما لا ينفع لأن الأشياء ثلاثة أقسام ظار ونافع ولا ضار ولا نافع يعني منها ضار ومنها نافع ومنها ما ليس بضار ولا نافع فالزهد يترك شيئ أين من هذا يترك الضار ويترك ما ليس بنافع ولا ضار ويفعل ما هو نافع والورع يترك شيئا واحدا منها وهو ما كان ضارا ويفعل النافع ويفعل الشيء الذي ليس فيه نفع ولا ضار وبهذا صارت منزلة الزاهد أرفع من منزلة الورع وربما يطلق أحدهما على الآخر فالورع ترك ما يضغل ومن ذلك ترك الأشياء المشتبهة المشتبهة في حكمها والمشتبهة في حقيقتها فالأول اشتباه في الحكم والثاني اشتباه في الحال فالإنسان الورع هو الذي اذا اشتبه الأمر عليه تركه تركه إن كان اشتباها في تحريمه وفعله إن كان اشتباها في وجوبه لألا يأثم بالترك ثم إن المؤلف رحمه الله ذكر آيتين على هذا الباب قال رحمه الله وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ تَحْسَبُونَهُ الضَّمِيرِ عُودٌ على ما تلقاه الناس من الحديث الإفك الكذب في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وذلك أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يتربصون بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يشوه سمعته ويدنس عرضه فحصلت غزوة من الغزوات فلما قفل النبي صلى الله عليه وسلم راجعا منها نام في أثناء الطريق وكانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن رجال يساعدون في ترحيلهن فلما كان في آخر الليل ذهبت عائشة رضي الله عنها لقضاء حاجتها فجاء الذين يأمنون الهودج الذي تركب فيه فحملوه على البعير وشدوه على البعير وظنوا أنها كانت فيه لأنها كانت في ذلك الوقت صغيرة السن خفيفة الوزن ثم صار الرقم رجع عائشة رضي الله عنها إلى المكان فوجدت الناس قد رحلوا فكان من ذكائها وثبات جأشها وضمئنتها أن بقيت في المكان ما ذهبت تتجول يمينا وشمالا لأنها لو ذهبت ربما ضاعت وضيعوها لكنها بقيت في مكانها وكان رجل من خيال الصحابة يقال له صفوان بن المعطل نائما وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا إلا إذا شبعوا من النوم لو توقظهم مهما كان ما استيقظوا فاستيقظ رضي الله عنه فوجد الناس قد رحلوا ورأى هذا الشبع هذا السوات فأقبل إليه فإذا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنه وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب فماذا صنع هذا الرجل هذا الرجل أناخ البعيد ولم يتكلم بأي كلمة احتراما لفراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد أن يتكلم مع زوجته في مثل هذا المكان أناخ البعيد ووضع رجله على ساق البعيد وعضد البعيد فركبت عائشة فأخذ الزمام وجعل يقود البعيد ليجعل عائشة خلفه فلما أقبل على القوم تكلم المنافقون ورأوا أن هذه فرصة وقالوا ما هم فيه كاذبون قالوا في عائشة ما هم فيه كاذبون امرأة في سفر مع رجل تتأخر عن القوم فصاروا يتكلمون في عرض عائشة وهم لا يريدون عرض عائشة لا تهمهم فتاة عند زوجها الذي يهمهم تدنيس فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم الله وأنهم يبقوا فجعلوا يتكلمون وكان من حكمة الله عز وجل أن عائشة لما قدموا المدينة مرضت وبقت في البيت في بيتها وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدكل عليها ولم تر منه ما كانت تراه بالأول كان يمع ويقول كيف ديكم يعني كيف هذه ما يسأل ويرح ويقول كيف هي اليوم عساها أحسن من أمس وما أشبه ذلك يقول هذه الكلمة لأن كلام المنافقين شاع في المدينة وصار عند بعض المؤمنين تردد والرسول عليه الصلاة والسلام كان لا شك في أهله ويرى أن الله يأبى عز وجل بحكمته أن يدنس فراش نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكن ليصدق بهذا أبداً لكن مع كثرة الكلام وكثرة القرع وكثرة الإرجاف كان الإنسان بشر وبعد أن مضى نحو شهر خرجت عائشة رضي الله عنها وخالتها أم مستح بن أثاثة خرجت تقضي حاجتها وكانوا في الأول ما عندهم مراحل الميوت إذا أراد واحد يقضي حاجته ما عنده مكان يقضي حاجته في البيت يخرجون على البر وينظرون مكاناً نازلًاً مطمئناً يقضون فيه حاجة فعثرت خرجت مع خالتها أم مستح فعثرت فقالت تأسى مستح تقوله أم مستح تأسى مستح فاستغربت عائشة كيف تقول لرجل من المهاجرين شهد بدراً تقول تأسى مستح فقالت ليش لماذا تقول هذا الكلام لأن معنى تأسي عن القسر أو هلك فقالت أما علمتي بكذا وكذا وكذا فازدادت عائشة رضي الله عنها مرضاً إلى مرضها وصارت تبكي ليلاً ونهاراً لا يرقع لها دم ولا تهنأ بعيش وبينما الأمر كذلك حتى انتهى نفاق المنافقين إلى الرأس أنزل الله فيها هذه الآيات الكريمة إن الذين جاءوا بإفك عصبة منكم يعني طائف منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم سبحان الله هذا الإفك والرمي بالفاحشة لا نحسبوه خيراً نعم لا نحسبوه شراً بل هو خير لكم لأنه حصل به من تمحيص الذنوب ورفعة المقامات والدفاع عن عرض الرسول عليه الصلاة والسلام وفراشه ما هو خير لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم كل واحد تكلم في هذا الأمر له ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم أعظمهم الذي قاد هذه الفتنة هو أعظمهم ولياذ بالله ثم ثم ساقت ساق الله العيات إلى قوله إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم بإعلم وتحسبونه هيناً وهو عند الله العظيم وكان الورع والأطق والتقاء أن لا تتكلموا في هذا الأمر من أين مصدره؟ من المنافقين الذين هم أكتبوا عباد الله المنافقون أكتبوا الناس ولهذا من علامات النفاق الكذب يستمعوا إلى قوله عز وجل إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله شهادة مؤكدة بإن واللعم قال الله عز وجل والله يعلم إنك لرسول حق إنك رسول والله يشهد إن المنافقين لكاذبون شهادة بشهادة أيها أعظم قولهم نشهد إنك لرسول الله أو قول الله يشهد والله يشهد إنهم لكاذبون لا شك قول الله فهو يشهد عز وجل إن المنافقين لكاذبون في قولهم نشهد إنك لرسول الله هذا الخبر أو هذه الفاحشة التي أشيعت مصدرها من المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلوب لكنه الخبيث لا يتكلم صراحة يأتي للناس وقولون ما تسمعتم ما قيل في عائشة قيل كذا وكذا فيه أناس من المؤمنين تكلموا بهذا صراحة منهم مصطح بن أثاثة وحسان بن ثابت رضي الله عنه وحمن بن جهشة تكلموا لأنه بشر أقسم أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفق على مصطح بن أثاثة ما هو ابن خالة لكنه أقسم أن لا ينفق عليه لأنه قال في ابنته بل قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يليق فماذا قال الله عز وجل قال الله تعالى ولا يأتلئ للفضل منكم والسعة أن يؤتوا للقرب والمساكين والمهاجرين في سبيل الله لا يأتلئ يعني لا يحرف والمراد بهذا من أبو بكر لا يأتلئ أولي الفضل منكم السعة أن يؤتوا أولي القرب والمساكين والمهاجرين في سبيل الله من يعني بأولي القرب والمساكين والمهاجرين مصطح ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله أفو الرحيم لما نزأت هذه الآية قال أبو بكر بلى والله نحب أن يغفر الله لنا فرد النفق على مصطح هذا الامتثال العظيم قال رجل يقول في ابنته ما يقول بل في رسول الله ما يقول فأمر النبي صلى الله وسلم أن يجل في المصطح حسان محمد كل واحد ثمانين جلده حد القذف لكن عبدالله بن أبي ما أمر بجلده لأنه خبيث ما يصره ولأن الحد ثطهير للمحدود وعبدالله بن أبي ليس أهلا للطهارة رجس نجس خبيث فالحاصل أن من الورع أن الإنسان لا يتكلم إلا بما يعلم وهذا الاستشهاد الذي ستشهد به المعلف ينطبق تماما على زماننا الآن ما أكثر الذين يتكلمون في ولاة الأمور بغير علم ما أكثر الذين يتكلمون في العلماء بغير علم ما أكثر الذين يتكلمون في طلبة العلم بغير علم ما أكثر الذين يتكلمون في المحسنين من ذوي الأمور بغير علم ليس عند أكثر الناس وراء يتكلم الإنسان في لسانه من غير أن يتحقق وهذا من الظلم والعدوان على من تكلم فيه أن يتكلم فيه بغير علم لما قال رسول عليه الصلاة والسلام في الغيبة إنها ذكرك أخاك بما يكره قالوا أرأيت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهدته نسأل الله أن يحمي ألسنتنا وألسنتكم من الكذب وقول الزور وأن ياصمنا من الزور