فضل العلم- للشيخ بن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
باب فضل العلم تعلمًا وتعليمًا لله أزوجل والمراجب العلم الذي وردت به النصوص في فضله والثواب عليه ورفعة أهله وكونهم ورثة الأنبياء إنما هو علم الشريعة عقيدةً وعملاً وليس علم ما يتعلق
بالدنيا كالحساب والحندسة وما أشبه ذلك المراجب العلم العلم الشرعي الذي جاءت به الشرائع هذا هو العلم الذي يثنى على من أدركه وعلى من علمه وتعلمه والعلم جهاد جهاد في سبيل الله وهو عديد
له في كتاب الله وعليه ابن الجهاد وسائل الإسلام لأن من لا يعلم لا يمكن أن يعمل على الوجه المطلوب ولهذا قال الله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم احذروا يعني لو لا نفر في الجهاد من المؤمنين من كل فرقة منهم طائفة يعني وقعد الطائفة من أخرى ليتفقهوا أي الطائفة القاعدون في
الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا منهم لعلهم لعلهم يحذروا فجعل الله تعالى الفقر في دين الله معادلا للجهاد في سبيل الله بل هو أولى منه لأنه لا يمكن أن يجاهد المجاهد ولا أن يصلي المصلي
ولا أن يزكي المزكي ولا أن يصوم الصائم ولا أن يحج الحاج ولا أن يعتمر المعتمر ولا أن يأكل الآكل ولا أن يشرب الشارب ولا أن ينام النائم ولا أن يستيقظ المستيقظ إلا بالعلم فالعلم هو أصل
كل شيء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من يريد الله به خيرا يفقه في الدين ولا فرق بين المجاهد الذي يسوي أفذاذ قوسه والذي يسوي قدر قوسه وبين طالب العلم الذي يستخرج
المسائل العلمية من بطول الكتب كل منهم يعمل للجهاد في سبيل الله وبيان شريعة الله لعباد الله ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله باب الجهاد بباب العلم ليبين أنه مثله بل إن بعض العلماء فضله
على الجهاد في سبيل الله والصحيح أنه في ذلك تفصيلا فمن الناس من يكون الجهاد في حقه أفضل ومن الناس من يكون طلب العلم في حقه أفضل فإذا كان الرجل قوياً شجاعاً مقداماً لكنه في العلم
بضاعته مزجاه قليل الحفظ قليل الفهم يصعب عليه تلقي العلم فهنا نقول الجهاد في حقه أفضل وإذا كان بالعكس رجل ليس عنده تلك القوة البدنية أو الشجاعة القلبية لكن عنده حفظاً وفهماً
واجتهاداً فهذا طلب العلم في حقه أفضل فإن تساوى الأمران فإن من أهل العلم من رجح طلب العلم لأنه الأصل ولأنه ينتفع به الناس كلهم القاص والدان وينتفع به من كان حياً ومن يولد بعد وينتفع
به صاحبه في حياته وبعده ماته كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقاً جارها أو علمين ينتفع به أو والدان صالح ندولها وجميع الناس محتاجون
للعلم الأنبياء وغير الأنبياء كلهم محتاجون للعلم ولهذا عمر الله نبيه أن يقول وقل ربي زدني علماً ولا تعجب بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربي زدني علماً فالرصم محتاجون إلى العلم
والزيادة فيه وإلى سؤال الله عز وجل أن يزيدهم منه فمن دون العلم فمن دون الأنبياء من باب أولى فجدير بالعبد أن يسأل الله دائماً أن يزيده من العلم ولكن إذا سأل الله أن يزيده من العلم
فلابد أن يسعى في الأسباب التي يحصل بها العلم أما أن يقول وقل ربي زدني علماً وهو لم يفعل الأسباب فهذا ليس من الحكمة ولا من الصواب هذا كمن قال الله مرزقني ولداً ولا يتزوج من أين يتيك
الولد؟
فلابد إذا سألت الله شيئاً أن تسعى بأسبابه التي يحصل بها لأن الله حكيم قرن المسببات بأسبابها وفي هذه الآية وقل ربي زدني علماً تلين على فضل العلم لم يقل الله لنبيه وقل ربي زدني مالاً
بل قال له وقل ربي زدني علماً وقال له في الدنيا وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَا مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ورزق
ربك خير وأبقى أسأل الله تعالى أن يمنى علينا وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله على بصيره والعلم الشرعي ينقسم إلى قسمين قسم فرض عين يجب على كل إنسان أن يتعلم وقسم
آخر فرض كفاية إذا قام به من يكفي سقط عن بقية الناس وقسم ثالث يتفرع عن الثاني سنة وهو ما إذا قام بالعلم من يكفي فيكون للباقين سنة أما العلم الفرض العين الذي يجب على كل إنسان فهو أن
يتعلم الإنسان ما يحتاج إليه في أمور دينه الواجبة كأن يتعلم ما يتعلق بتوحيد الله ويبيان ما ينافيه ويناقضه من الشرك كله جليه وخفيه صغيره وكبيره لأن هذا مفروض على كل أحد كل إنسان يجب
عليه أن يعرف توحيد الله ويوحد الله تعالى بما يختص به جل وعلا كذلك أيضا الصلاة الصلاة المفروضة على كل أحد لا تسقط عن المسلم أبدا ما دام عقله ثابتا فلا بد أن يتعلمه ويتعلم ما يزم لها
من طهارة وغيرها وغيرها حتى يعبد الله على بصيره الزكاة لا يجب تعلمها على كل أحد من عنده مال وجب عليه أن يتعلم ما هو المال الزكوي وما مقدار النصاب وما مقدار الواجب ومن الذي تؤتى إليه
الزكاة وما أشبه ذلك لكن لا يجب على كل واحد أن يتعلم الزكاة إذا كان فقيرا فلماذا نوجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة وهو ليس عنده مال الصوم يجب تعلمه على كل أحد يجب أن يعلم الإنسان ماذا
يصوم عنه وما هي المفطرات وما هي نواقذ الصوم وما هو منقصاته وما أشبه ذلك كل إنسان يصوم يجب عليها أن يتعلم ذلك الحج لا يجب على كل أحد أن يتعلمه وإنما يجب أن يتعلمه من استطاع إليه
سبيلا حتى يحج على بصيره ومع الأسف أن كثيرا من الناس لا يتعلمون ما يجب عليهم من أحكام دينهم فيقعون في متائه ولاسج ما في الحج وما أكثر الذين يسألون عن الحج وتجدهم قد وقعوا في خلل
كبير لأنهم لم يتعلموا قبل أن يعملوا البيع مثلا أحكام البيع لا يجب على كل إنسان أن يتعلم أحكام البيع لكن من أراد أن يتجر ويبيع ويشتري لا بد أن يتعلم ما هو البيع الممنوع وما هو البيع
المشروع حتى يكون على بصيرة من أمره وهلوم مجر يتبين الآن أن العلم الشرعي ينقص من الأقسمين الأول فرض عين والثاني فرض كفاية وفرض الكفاية يستحب لمن زاد على من تقوم به الكفاية أن يتعلم
ليحفظ شريعة الله ويهدي الله به عبادة وأن تبع الناس به ولا شيء أشره من العلم ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أتعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك
وحيه وقل رب زدني علم ربنا عز وجل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم قل رب زدني علم الرسول عليه الصلاة والسلام محتاج إلى زيادة العلم فدل ذلك على فضيلة العلم لأن الله لم يقل له وقل رب
زدني مالا زدني زوجات زدني أولادا بل قال له ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأرضا ومما يدل له على فضل العلم قول الله تبارك
وتعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون يعني قل للناس قولا عاما هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون والجواب مفهوم أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وهذا أمر
منتفل بمقتضى طبيعة الإنسان وفطرته أنه لا يستوي الإنسان الذي يعلم والذين لا يعلم لكن الله سبحانه وتعالى ذكره على صحة الاستفهام ليكون متضمنا للتحدي ليكون هذا النفي متضمنا للتحدي يعني
هاتلي أحد يقول إنه يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا أحد يقول بذلك ولا يمكن أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون أبداً من أمر الدنيا لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون
لا الثالثة لا الثالثة وقال الله تعالى ما لا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتعهم درجات هذا أيضاً يدل على فضيلة العلم يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا
يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا يعني قوموا وارتفعوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتعهم درجات فإذا دخل إنسان والمجلس مستقل الجالسين وقال تفسحوا فليفسحوا له يفسح الله لكم
يعني يوسع لكم الأمور لأنكم أستعتم على هذا الداخل فيوسع الله عليكم لأن الجزاء من جنس العمل فمن عامل أخاه بشيء عامله الله تعالى بمثله إن أيسرت على معصر يسر الله عليكم إن فرجت عمو من
كربة فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة إن أعنت أحدا كان الله في عونك والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ولهذا قال افسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا إذا قوموا
قوموا وفي هذا دليل على أنه لا حرج على الإنسان أن يقول للجماعة الذين عنده منشزوا اخرجوا بارك الله فيكم إنت شغلك ولا حياة في ذلك لا حياة في هذا ولا غضاضة على الإنسان حتى الجلوس لا
ينبغي لهم أن يكونوا ثقلاء لا يقومون إلا إذا قلقوم ينبغي للإنسان أن يخفف الجلوس عند الناس ما استطاع إلا إذا علم من صاحبه أنه يحب أن تبقى عنده فلا بأس وإلا فالأصل أن لا تطيل الجلوس
عند الناس لأن الناس قد يكون لهم شغل ويستحيون أن يقول قم لكن من قال قم فلا حرج عليه حتى إن الله عز وجل قال لجلساء نبيه الذين يجلسون عنده بعد أن ينتهوا من الطعام قال لهم سبحانه
وتعالى إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق يعني إذا انتيتم من الطعام فاخرجوا لا تجلسوا فإن ذلك يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق فإذا قيل انشدوا
فانشدوا ومثل ذلك أيضا إذا استأذن عليك أحد في البيت ففتحت له وقلت ارجع ما فيه الجلوس الآن فلا حرج عليه كما قال الله تعالى وإذا قيل لكم ارجعوا فارجعوا ذلكم أذكالك بعض الناس إذا رديتم
عند الباب يشرى ويغضب والله يقول ذلكم أذكالكم أحسن أن ترجعوا يعطيكم الله زكاء يزكيكم عز وجل وقال يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ولم يعين عز وجل الدرجات لأن هذه
الدرجات بحسب ما مع الإنسان من الإيمان والعلم كلما قوي الإيمان وكلما كثر العلم وانتفع الإنسان به ونفع غيره كان أكثر درجات فهلما فأكثر قوي إيمانا أكثر من طلب العلم أكثر من بث العلم
ما استطاعت فإن الله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات طفعاً الله وإياكم بذكره وعاننا على ذكره وشكره وحسن عباده