فضل الصبر وأنواعه- للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلاء رحمه الله تعالى باب الصبر الصبر معناه الحبس هذا معناه في اللغة والمراج به في الشرع حبس النفس على أمون ثلاثة على طاعة الله وعن محارم الله وعلى أقدار الله المؤلمة هذه أنواع الصبر التي ذكرها أهل العلم أن يصبر الإنسان على طاعة الله لأن الطاعة ثقيلة على النفس تصعبها للإنسان وكذلك ربما تكون ثقيلة على البدن بحيث يكون مع الإنسان شيء من العجز والتعب وكذلك أيضا يكون فيها مشقة من الناحية المالية كمسألة الزكاة ومسألة الحج المهم أن الطاعات فيها شيء من المشقة على النفس والبدن فتحتاج إلى صبر وإلى معاناة قال الله تعالى أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا أما الثاني فهو صبر عن محارم الله النوع الثاني صبر عن محارم الله بحيث يكبخ الإنسان نفسه عما حرم الله عليه لأن النفس الأمارة بالسوء تدعو إلى السوء فيصبر الإنسان نفسه مثل الغش بالمعاملات أكل المال بالباطل بالربا أو غيره الزنا شرب الخمر السرقة وما أشبه ذلك من المعاصر الكثيرة فيحبس الإنسان نفسه عليه عنها حتى لا يفعلها هذا يحتاج أيضا إلى معاناة ويحتاج إلى كف النفس والهوى أما الثالث فهو الصبر على أقدار الله المؤلمة لأن أقدار الله عز وجل على الإنسان ملائمة ومؤلمة الملائمة تحتاج إلى الشكر والشكر من الطاعات فالصبر عليه من النوع الأول ومؤلمة بحيث لا تلائم الإنسان تكون مؤلمة فيبتل الإنسان في بدنه يبتلى في ماله يفقده يبتلى في أهله يبتلى في مجتمعه المهم أن أنواع البلايا كثيرة تحتاج إلى صبر ومعاناة فيصبر الإنسان نفسه عما يحرم عليه من إظهار الجزاء باللسان أو بالقلب أو بالجواره لأن الإنسان عند حلول المصيبة له أربع حالات أن يتسخط وأن يصبر وأن يرضى وأن يشكر هذه أربع حالات تكون للإنسان عندما يصاب بالمصيبة أن يتسخط إما بقلبه أو بلسانه أو بجواره التسخط بالقلب أن يكون في قلبه والعياذ بالله شيء على ربه من السخط والشرح على الله والعياذ بالله وما أشبه ذلك ويشعر ويشعر وكأن الله تعالى قد ظلم بهذه المصيبة وأما باللسان التسخط باللسان فأن يدعو بالويل والثبور يا ويلاه واثبوراه وأن يسب الدهر فيؤذي الله عز وجل وما أشبه ذلك التسخط بالجواره مثل أن يلطي مخده أو يصفع رأسه أو ينتف شعره أو يشق ثوبه وما أشبه هذا هذا حال السخط حال الهلعين الذين حرموا التواب ولم ينجوا من المصيبة بل الذين اكتسبوا الإثم فصار عندهم مصيبة مصيبة في الدين بالسخط ومصيبة في الدنيا بما أتاهم مما يؤلمهم أما الثاني فالصبر على المصيبة الحال الثانية الصبر على المصيبة بأن يحبس نفسه هو يكره مصيبة ولا يحبها ولا يحب أن وقعت لكن يصبر نفسه لا يتحدث باللسان بما يصدط الله ولا يفعل بجوارحه ما يغضب الله ولا يكون في قلبه شيء على الله أبدا صابر لكنه كاره لها والثالث النوع الحال الثالثة الرضا بأن يكون الإنسان منشرحا صدره بهذه المصيبة ويرضى بها رضا تاما وكأنه لم يصبه والرابعة حال الرابعة الشكر فيشكر الله عليه وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى ما يكره يقول الحمد لله على كل حال فيشكر الله من أجل أن الله يرتب له من الثواب على هذه المصيبة أكثر مما أصابه ولهذا يذكر عن بعض العابدات أنه تصيبت في أصبعها فحمدت الله على ذلك وقالوا لها كيف تحملين الله والأصبع قد أصابه ما أصابه قالت إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها فشكرت الله على هذه المصيبة فالحاصل أن أنواع الصبر ثلاثة صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على أقدار الله المؤلمة والناس في هذا النوع الثالث بالنسبة للمصائف لهم أربع أحوال كسخط وصبر ورضا وشكر والله موفق الرحمن الرحيم قال المؤلف رحيمه الله باب الصبر سبق لنا بيان أن الصبر ثلاثة أقسام صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على أقدار الله المؤلمة وأن للإنسان في أقدار الله المؤلمة أربع حالات التسخط والصبر والرضا والشكر وبينا وجه ذلك ثم ساق المؤلف رحمه الله الآيات التي فيها الحث على الصبر والثناء على فاعليه فقال وقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا فأمر الله المؤمنين بمقتضى إيمانهم وبشرف إيمانهم بهذه الأوامل الثلاثة فالأربع اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون فالصبر عن المعصية والمصابرة على الطاعة والمرابطة كثرة الخير وتتابع الخير والتقوى تعم ذلك كله واتقوا الله لعلكم تفلحون فاصبروا عن محارم الله لا تفعلوها تجنبوها ولا تقربوها ومن المعلوم أن الأمر أن الصبر عن المعصية لا يكون إلا حيث دعت إليها النفس أما الإنسان الذي لم تطرع على باله المعصية فلا يقال أنه صبر عنها ولكن إذا دعتك نفسك إلى المعصية فاصبر واحبس النفس وأما المصابرة فهو على الطاعة لأن الطاعة فيها أمران الأمر الأول فعل يتكلف به الإنسان وينزم نفسه به s والثاني ثقل على النفس لأن فعل الطاعة كترك المعصية ثقين على النفوس الأمارة بالسوء فلهذا كان الصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية ولهذا قال الله تعالى صابر فأن أحدا يصابرك كما يصابر الإنسان عدوه في القتال والجهاد وأما المرابطة فهي كثرة الخير والاستمرار عليه ولهذا جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إسباغ الوذوء على المكاره وكثرة الخطاء إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلك منرباط فذلك منرباط لأن فيه استمرارا في الطاعة وكثرة لفعلها وأما التقوى فهي تشمل ذلك كله لأن التقوى اتخاذ ما يقي من عقاب الله وهذا يكون بفعل الأوامر واجتناب النواهي وعلى هذا فعطفها على ما سبق من باب عطف العام على الخاص ثم بيّن الله سبحانه وتعالى أن القيام بهذه الأوامر الأربعة سبب للفلاح فقال لعلكم تفلحون والفلاح كلمة جامعة تدور على شيئي على حصول المطلوب والنجاة من المرهوب فمن اتق الله عز وجل حصل لهم مطلوبه ونجاة من المرهوب وأما الآية الثانية فقال رحمه الله وقوله تعالى ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشد الصابرين هذه الآية فيها قسم من الله عز وجل أن يختبر العباد بهذه الأموة ولنبلونكم يعني لنختبرنكم بشيء من الخوف ونه بكل شيء بشيء من لا بالخوف لا بالخوف كل لأن الخوف كله مهلق مدمر لكن بشيء من من الخوف والجوع الخوف هو فقد الأمن وهو أعظم من الجوع ولهذا قدمه الله عليه لأن الإنسان الجائع ربما يتعلل ويذهب يطلب ولو كان لحى شجر لكن الخائف والعياذ بالله لا يستقر لا في بيته ولا في سوطه الخائف أعظم من الجائع ولهذا بدأ الله به فقال بشيء من الخوف وأخوف ما نخاف منه ذنوب لأن الذنوب سبب لكل الويلات وسبب للمخاطر والمخاوف والعقوبات الدينية والعقوبات الدنيوية والجوع يعني أن نبتلى بالجوع والجوع والجوع والجوع يحتمل معنى المعنى الأول أن يحدث الله تعالى في العباد وباء هو وباء الجوع بحيث يأكل الإنسان ولا يشبع وهذا يمر على الناس وقد مر بهذه البلاد سنة معروفة عند العامة تسمى سنة الجوع يأكل الإنسان الشيء الكثير ولكنه لا يشبع والعياذ بالله أبدا نحدث أن الإنسان يأكل من التمر محفر كامل في آن واحد ولا يشبع والعياذ بالله ويأكل الخبز الكثير ولا يشبع لمرض فيه هذا نوع من الجوع النوع الثاني من الجوع الجد والسنين المنحلة التي لا يدر فيها ضرع ولا ينمو فيها زرع ولا يأذب الله هذا من الجوع ونقص من الأموال والأنفس نقص الأموال يعني نقص الاقتصاد بحيث تصاب الأمة في قلة المادة والفقر ويتأخر اقتصادها وترهق حكومتها بالديون التي تأتي نتيجة لأسباب من قدرها الله عز وجل ابتلاءا وامتحانا والأنفس الموت بحيث يحل في الناس أوبئة تهلكهم وتقضي عليهم وهذا أيضا يحدث كثيرا ولقد حدثنا أنه حدث في هذه البلاد يعني البلاد النجدية حدث فيها وباء عظيم تسمى سنته عند العامة سنة الرحمة إذا دخل الوباء في البيت لم يبقى منهم أحدا إلا دفل والعياد بالله يدخل في البيت فيه عشرة أنفس أو أكثر فيصاب هذا بمرض ومن بكرة على الثاني والثالث والرابع حتى يموتون عن آخرهم وحدثنا أنه مقدم في هذا المسجد مسجد الجامع الكبير في عنيزة وكان الناس بالأول في قرية صغيرة ما في كثرة عالم كما في اليوم يقدم أحيانا في فرض الصلاة الواحد سبع جنائز نعوذ بالله من الأوباء هذا أيضا نقص من الأموال من الأنفس والثمرات ألا يكون هناك جوع ولكن تنقص الثمرات تنزع بركتها في الزروع في النخيل في الأشجار الأخرى والله عز وجل يبتل العباد بهذه الأمور ليذيقهم بعضا الذي يعملوا لعلهم يرجعون فيقابل الناس هذه المصائب لدرجات متنوعة للتسخط بالصبر بالرضا بالشكر كما قلنا في مسابه سبق لنا الكلام على الصبر وأنواعه وعلى قوله تعالى بل على أول الآية في قوله تعالى ولنبنونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المفتدون لما ذكر الله هذا الابتلاء قال وبشر الصابرين والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يبلغه هذا الخطاب يعني بشر يا محمد وبشر يا من يبلغه هذا الكلام الصابرين الذين يصبرون على هذه البلوة فلا يقابلونها بالتسخط وإنما يقابلونها بالصبر وأكمل من ذلك أن نقابلوها بالرضا وأكمل من ذلك أن نقابلوها بالشكر كما مر علينا أن المصاب بالمصائب من أقدار الله المؤلمة له أربع حالات تسخط وصبر ورضا وشكر هنا قال بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إذا أصلتهم مصيبة اعترفوا لله عز وجل بعموم ملكه وأنهم ملك لله ولله يفعل في ملكه ما شاء ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لإحدى بناته قال فإن لله ما أخذ وله ما أبقى فأنت ملك لربك عز وجل يفعل بك ما يشاء حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى ثم قال وإنا إليه راجعون يعترفون بأنهم لا بد أن يرجعوا إلى الله فيجازيهم إن تسخطوا جازاهم على سخطهم وإن صبروا كما هو شأن هؤلاء القوم فإن الله تعالى يجازيهم على صبرهم على هذه المصائف فيبتل عز وجل بالبلاء ويثيب الصابر عليه قال تعالى أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة أولئك عن الصابرين عليهم صلوات من ربهم ورحمة الصلوات جمع صلاة وهي ثناء الله عليهم في الملاء الأعلى يثن الله عليهم عند ملائكته في الملاء الأعلى ورحمة من الله عز وجل وأولئك هم مهتدون وأولئك هم المهتدون الذين هداهم الله عز وجل عند حلول المصائف فلم يتسخطوا وإنما صبروا على ما أصابهم وفي هذه الآية دليل على أن صلاة الله عز وجل ليست هي رحمة بل هي أخص وأكمل وأفضل ومن فسرها من العلماء لأن الصلاة من الله الرحمة ومن الدعاء ومن الملائكة الدعاء ومن الآدميين الاستغفار فإن هذا لا وشله بل الصلاة غير الرحمة لأن الله تعالى عطف الرحمة على الصلوات والعطف يقتل المغايرة ولأن العلماء مجمعون على أنك يجوز أن تقول لأي شخص من المؤمنين اللهم ارحم فلانا واختلفوا هل يجوز أن تقول اللهم صل عليه أو لا يجوز على أقوال ثلاثة فمنهم من أجازها مطلقا ومنهم من منعها مطلقا ومنهم من أجازها إذا كانت تبعا والصحيح أنها تجوز إذا كانت تبعا مثل اللهم صل على محمد وآل محمد أو لم تكن تبعا لكن لها سبب كما قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم فإذا كان لها سبب ولم تتخذ شعارا فإن ذلك لا بأس به أي لا بأس أن تقول اللهم صل على محمد لو جاءك رجل بزكاة وقال خذ زكاة فرق على البقراء فلك أن تقول صلى الله عليك تدعو له بأن يصلي الله عليه كما أمر الله نبيه صلى الله وسلم بذلك واللهم ورسوك يا رحيم تقدم الكلام على عدة آيات ساقها المؤلف رحمه الله تعالى في الصبر وثوابه وبيان محله وقال في جنة ما ساقه من الآيات قوله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب يوفى الصابرون يعني يعطى الصابرون أجرهم يعني ثوابهم بغير حساب وذلك أن الأعمال الصالحة مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة أما الصبر فإن مضاعفة تأتي بغير حساب من عند الله عز وجل وهذا يدل على أن أجره عظيم وأن الإنسان لا يمكن أن يتصور هذا الأجر لأنه لم يقابل بعدد بل هو عمل معلوم عند الله ولا حساب فيه لا يقال مثلا الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف بل يقال إنه يوفى أجره بغير حساب وفي هذه الآية من الترغيب في الصبر ما هو ظاهر ثم قال المؤلف وقوله تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور يعني أن الذي يصبر على أذى الناس ويتحمله ويغفر لهم سيئاتهم التي يسيئون بها إليه فإن ذلك من عزم الأمور أي من معزوماتها وشدائدها التي تحتاج إلى مقابلة ومصابرة ولا سيما إذا كان الأذى الذي ينال الإنسان بسبب جهاده في الله عز وجل وبسبب طاعته لأن أذية الناس لك لها أسباب متعددة متنوعة فإذا كان سببها طاعة الله عز وجل والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الإنسان يتاب على ذلك من وجهي الوجه الأول من الأذية التي تحصل له والوجه الثاني صبره على هذه الطاعة التي أوذي في الله من أجلها وفي هذه الآية حث حث على صبر الإنسان على أذية الناس ومغفرته لهم ما أساءوا إليه فيه ولكن ينبغي أن نعلم أن المغفرة لمن أساء إليك ليست محنودة على الإطلاق فإن الله تعالى قيد هذا بأن يكون العفو مقروناً بالإصلاح فقال فمن عفى وأصلح فأجره على الله أما إذا لم يكن في العفو والمغفرة إصلاح فلا تعفو ولا تعفو مثال ذلك لو كان الذي أساء إليك شخصاً معروفاً بالشر والفساد وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره ففي هذه الحال الأفضل أن لا تعفو عنه أن تأخذ بحقك من أجل الإصلاح أما إذا كان الشخص إذا عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه المفسدة فإن العفو أفضل وأحسن لأن الله يقول من عفى وأصلح فأجره على الله وإذا كان أجرك على الله كان خيراً لك من أن يكون ذلك بمعاوضة بمعاوضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة ثم قال المؤلف وقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاح أمر الله تعالى أن نستعين على الأمور بالصبر عليها لأن الإنسان إذا صبر وانتدر الفرج من الله سهلت عليه الأمور فأنت إذا أصبت بشيء يحتاج إلى الصبر فاصبر وتحمل واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسل يصبر وأما الصلاة فإنها تعين على الأمور الدينية والدنيوية حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر عنه أنه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وبين الله في كتابه أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والننكر فإذا استعان الإنسان بالصلاة على أموره يسر الله له ذلك لأن الصلاة صلة بين العبد وبين رب يقف الإنسان فيها بين يدي الله ويناجيه ويدعوه ويتقرب إليه في أنواع القربات التي تكون في هذه الصلاة فكانت سبباً للمعونة بالله موفق ذكر المؤلف رحمه الله من آيات الصبر الدالة على أتوبه وعلى فضيلته قوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابري يا أيها الذين آمنوا واستعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابري فذكر الله عز وجل الأمر بالاستعانة بالصبر وقد سبق الكلام عليه في الدرس الماضي وكذلك الأمر بالاستعانة بالصلاة وسبق الكلام على ذلك أيضاً ثم قال عز وجل إن الله مع الصابرين يعني بذلك المعية الخاصة لأن معية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين معية عامة شاملة لكل أحد وهي المذكورة في قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم وفي قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كان وهذه المعية العامة شاملة لجميع الخلق فمن المخلوق إلا والله تعالى معه يعلمه ويحيط به سلطانا وقدرة وسمعا وبصرا وغير ذلك أما المعية الخاصة فهي المعية التي تقتضي النصر والتأييد وهذه خاصة بالرسل وأتباعهم ليست لكل أحد فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنين والله مع الصابرين وما أشبه ذلك من العادة الدالة على هذه المعية الخاصة ولكن المعيتين كلتاهما لا تدلان على أن الله عز وجل مع الناس بأمكنتهم بل هو مع الناس وهو عز وجل فوق سمواته على عرشه ولا مانع من ذلك فإن الشيء يكون فوق وهو معك والعرب يقولون ما زلنا نسير والقمر معنا وكل يعلم أن القمر في السماء ويقولون ما زلنا نسير وسهيل معنا يعني النجم المعروف وهو في السماء فما بالك بالخالق عز وجل هو فوق كل شيء استوى العرشه ومع ذلك محيط بكل شيء مع كل أحد مهما فردت فإن الله تعالى محيط بك علماً وقدرةً وسلطاناً وسمعاً وبصراً وغير ذلك وفي قولته تعالى والله مع الصابرين دليل على أن الصبر معان من قبل الله وأن الله تعالى يعين الصابر ويؤيده ويكلأه حتى يتم له الصبر على ما يحبه الله عز وجل ثم ذكر المؤلف رحمه الله آخر آية ساقها وهي قوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني لَنَخْتَبِرَنَّكُمْ خَلِي ابتلاوه بمعنى الاختبار أو البلوى بمعنى الاختبار يعني أن الله اختبر العباد في فرض الجهاد عليهم ليعلم من يصبر ومن لا يصبر ولهذا قال تعالى في آية أخرى وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَنْ تَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهُمْ وَيَصْبِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ وَالْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ وقوله عز وجل حتى نعلم المجاهدين قد يتوهم بعض من قصر علمه أن الله عز وجل لا يعلم الشيء حتى يقع وهذا غير صحيح فالله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعه كما قال تعالى لم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ومن ادعى أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه فإنه مكذب لهذه الآية وأمثالها من الآيات الدالة على أن الله تعالى قد علم الأشياء قبل أن تقع لكن العلم الذي في هذه الآية حتى نعلم المجاهدين هو العلم الذي يترتب عليه الثواب أو العقاب وذلك لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون لا يترتب عليه شيء من جهة فعل العبد لأن العبد لم يبل به حتى يتبين الأمر فإذا بلي به العبد واختبر به العبد حينئذ يتبين أنه استحق السواب أو العقاب فيكون المراد بقوله حتى نعلم المجاهدين أي علما يترتب عليه الجزاء وقال بعض أهل العلم المراد حتى نعلم المجاهدين أي علم ظهور يعني حتى أثر الشيء لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون وعلمه بعد كونه علم بأنه كان وفرق بين العلمين فالعلم الأول علم بأنه سيكون والثاني علم بأنه كان ويظهر لك الفرق لو أن شخصا قال لك سوف أفعل كذا وكذا غدا مثلا فالآن حصل عندك علم بما أخبر به ولكن إذا فعله غدا صار عندك علم آخر أي علم بأن الشيء الذي حدثك أنه سيفعله قد فعله فعلا فهذا نوجه في تخريج قوله تعالى حتى نعلم الوجه الأول أن المراد به العلم الذي يترتب عليه الثواب وإلعقاب وهذا لا يكون إلا بعد البلوى بعد أن يبتل الله العبد ويختبره أو أن المراد به وهو الاحتمال الثاني أن المراد به علم الظهور لأن علم الله بالشيء قبل أن يكون علم بأنه سيكون فإذا كان صار علمه تعالى به علما بما كان وقل حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين المجاهد هو الذي بذل جهده لإعلاء كلمة الله فيشمل المجاهد بعلمه والمجاهد بالسلاح كلاهما مجاهد في سبيل الله المجاهد بعلمه الذي يتعلم العلم ويعلمه وينشره بين الناس ويجعل هذا وصيلة لتحكيم شريعة الله هذا مجاهد والذي يحمل السلاح لقتال الأعداء هو أيضا مجاهد في سبيل الله إذا كان المقصود في الجهادين أن تكون كلمة الله العليا وقوله تعالى ونبلو أخباركم حتى نعمل المجاهدين منكم والصابرين أي الذين يصبرون على ما كلفوا به من الجهاد ويتحملونه ويقومون به ونبلو أخباركم أي نختبرها وتتبين لنا وتظهر لنا ظهورا يترتب عليه الثواب والعقل