فضل الزهد في الدنيا- للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

بسم الله الرحمن الرحيم باب التغيب في الزهد في الدنيا والتقليل منها الدنيا هي حياتنا هذه التي نعيش فيها وسمي الدنيا لسبب الأول أنها أدنى من الآخرة لأنها قبلها كما قال تعالى وَلَا الْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى والثاني أنها دنيعة ليست بشيء بالنسبة للآخرة كما رأى الإمام أحمد رحمه الله من حديث المستورد بن الشداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لَمَا وَضِعُوا صَوْتِ أَحَدِكُمْ فِي الدُّنْيَا خَيْرٌ لَمَا وَضِعُوا صَوْتِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا موضع الصوت العصى القصير الصغير في الجنة خير من الدنيا وما فيها من أولها إلى آخرها فهذه هي الدنيا وذكر المؤلف رحمه الله آياتنا عديدة كلها تفيد أنه لا ينبغي للعاقل أن يركن إلى الدنيا أو يغتر بها أو يلهو بها عن الآخرة أو تكون مانعا له من ذكر الله عز وجل منها قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كما إن أنزلاه من السماء يعني المطر فاختلط به نبات الأرض يعني أنبتت الأرض منه نباتا متنوعا مختلطا متقاربا ليس بينه فجوات ليس فيها نبات كل الأرض نبتت بأنواع العشاء من كل زوجٍ بهيت حتى إذا أخلت الأرض زخرفها واززيلت أي كملت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تقن بالأمس كأن لم تكن وهذه هي الحياة الدنيا واعتبر ذلك أنت في واقعك كم من أناس عشت معهم وعاشوا في هذه الدنيا عيشةً راضية رفاهية وأنس وأولاء وزوجات وقصور وسيارات ثم انتقلوا عنها كأن لم يكونوا بالأمس انتقلوا عنها أو يأتي دنياهم شيء شيء يتلفها فكم من إنسان غني عنده أموال عظيمة أصبح فقيراً يسأل الناس فهذه الدنيا وإنما ضرب الله هذا المثل لألا نغتر بها كذلك يعني مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات لقوم يتفكرون لمن عندهم تفكير في الأمور ونظروا في العواقب ثم قال والله يدعو إلى دار السلام أي فرق بين هذه وهذه دار السلام هي الجنة أسأل الله يا جنة وإيكم من أهلها دار السلام سالمة من كل كدر من كل تنغيص من كل أذى لما ذكر الدنيا قال والله يدعو إلى دار السلام فإلى أيهما تركن لا شك أن العاقل يركن إلى دار السلام ولا تهمه دار الفناء والنكد والتنغيص فهو سبحانه وتعالى يدعو كل الخلق إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم الهداية مقيدة ما قال ويهدي كل أحد يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم فمن هو الحقيق والجدير بهداية الله هو من أناب إلى الله عز وجل كما قال تعالى ويهدي إليه من أناب وقال تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم فمن كان عنده نية طيبة وخالصة لابتغاء وجه الله والدار الآخرة فهذا هو الذي يهديه الله عز وجل وهو داخل في قوله ويهدي من يشاء إلى صراط المستقيم ثم ذكر المؤلف حياة أخرى مثل قوله واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما إن أنزلناه من السماء فأصبح هشيما تدروه الرياح يعني معناها أن الحياة الدنيا كما إن نزل على أرض فأنبتت أنبتت فأصبح هشيما تدروه الرياح يبس وصارت الرياح تطير به هكذا أيضا الدنيا وقال تعالى إنما الحياة الدنيا لعب ولهم وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد هذه خمسة أشياء كلها لست بشيء لعب ولهم وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد مثالها كمثل غيث أعجب الكفار نباته أعجب الكفار لأن الكفار هم الذين يتعلقون بالدنيا وتسبي عقولهم الدنيا فهذا نبات نبت من الغيث فصار الكفار يتعجبون منه من حسله ونظارته أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما يزور الآخرة وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان فأيهما تريد تريد الآخرة الآخرة فيها عذاب شديد لمن آثر الدنيا على الآخرة فيها مغفرة من الله ورضوان لمن آثر الآخرة على الدنيا والعاقل إذا قرأ القرآن وتبصر عرف قيمة الدنيا وأنها لست بشيء وأنها مساعة للآخرة فانظر ماذا زرعت فيها لآخرتك إن كنت زرعت خيرا فأبشر بالحصاد الذي أرضيك وإن كان الأمر بالعكس فقد خسرت الدنيا والآخرة