فضل التقوى- للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى أنه وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين التقوى اسم مأخوذ من الوقاية وهي أن يتقل الإنسان ما يقيه من عذاب الله والذي يقيك من عذاب الله هو فعل أوامر الله واجتناب نواهيه فإن هذا هو الذي يقي من عذاب الله عز وجل أن تأخذ بأوامر الله وأن تترك عنه واعلم أن التقوى تقرن أحيانا بالبر فيقال بر وتقوى كما في قوله تعالى وتعاون على البر والتقوى وتارة تذكر وحدها فإذا قرنت بالبر صار البر فعل الأوامر والتقوى ترك النواهي وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر واجتناب النواهي وقد ذكر الله تعالى في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين فأهل التقوى هم أهل الجنة جعلنا الله وإياكم منه ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل امتثالا لأمره وطلبا لثوابه والنجاة من عقابه ثم ذكر المؤلف في هذا آيات متعدلة منها قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته فوجه الأمر إلى المؤمنين لأن المؤمن يحمله إيمانه على تقوى الله وقال اتقوا الله حق تقاته وحق التقوى قال المؤلف رحمه الله تعالى معقبا هذه الآية بقوله فاتقوا الله ما استطعتم أي أن معنى قوله حق تقاته أن تتقي الله ما استطعت لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعى وهذه الآية فاتقوا الله ما استطعتم ليست آية مقصد بها التهاوم بتقوى الله وإنما يقصد بها الحث على التقوى بقدر المستطاع يعني لا تدخل وسعا في تقوى الله ولكن الله لا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيعه كما قال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعى وقوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم يستفاد منها أن الإنسان إذا لم يستطع أن يقوم بأمر الله على وجه الكمال فإنه يأتي منه بما قدر عليه ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جم فرتب النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة بحسب الاستطاع يصلي قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جم وهكذا أيضا بقية الأوامر الصوم إذا لم يستطع النسان أن يصوم في رمضان فإنه يأخره ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخرى في الحج أيضا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيل فإذا لم تستطع الوصول إلى البيت فلا حج عليك لكن إن كنت قادرا بمالك دون بدنك وجب عليك أن تقيم من يحج عنك ويعتمر عنك فالحاصل أن التقوى كغيرها منوطة بالاستطاع فمن لم يستطع شيئا من أوامر الله فإنه يعدل إلى ما يستطيع ومن اضطر إلى شيء مما حارم الله حل له ما ينتفع به في دفع الضرورة لقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطردتم إليه حتى إن الرجل لو اضطر إلى أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير أو أكل لحم الحمار أو غير ذلك من المحرمات فإنه يجوز له أن يأكل منه ما تندفع به ضرورته فهذه هي تقوى الله أن تفعل أوامره ما استطعت وأن تتجنب نواهيه ما استطعت ثم ساق المؤلف الآية الثالثة وهي قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنْ اتَّقُوا اللَّهُ وَقُونُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وقد سبق الله تعالى بأمري بتقوى الله وأن يقول الإنسان قولا سديدا أي صوابا وقد سبق الكلام على التقوى وأنها فعل أوامر الله جناب نواهيه أما القول السديد فهو القول الصواب وهو يشمل كل قول فيه خير سواء كان من ذكر الله أو من طلب العلم أو من الأمر بالمعروف وأنه عن نكر أو من الكلام الحسن الذي يستجلب به الإنسان مودة الناس ومحبتهم أو غير ذلك يجمعه قول النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصد وضد ذلك القول غير السديد وهو القول الذي ليس بصواب بل خطأ إما في موضوعه وإما في محله إما في موضوعه بأن يكون كلاما فاحشا يشتمل على السب والشتم والغيبة والنميم هو ما أشبه ذلك أو في محله يعني بأن يكون هذا القول في نفسه هو خير لكن كونه قال في هذا المكان ليس بخير لأن لكل مقام المقال فإذا قلت كلاما هو في نفسه ليس بشر لكنه يسبب شرا إذا قلته في هذا المحل فلا تقل لأن هذا ليس بقول سديد بل هو قول خطأ وإن كان هو ليس حراما فمثلا لو فرض أن شخصا رأى إنسانا على منكر ونهاه عن المنكر لكن نهاه في حال لا ينبغي أن يقول له فيها شيئا أو أغلظ له في القول أو ما أشبه ذلك لعد هذا قولا غير سديد فإذا قال الإنسان فإذا اتقى الإنسان ربه وقال قولا سديدا حصل على فائدتين يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم فبالتقوى صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وبالقول السديد صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وعونه من هذه الآية أن من لم يتق الله ويقول قولا سديدا فإنه حري بأن لا يصلح الله له أعماله ولا يغفر له ذنبه ففيه الحس على تقوى الله وبيان فوائدها وقال تعالى وهي الآية الرابعة ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتق الله يعني يفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه يجعل له مخرجا مخرجا من أي شيء من كل ضيق كلما ضاق عليه الشيء وهو متق الله عز وجل جعل له مخرجا سواء كان ذلك في معيشة أو في أموال أو في أولاد أو في مجتمع أو غير ذلك متى كنت متقيا لله فثق بأن الله سيجعل لك مخرجا من كل ضيق واعتمد ذلك لأنه قول من يقول للشيء كن فيكم من يتق الله يجعل له مخرجا وما أكثر الذين اتقوا الله فجعل لهم مخرجا من ذلك قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار نزلت صخرة على باب الغار فسدته فأرادوا أن يزيحوها فعجز فاتوسل كل منهم بصالح أعماله إلى الله عز وجل ففرج الله عنهم وزالت الصخرة جعل الله لهم مخرجا والأمثلة على هذا كثيرا ومن يتق الله جل المخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب هذا أيضا فائدة عظيمة أن الله يرزقك من حيث لا تحتسب فمثلا لو فرضنا أن رجلا يكتسب المال عن طريق محرم كطريق الغش أو الربع وما أشبه ذلك ونصح في هذا وتركه لله فإن الله سيجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولكن لا تتعجل لا تظن أن الأمر إذا تأخر فلن يكون قد يبتل لله العبد فيؤخر عنه الثواب ليختبره هل يرجع إلى الذنب أو لا يرجع فمثل إذا كنت تعامل بالربع ووعظك من يعظك من الناس وتركت ذلك ولكنك بقيت شهرا أو شهرين ما وجدت ربحا لا تيأس لا تقول أين الرزق من حيث لا يحتسب انتظر ثق بوعد الله وصدق بوعد الله وستجده لا تتعجل ولهذا جاء في الحديث يستجاب لأحدكم يعني إذا دعا ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول الله قال يقول دعوت ثم دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي اصبر اترك ما حرمض عليك وانتظر الفرج والرزق من حيث لا تحتسب أما هذه الآية الخامسة فيقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم هذه ثلاثة ثلاثة باعد عظيمة الفائدة الأولى يقول يجعل لكم فرقانا أن يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتحها لغيره فإن التقوى يحصل بها زيادة الهدى وزيادة العلم وزيادة الحفظ ولهذا يذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال شكوت إلى وكيه سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال أعلم بأن العلم نور ونور الله لا يفتحه عاصي ولا شك أن الإنسان كلما ازداد علما ازداد معرفة وازداد فرقانا بين الحق والباطل وبين الضار والنافع وكذلك يدخل فيه ما يفتحه الله على الإنسان من الفهم فإن التقوى سبب لقوة الفهم وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم فإن كتر الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخلج منها ثلاثة أحكام مثلا ويستطيع الآخر أن يستخلج أربعة خمسة عشر أكثر بحسب ما آتاه الله من الفهم فالتقوى إلا فالتقوى إلا سبب لزيادة الفهم ويدخل في ذلك أيضا الفراسة أن الله يعطي المتقية فراسة يميز بها حتى بين الناس بمجرد ما يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق أنه بر أو فاجر حتى إنه ربما يحكم على الشخص وهو لم يعاشر ولم يعرف عنه شيئا بسبب ما آطاه الله من الفراسة ويدخل في ذلك أيضا ما يحصل للمتقين من الكرامات التي لا تحصل لغيرهم ومن ذلك ما حصل لكثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم كان عمر بن خطاب رضي الله عنه ذات يوم يخطب على المنبر في المدينة فسمعوه يقول في أثناء الخطبة يا سارية الجبل فتعجبوا من يخاطب وكيف يقول هذا الكلام في أثناء الخطبة فإذا الله سبحانه وتعالى قد كشف له عن سرية في العراق كان قائدها ساريه بن زني وكان العدو قد حصرهم فكشف الله لعمر عن هذه السرية كأنما يشاهدها رائعي فقال لقائدها يا سارية الجبل يعني تحصن بالجبل فسمعه سارية وهو القائد وهو في العراق ثم اعتصم بالجبل هذه أيضا من التقوى لأن كرامات الأولياء كلها جزاء لهم على تقواهم الله عز وجل فالمهم أن من آثار التقوى أن الله تعالى يجعل للإنسان فرقانا يفرق به بين الحق والباطل وبين البر والفاجر وبين أشياء كثيرة لا تحصل لغير المتقين الثاني الفائدة الثاني قال ويكفر عنكم سيئاتكم وتكثر السيئات يكون بالأعمال الصالحة فإن العمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما مجدنبت الكبائل وقال النبي صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة وهذا يعني أن الإنسان إذا اتقى الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه الفائدة الثالثة قال ويغفر لكم بأن يسركم للإستغفار والتوبة فإن هذا من نعمة الله على العبد أن يسره للإستغفار والتوبة ومن البلاء إلى العبد أن يظن أن ما كان عليه من الدنوب ليس بذنب فيصر عليه والعياذ بالله كما قال الله تعالى قل هل منبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل ساعمهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنع كثير من الناس لا يقل عن الذنب لأنه زين له والعياذ بالله فعرفه وصعب عليه أن ينتشر أن ينتشر نفسه منه لكن إذا كان المتقي لله عز وجل سهل الله له الإقلاع عن الذنوب حتى يغفر له وربما يغفر الله له بسبب تقواه فتكون تقواه كالمكفرة لسيئاتك كما حصل لأهل بدر رضي الله عنهم فإن الله اطلع على أهل بدر وقال عملوا ما شئتم فقد غفرت لكم يغفر الله عن الذنوب من أهل بدر مغفورة يغفره الله عز وجل لما حصل منهم من الغزوة العظيمة التي نفع الله بها المسلمين والله ذو الفضل العظيم أي صاحب الفضل العظيم الذي لا يعدله شيء ولا يوازيه شيء فإذا كان الله تعالى موصوفا بهذه الصفة فاطلوا بالفضل منه سبحانه وتعالى وذلك بتقواه والرجوع