تعريف الصدق وفضله- للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

بسم الله الرحمن الرحيم باب الصدق الصدق معناه مطابقة الخبر للواقع هذا الصدق في الأصل ويكون في الأخبار فإذا أخبرت بشيء وكان خبرك مطابقا للواقع قيل إنه صدق مثل أن تقول اليوم يوم الأحد فهذا خبر صدق لأن اليوم يوم الأحد وإذا قلت اليوم يوم الاثنين فهذا خبر كذب فالخبر إن طابق الواقع فهو صدق وإن خالف الواقع فهو كذب وكما يكون الصدق في الأقوال يكون أيضا في الأفعال فالصدق في الأفعال أن يكون الإنسان ضاطنه موافقا لظاهره بحيث إذا عمل عملا يكون موافقا لما في قلبه فالمرائي مثلا ليس بصادق لأنه يظهر للناس أنه من العابدين وليس كذلك والمشرك مع الله ليس بصادق لأنه يظهر أنه موحد وليس كذلك والمنافق ليس بصادق لأنه يظهر الإيمان وليس بمؤمن والمبتدع ليس بصادق لأنه يظهر الاتباء للرسول عليه الصلاة والسلام وليس بمتبن المهم أن الصدق مطابقة الخبر للواقع وهو من سماة المؤمنين وعكسه الكذب وهو من سماة المنافقين نعوذ بالله ثم ذكر المؤلف رحمه الله آيات في ذلك فقال وقول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين هذه الآية نزلت بعد ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا وقد تخلفوا عن غزوة تبوك ومنهم كعب بن مالك الذي سنذكر حديثه إن شاء الله وكان هؤلاء الثلاثة حين رجع النبي صلى الله عليه وسلم يا خالد من غزوة تبوك كانوا تخلفوا عنها بلا عذر وأخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لا عذر لهم فخلفهم يعني تركهم فما نوع على الثلاثة الذين خلفوا أي تركوا فلم يبت في شأنهم لأن المنافقين لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك جاءوا إليه يعتذرون إليه ويحلفون بالله أنهم معذورون وفيهم أنزل الله هذه الآية سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا أرضى عن القوم الفاسقين أما هؤلاء الثلاثة فصدقوا الرسول صلى الله وسلم أخبروه بالصدق بأنه ليس لهم عذر تخلفوا بلا عذر فأرجعهم النبي عليه الصلاة والسلام خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم أنزل الله توبته عليه ثم قال بعد ذلك يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمر الله تعالى المؤمنين بأن يتقوا الله وأن يكونوا مع الصادقين لا مع الكاذبين هذه في جملة الآية الطويلة التي ذكرها الله تعالى في صورة الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِلَى أَنْ قَالُ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ إِلَى أَنْ قَالْ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا فذكر الله الصادقين والصادقات في مقام الثناء وفي بيان ما لهم من الأجر العظيم وقال تعالى فلو صدقوا الله لكان خيرًا لهم لو صدقوا الله يعني لو عاملوا الله بالصدق لكان خيرًا لهم ولكن عاملوا الله بالكذب فنافقوا وأظهروا خلاف ما في قلوبهم وعاملوا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له فلو صدقوا الله لقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيرًا لهم ولكنهم كذبوا الله فكان شرًا لهم وقال تعالى ليزِّي الله الصادقين بصدقهم ويعذِّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم فقال ليزِّي الله الصادقين بصدقهم فدل ذلك على أن الصدق أمره عظيم وأنه محلٌ للجزاء من الله سبحانه وتعالى إذن يا أيها الإخوة علينا أن نصدق علينا أن نكون صادقين علينا أن نكون صرحة علينا أن لا نخفي الأمر على غيرنا مجاهنة أو مرآة كثير من الناس إذا حُدِّث عن شيءٍ فعله وكان لا يُرضي كذب وقال ما فعلت لماذا؟ لا تستحي من الخلق وتبارز الخالق بالكذب قل الصدق ولا هم منك أحد وأنت إذا عُودت نفسك الصدق وأخبرت بالصدق فإنك في المستقبل سوف تصلح حالك أما إذا أخبرت بالكذب وصلت تكتم عن الناس وتكذب عليهم فإنك سوف تستمر في غيِّك ولكن إذا صدقت فإنك سوف تُعدِّل مسيرك ومنهاجك عليك بالصدق فيما لك وفيما عليك حتى تكون مع الصادقين الذين أمرك الله أن تكون معه يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين أما الحديث فقال عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة عليكم بالصدق أي يلزموا الصدق والصدق مطابقة الخبر للواقع يعني أن تخبر بشيء فيكون الخبر مطابقا للواقع مثال ذلك إذا قلت لمن سألك أي يوم هذا فقلت اليوم يوم الأرضع هذا صدق ولو قلت اليوم يوم الثلاثة لكان كذبا فالصدق مطابقة الخبر للواقع وقد سبق في حديث من مالك رضي الله عنه وصاحبيه ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته وأن الصادق هو الذي له العاقبة والكاذب هو الذي يكون عمله هباء ولهذا يذكر أن بعض عامة قال إن الكذب ينجي فقال له أخوه الصدق أنجى وأنجى وهذا صحيح واعلم أن الخبر يكون باللسان ويكون بالأركان أما باللسان فهو القول وأما بالأركان فهو الفعل ولكن كيف يكون الكذب بالفعل إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله فالمنافق مثلا كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن يصلي مع الناس ويصوم مع الناس ويتصدق ولكنه بخيل وربما يحج فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عن ما في الباطل فهي كذب ولهذا نقول الصدق يكون باللسان ويكون بالأركان فمتى طابق الحبر الواقع فهو صدق ويكون باللسان ومتى طابقت أعمال الجوارع ما في القلب فهي صدق وهذا صدق بالأفعال ثم بيّن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بالصدق بيّن عاقبتهم قال فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة البر كثرة الخير ومنه من أسماء الله البر أي كثير الخير والإحسان عز وجل فالبر يعني كثرة الخير وهو من نتائج الصدق وإن البر يهدي إلى الجنة فصاحب البر نسأل الله يا جنويكم منهم هذا يهديه بره إلى الجنة والجنة هي غاية كل مطلب لو سألت أي إنسان لماذا تعمل صالحاً قال للجنة نعم ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويسعيد به من النار فمن زحزه عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متى الغروب ثم قال وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وفي رواية ولا يزال الرجل يصدق ويتحر الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً أتدرون ما الصديق؟ الصديق في المرتبة الثانية من مراتب الخلق الذين أنعم الله عليهم كما قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فالرجل الذي يتحرَّ الصدق يكتب عند الله صديقاً ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس وتكون في الرجال وتكون في النساء قال الله تعالى ما المسيح مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة وأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم وهو أبو بكر رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن أبي قحافح الذي استجاب للنبي صلى الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام ولم يحصل عنده أي تردد وأي توقف في مجرد ما دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى إسلام أسلم وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين كذبه قومه صدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة ثم تقول إنك صعدت إلى السماء هذا لا يمكن ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا لهما أما تسمع ما قال صاحبك قال ماذا قال قال إنه قال كذا وكذا وكذا قال إن كان قد قال ذلك فقد صدق فمن ذلك اليوم سمي الصديق رضي الله عنه أما الكذب فقال النبي صلى الله عليه وسلم وإياكم والكذب إياكم هذه للتحديد يعني احذروا الكذب والكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل فإذا قال ذلك قال ما اليوم فقلت اليوم يوم الخميس أو يوم الثلاثة فهذا كذب لأنه لا يطابق الواقع والمنافق كاذب لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر فهو كاذب بفعله إياكم الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور الفجور الخروج عن طاعة الله لأن الإنسان ينشق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته وأعظم الفجور الكفر والعياذ بالله فإن الكفرة فجرة كما قال تعالى أولئك هم الكفرة الفجرة وقال تعالى كلا إن كتاب الفجار لا في سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بأم الدين وقال تعالى كلا إن كتاب الفجار لا في سجين إن الفجار لا في جحيم فالكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار نعوذ بالله منها وإن الرجل ليكذب وفي لفظ ولا يزال الرجل يكذب ويتحر الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً وهذا والعزو بالله الكذب من الأمور المحرمة بل قال بعض العلماء إنه من كبائر الذنوب لأن الرسول صلى الله عليه وسلم توعده بأنه يكتب عند الله كذاباً ومن أعظم الكذب ما يفعله بعض الناس اليوم يأتي بالمقالة كاذباً يعلم أنها كذب لكن من أجل أن يضحك الناس وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا ويلٌ لمن حدث فكذب ليضحك به القوم ويلٌ له ثم ويلٌ له وهذا وعيد على أمرٍ سهل عند كثير من الناس فالكذب كله حرام كله يهدي إلى الفجور ولا يستثنى منه شيء ورد في الحديث أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث المرأة زوجها وحديثه إياه ولكن بعض أهل العلم قال إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح قال والتورية قد تسمى كذباً كما في حديث إبراهيم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال إنه كذب ثلاثة كذبات وهو لم يكذب وإنما ورى تورية هو فيها صادق وسواء كان هذا أو هذا فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاثة على رأي كثير من أهل العلم وبعض منهم يقول الكذب لا يجوز مطلقاً مزحاً ولا جداً ولا إذا تضمن أكل مال أو لا وأشد شيء من الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل مثل أن يدعى عليه بحق عليه ثابت فينكد ويقول والله ما لك عليه حق أو يدعي ما ليس له فيقول لي عندك كذا وكذا وهو كاذب فهذا إذا حلف على دعواه وكذا فإنه فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم تغمسه في النار وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال من حلف على يمين هو فيها فاجر يقتطع بها ما لم رئ مسلم لقي الله وهو عليه غضباء فالحاصل أن الكذب حرام ولا يتوزي الإنسان عن يكذب لا هازلاً ولا جاداً إلا في المسائل الثلاث على خلاف بين العلماء في معنى الحديث