تحريم الظلم -المحرمات والمنهيات -للشيخ بن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن أبي ذرن الغفار رضي الله عنه في باب المجاهدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى يعني أن الرسول عليه الصلاة والسلام حدث عن الله أنه قال إلى آخره وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي أو الحديث الإلهي وأما ما كان من حديث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمى الحديث النبوي هذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يقول سجل وعلا إني حرمت الظلم على نفسي أي أن لا أظلم أحدا لا بزيادة سيئات لم يعملها ولا بنقص حسنات عملها بل هو سبحانه وتعالى حكم عدل محسن فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمري بين فضل وعدل فضل لمن عمل الحسنات وعدل لمن عمل السيئات وليس هناك شيء ثالث هو الظلم أما الحسنات فإنهم سبحانه وتعالى يجازي الحسنة بعشر أمثالها اعمى الحسنة تأتك عشر حسنات أما السيئة فبسيئة واحدة فقط قال الله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون لا يظلمون بنقص ثواب الحسنات ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات بل ربنا عز وجل يقول فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ظلما بزيادة في سيئاته ولا هضما بنقص من حسناته وفي قوله تعالى إني حرمت الظلم على نفسي دليل على أنه جل وعلا يحرم على نفسه ويوجب على نفسه فمما أوجب على نفسه الرحمة قال الله تعالى كتب ربكم على نفسه الرحمة ومما حرم على نفسه الظلم وذلك لأنه فعال لما يريد يحكم بما يشاء فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم يوجب على نفسه ويحرم عليها جل وعلا لأن له الحكم التاما المطلق وقوله تعالى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا أي لا يظلم بعضكم بعضا والجعل هنا جعلته بينكم محرما هو الجعل هو الجعل الشرعي وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه إما أن يكون كونيا مثل قوله تعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشِهِ وإما أن يكون شرعيا مثل قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ما جرى ما جعل أي ما شرع وإلا فقد جعل ذلك كونا لأن العرب كانوا يفعلون هذا ومثل هذا الحديث جعلته بينكم محرما أي جعلته جعلا شرعيا لا كونيا لأن الظلم يقع وقول جعلته بينكم محرما الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وهو يخطب الناس في الحج في حجة الوداع إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم مشهر فهذه ثلاثة أشياء الدماء والأموال والأعراض فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء لا يجوز لأحد أن يعتدي على دم أحد لا على دم تفوت به النفس وهو القتل ولا على دم يحصل به النقص كدم الجروح وكسر العظام وما أشبهها كل هذا حرام لا يجوز واعلم أن كسر الميت كسر عظمه ككسره حيا كما جاء ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه شيء ولا أن يكسر من أعضائه شيء لأنه أمانة سوف يبعث سوف يبعث بكامل يوم القيامة وإذا كان كذلك فلا يجوز أن نأخذ منه شيئا ولهذا نص فقهاء الحنابل رحمهم الله على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه ولو أوصى به وذلك لأن الميت محترم كما أن الحي محترم كسر عظم الميت ككسره حيا فإذا أخذنا من الميت عضوا أو كسرنا منه عظما كان ذلك جناية عليه وكان اعتداء عليه وكنا آثمين بذلك والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه لأن أعضائه أمانة عنده أمانة لا يحل أن نفرط فيها ولهذا قال الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم وفسرها عمر بن عاص رضي الله عنه بأن الإنسان إذا كان عليه جنابه وكان في البر وخاف إن اغتسل أن يتضرر جعل عمر بن عاص هذا داخلا في الآية فإن عمر بن عاص رضي الله عنه كان في سرية فأجنب وكانت الليلة باردة فتيمم وصل بأصحابه فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وبلغوا الخبر قال لعمر أصليت بأصحابك وأنت جنوب يعني لم تغتسل قال يا رسول الله إني ذكرت قول الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما وخفت البر فتيممت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على فعله وعلى استلاله بالآية لم يقل إن الآية لم تدل على هذا فإذا كل شيء يضر أبداننا أو يفوت منها شيئا فإنه لا يحل لنا أن نفعله لا تقتلوا أنفسكم لماذا حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن فالبدن محترم هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام إن دماءكم يشمل إذن الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل والدم الذي دون ذلك من جرح أو كسر عظم أو ما أشبه ذلك تقدم الكلام على أول هذا الحديث على هذه الجملة وبينا أن الظلم يكون في ثلاثة أمور بيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبه في حجة الوداع وهي الأنفس الدماء والأعراض والأموال فقال إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام سبق الكلام على شيء مما يتعلق بالدماء أما قوله وأموالكم فإن الأموال قد حرم الله سبحانه وتعالى على بعضنا أن يأخذ مال أخيه بغير حق بأي نوع من الأنواع سواء أخذه غصبا بأن يأخذه بالقوة أو أخذه سرقة أو اختطافا أو خيانة أو غشا أو كذبا بأي نوع من الأنواع يأخذه فإنه حرام علي وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش ولا سيما أهل الخضار كل جرهم يعني كل ريال بل كل قرش واحد يدخل عليهم زائدا عن الثمن من أجل الغش فإنه حرام فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محذورين المحذور الأول العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق والثاني أنهم ينالون تبر النبي صلى الله عليه وسلم منهم وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها أو يلتحق بها صاحبها بالبراءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من غش فليس منه ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران تجده دخل مرسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من اقتطع من الأرض شبراً بغير حق فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أراضيين يكون يوم القيامة من سبع أراضيين طوقاً في عنقه والعياذ بالله يحمله في يوم محشر هذا من الظلم من الظلم أيضاً أن يكون لشخص على شخص دراهم ثم ينكر الذي عليه الحق ويقول ليس عندي لك شيء فهذا من أكل المال بالباطل حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه وغلبه عند القاضي فإنه لا يغلبه عند الله قال النبي عليه الصلاة والسلام إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له وإنما أقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له بحق بشيء من حق أخيه فإنما أقتطع له جمرة من النار فليستقل أو ليستكثر لا تظن أنك إذا غلبت خصمك عند القاضي أنك إذا كنت مبطلاً تسلم من هذا في الآخرة أبداً لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما أسمع ولا يعلم الغيب ولكن علام الغيوب جل وعلا هو الذي يحاسبك يوم القيامة وكذلك أيضاً من أنواع الأكل أكل الأموال أن يدعي شخص على آخر ما ليس له يدعي ما ليس له ويقم على ذلك بيّه شهادة الزور ويحكم له بذلك فإن هذا من أكل المال بالباطل والأنواع كثيرة لكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال عز وجل فلا تظالم أما الأعراض فهي أيضاً حرام فلا يحل الإنسان أن يقع في عرض أخيه يغتابه في المجالس يسبه فإن ذلك من كبائر الذنوب قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً انظر للترتيب اجتنبوا كثيراً من الظن فإذا ظن الإنسان بأخيه شيئاً تجسس عليه ولهذا قال ولا تجسس فإذا تجسس صار يغتابه ولهذا قال في الثالثة مرتبة الثالثة ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً الجواب لا لا يحب بل يكره ولهذا قال فكرهتموه قال بعض المفسرين إذا كان يوم القيامة فإنه يؤتى بالرجل الذي اغتابه الشخص يمثل له بصورة إنسان ميت ثم يقال كل من لحمه ويكره على ذلك وهو يكرهه لكن يكره على هذا عقوبة الله والعياذ بالله فالغيبة وينتهاك أراضي أخيك هذه محرمة وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ليلة عُلِجَ بِهِمْ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسِ يَخْمِشُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس فقال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم نعوذ بالله ثم إن الإنسان إذا انتهك أرض أخيه فإن أخاه يأخذ منه في الآخرة من حسناته ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له إن فلانا يغتابك فقال مؤكد قالوا نعم اغتابك فصنع هدية له ثم بعث بها إليه فاستغرب الرجل كيف أنه يغتابه ويرسله هدية قال نعم إنك أهديت إلي حسنات والحسنة تبقى وأنا أهديت إليك هدية في الدنيا تذهب فهذه مكافأة على هديتك لي شفقها السلف رضي الله عنه فالحاصل أن الغيبة حرام ومن كبائر الذنوب ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم والذي يعلمونه الناس فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم وهذا ضرر على الدين وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى لا يصلح الناس فوضى لا سرات لهم ولا سرات إذا جهالهم سادق نصر الله