04- قصة جرت مع المؤلف الشوكاني - إلى .. نهاية الرسالة
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
اجتمعت في أيام الطلب بجماعة من أهل العلم فسمعت من بعض أهل العلم الحاضرين ثلبا شديدا لوزير من الوزراء فقلت للمتكلم أنشدك الله يا فلان أن تجيبني عما أسألك عنه وتصدقني قال نعم قلت له
هذا الثلب الذي جرى منك هل هو لوازع ديني تجده من نفسك لكون هذا الذي تثلبه ارتكب منكرا أو افترى على مظلمة أو مظالم أم أن ذلك لكونه في دنيا حسنة وعيشة رافعة ففكر قليلا ثم قال ليس ذلك
إلا لكون الفاعل ابن الفاعل يلبس الناعم من الثياب ويركب الفاره من الدواب ثم عدد من ذلك أشياء فمحك الحاضرون وقلت له أنت إذا ظالم له تخاطب بهذه المظلمة بين يدي الله وتحشر مع الظلمة في
الأعراض وذلك أشد من الظلم في الأموال عند كل ذي نفس حرة وبهذا قال قائلهم يهون علينا أن تصاب جسوبنا وتسلم أعراض لنا وعقول وبالجملة فإني أظن أن الظلمة في الأعراض أجرأ من الظلمة في
الأموال لأن ظالم المال قد صار له وازع على الظلم وهو المال الذي به قيام المعاش وبقاء الحياة ثم قد حصل له من مظلمته ما ينتفع به في دنيا وإن كان سخطا يحتاجه حراما وظالم الأعراض لم يقف
إلا على الخيبة والقسران دعم لا يشتاع وإن كان سخطا يجتاحه حراما وظالم الأعراض لم يقف إلا على الخيبة والقسران مع كونه فعل جهد من لا له جهد وذلك مما تنفر عنه النفوس الشريفة وتستصدر
فاعله الطبائع العلية والقوى الرفيعة فائدة اعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما من أعظم أساطين الدين وحكم قناطر الإسلام وأهم أحكام الشريعة المطهرة بل هما إذا كان قائمين كان
الدين على أتم قيام وأكمل نظام وإن لم يقونا قائمين في العباد ولم يوجد في البلاد من يقوم بهما تخولفت الشرائع الإسلامية وتعطرت الشعائر الإيمانية وقال من شاء من أهل الجسارة ما شاء وفعل
من لم يكن له زاجر ديني ما أراد لعدم وجود من يأخذ على أيديهم من القائمين بحجة الله في عباده ولهذا وردت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة في الحف على ذلك والمجح العظيم لفاعلهما
والزجل الوحيم لتاركهما فمن قدر على ذلك فقد حمل العبء الكبير وقام بالأمر الجليل الخطير ولا يزال يزداد قوة وتمكنا وثباتا حتى يكم له ما لم يكن له في حساب ولا خطر له على بال ولا مر له
على خيال وصار رأسا للفرقة الذي قال فيها الصادق المصدوق لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين وكان من القائمين بحجة الله في بلاده على عباده وفاز بالأجر العظيم الذي وعد الله سبحانه
به عباده الصالحين القائمين بما قام به وإن أدرك من النفس الأمارة بعض جبن في بعض الأحوال وأنس من طبيعته جورا وضعفا في بعض المقامات بل يعلم أن ذلك من وسوسة الشيطان الرجيم لأنه أشد
عليه من القائمين في مقامات العبادة والقاعدين في مقاعد الزهد والورع والمستكثبين من طاعة الله عز وجل والعازفين نفوسهم عن معاصيه وذلك أن كل واحد من هؤلاء صار يجاهل الشيطان عن نفسه
ويدفعهم عن حوضه ويفارقهم عن عشه وبيضه ويذوده عن أن يتعرض لشيء من طاعاته بالتشكيك عليه أو الوسوسة له وهذه مصلحة خاصة بنفس هذا الرجل الصالح المشتغل بمراض الله عز وجل المتجنب بمراضبه
وأما القائم بما أمره الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو قائم لإصلاح عباد الله بعد إصلاحه لنفسه فلا يزان زاجرا لهم عن المنكرات مراغبا لهم في أنواع الطاعات محذرا لهم من
مكر الشيطان الرجيم مبينا لهم ما ينصبه من حبائل الخذلان لعباد الله وما يزينه لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان ومن هذه الحيثية كان مقابه عاما نفع ومصلحته شاملة للجمع الجمع فهو في حكم
المصاول للشيطان عن عباد الله سبحانه المحاول له عند أن يريد الإغواء بالأهواء والاستدراج بشارات النفس من التنعم باللذات والتمتع بالمحرمات والتلذذ بالموبقات فهو العدو الأكبر لفريق
الشياطين أجمعين الشياطين الشياطين أجمعين والقائم في كل مواطنه بالمحاربة لهم عن أن يتم كيدهم على أحد من عباد الله الصالحين والمصاولة لهم عن أن يتسلطوا على أحد من المؤمنين أجمعين
وبهذا تعلم أنه قد أسفر الصبح لذي عينين بأن بين المقامين مسافات تتقطع فيها أعناق الإبل ومفاوز تبيت دونها سوابق المطي بل بين المقامين ما بين الأرض والسماء ولا بد أن ينتهي أمر هذا
القائم بحجة الأمر بالماروه والنهي عن البنكر إلى التمام على ما يطابق المرام ويوافق رضى الملك العلام لأنه قام هذا المقام لتكون كلمة الله هي العليا وذو الحق غلاب بنصوص السنة والكتاب
وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الرجل يقاتل حمية وشجاعة ويرى موضعه أيهم في سبيل الله فقال من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله فهذا القائم بحجة الله عز وجل
هو في آظم الجهاد وهو في سبيل الله عز وجل لأنه لم يفعل ذلك لغير هذا القصد فإن لم ينجز عمله ويحصل أمله بسرعة حصل ولو بعد حين كما وعد الله سبحانه عباده ويتصور عند قيامه في هذا المقام
تصفية النية من كدورات الرياء والمقاصر التي ليست من الدين وبتصور ما أمر الله عز وجل به ويتصور ما أمر الله عز وجل به من الإخلاص وحف عباده عليه ويستحق قول السابق المسلوق صلى الله عليه
وسلم إنما لا أمر الله سم ما أمر الله ويتصور ما أمر الله نعم ما أمر الله من الإخلاص وحف عباده وحف عباده سم ويتصور ما أمر الله عز وجل به من الإخلاص وحف عباده عليه ويستحق قول الصادق
المسلوق صلى الله عليه وآله وسلم إنما الأعمال بالنيات فإنها تضع كلية جامعة مانعة نافعة لا سيما بعد ضم ما ضمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه الجملة من قوله وإنما لكل امرئ
ما نوى ثم تصوير ذلك وتمثيله منه صلى الله عليه وآله وسلم بقوله فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها كانت هجرته إلى ما هاجر إليه فإن فارق
الإخلاص ولو لمسافة يسيرة فقد لا يكن له ما يريد بهذا السبب لا بسبب خلل في المقام الذي قام فإنه مقام المرسلين والعلماء العاملين وعباد الله الصالحين ورويت في كدب التاريخ كصة لبعض
العالمين في هذا المقام وأنه وقف على آلية من الخمر قد حمل من بعض المواضع التي وخمرها لبعض الملوك ورأى الحاملين له قد أخرجوها من المركب إلى خالج البحر ليحملوها على الدواب بعد أن
حملوها على السفن في البحر فأخذ عودا ثم ما زال يكسرها حتى بقيت واحدة فوقف عندها واحدة منها حتى بقيت واحدة منها فوقف عندها قليلا ثم تركها ورمى بالعصى فأخذه الواصلون بها وقد اجتمع
عليه جمع وما شكوا أن الملك يقتله فلما وصل إلى الملك وقد اشتد غضبه فقال ما حملك على ما صنعت من الاستخفاف بنا والإقدام على متاعنا فقال لم أستخف به بل فعلت ما أمر لله به وأخذه علي من
النهي عن المنكر فقال له فما سبب تركك لواحد منها قال أدركت نزعة من نزعات العجب قد أوقع الشيطان في قلبي العجب فتركت كسر ذلك الواجب منها كي لا أكسره على غير نية صحيحة مخلصة لله عز وجل
فلما سمع ذلك الملك خلى سبيله ولم يكن له عليه سبيل وفي هذا المقدار كفايا والحمد لله أولا وآخرا