سيره النبي صلى لله عليه وسلم 2

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ونشكره على ما أولانا من واسع كرمه وفضله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هدى من هدى بفضله وأضل من أضل بحكمته وعدله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المجتبى المختار من خلقه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فيا أيها المسلمون احرصوا على معرفته سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن معرفة سيرته تزيد الإنسان إيمانًا به وحبًا له واتباعًا لشريعته وصلاحًا في قلبه وهذا يعرفه من طالع سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن أحسن ما كتب في سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كتبه ابن كثير رحمه الله في كتابه البداية والنهاية وما كتبه ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد في هده خير العباد أيها المسلمون إني أحزت نفسي وإياكم على معرفة سيرة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما في ذلك من الفوائد التي ذكرناها ولما في ذلك من قضاء حقه علينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه لا يليق بنا ونحن نؤمن بالله ورسوله أن نجهل متى ولد الرسول أو نجهل متى هاجر الرسول أو نجهل ما هي غزوات الرسول أو نجهل متى مات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم نعم إنه لا يليق بنا أن نجهل ذلك وهو رسولنا وإمامنا وأسوتنا وقدوتنا وقائدنا إلى مرضاة الله عز وجل فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بمحبته ومحبة رسوله وأن يجعلنا من المتبعين له ظاهرا وباطنا أيها الإخوة في هذا الشهر شهر ربيع الأول من العام الثالث عشر من البعثة وصل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة مهاجرا من مكة البلد الأول للوحي وأحب البلاد إلى الله ورسوله خرج من مكة مهاجرا بإذن من ربه بعد أن أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يبلغ رسالة ربه ويدعو إليه على بصيره فلم يجد من أكثر قريب والإيذاء الشديد للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن آمن به حتى آل بهم الأمر إلى تنفيذ خطة المكر والخداء لقتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنهم يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين اجتمع كبراء قريش في دار الندوة وتشاوروا ماذا يفعلون بهذا الرجل الذي سفه عقولهم وعاب أصنامهم ماذا يفعلون به حين رأوا أصحابه أيضا يهاجرون إلى المدينة وأنه لا بد أن يلحق بهم ويجد النصرة والعون من الأنصار الذين بايعوه رضي الله عنهم على أن يمنعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم وحينئذ تكون له الدولة على قريش فقال عدو الله أبو جهل الذي كان يلقبه قريش أبو الحكم ولكنه بعيد عن الحكمة بل هو سفيه جاهل ولهذا كان أصدق وسط عليه أن يوصف بأبي جهل قال أبو جهل الرأي أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جلدا ثم نعطي كل واحد سيفا صارما ثم يعمدوا إلى محمد فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ونستيق منه ويتفرق دمه في القبائل فلا تستطيع بنو عبد مناف يعني عشيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحاربوا قومهم جميعا وحينئذ يرضون ويرتخون للدية فنعطيهم إياها الله أكبر يا عباد الله هكذا يخطط أعجاء الله للقضاء على رسول الله وإذا قضوا على رسول الله فإنما يقضون على ما بقي من شريعة الله هكذا يخططون وبهذا القدر من المكر والخديعة ولكنهم يمكرون ويمكر الله كما قال الله عز وجل وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ثلاثة آراء ليثبتوك يعني الحبس أو يقتلوك أو يخرجوك قال الله عز وجل ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما أراد المشركون وأذن له بالهجرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليخرج من الملك الذي أنزل الله عليه الوحي فيه إلا بإذن الله عز وجل فآذل الله له بالهجرة وكان أبو بكر رضي الله عنه قد تجهز من قبل للهجرة إلى المدينة فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فتأخر أبو بكر رضي الله عنه ليصحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالت عائشة رضي الله عنها فبينما نحن في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة في منتصف النهار إذا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الباب متقنعا فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر فدخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال لأبي بكر أخرج من عندك لأن الكلام كلام سر خطير قال له أخرج من عندك فقال يا رسول الله إنما هم أهلك بأبي أنت وأمي فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له كلمته السرية إنه قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله قال نعم فقال يا رسول الله أخذ إحدى راحلتي هاتين فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالثمن وأبى أن يقبل ذلك هدية لأنه سوف يرتحل هذه الناقة إلى المدينة مهاجرا بأمر الله عز وجل قال النبي صلى الله عليه وسلم بالثمن ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبو بكر فأقاما في غال جبل ثور ثلاثة ليالي يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما وكان غلاما شابا ذكيا واعيا ينطلق في آخر الليل إلى مكة فيصبح مع قريش فلا يسمع بخبر حول النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه إلا وعاه حتى يأتي به إليهما حين يختلط الظلام فجعلت قريش تطلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين علموا بخروجه وتسعى بكل وسيلة ليدركوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى جعلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما ديته كاملة مئة من الإبل ولكن ولكن الله كان معهما يحفظهما بعنايته ويرعاهما بلعايته حتى إن قريشا يا عباد الله حتى إن قريشا ليقفون على باب الغار فلا يرونهما قال أبو بكر رضي الله عنه قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قال بقلب ثابت مطمئن لا تحزن إن الله معنا ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما وما هذا القلب المطمئن إلا مؤمنا بالله عز وجل واثقا بنصره فانظروا أيها الإخوة إلى قمأنينة قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في المضائق الحرجة كيف يؤمنون بالله ويثقون به أتم الثقة واربطوا هذه القضية بقضية موسى مع قومه حين خرج من مصر فاتبعه فرعون فلما وصلوا إلى البحر الأحمر قال أصحاب موسى إنا لمدركون البحر أمامنا وفرعون وجنوده خلفنا فنحن مدركون هالكون فقال موسى كلا إن معي ربي سيهدين فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فأنجى الله موسى وأهلك فرعون وقومه أيها الإخوة المسلمون هكذا يكون الإيمان في حال الشدة وفي حال الحرج متعلقا بالله واثقا به وثق أيها الأخ المؤمن أنك متى وثقت بالله عز وجل فستجد الكفاية ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا اللهم اجعل لنا من كل هم من فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل بلاء عافية يا رب العالمين أيها الإخوة أقام النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حتى إذا سكن الطلب عنه وعن صاحبه خرجا من الغار بعد ثلاث متجهين إلى المدينة على طريق الساحل فلحقهما سراقة ابن مالك المدرجي على فرس الله وانتبهوا لهذه القصة لحقهما على فرس الله فالتفت أبو بكر فقال يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تحزن إن الله معنا فدنا سراقة منهما حتى إذا سنع قراءة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم غاصت يدا فرسه في الأرض حتى مس بطنها الأرض وكانت أرضا صلبة ولكن الله عز وجل جعلها رخوة بأمره وكل شيء خاضع لأمر الله فنزل سراقة وزجر الفرس فنهضت فلما أخرجت يديها صار لأثرهما عثان صاطع في السماء مثل ابتخان قال سراقة فوقع في نفسي أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فناديتهم بالأمان فوقف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه فركبت فرسي حتى جئتهم وأخبرتهم بما يريد الناس بهم وعزمت وعرضت عليهم الزاد والمتاع وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أعني سراقة إنك تمر على إبني وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك فقال لا حاجة لي في ذلك وقال أخفي عنا فرجع سراقة رضي الله عنه وجعل لا يلقى أحدا من الطلب الذين يريدون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا رده وقال كفيتم هذه الجهة أيها الإخوة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رجل ينطلق على فرسه طالبا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصاحبه ليظفر بهما فيفخر بتسليمهما إلى أعدائهما من الكفار فلم ينقلب حتى عاد ناصرا معينا مدافعا يعرض عليهم الزاد والمتاع وما يريدان من ابنه وغنمه ويرد عن جهتهما كل من أقبل نحوها وهكذا أيها الإخوة كل من كان الله معه فلن يضره أحد وستكون العاقبة له اللهم اجعلنا من المتقين المحسنين الذين يفوزون بمعيتك يا رب العالمين إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ولما سمع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار بخروج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم كانوا رضي الله عنهم يخرجون صباح كل يوم إلى الحرة ينتظرون قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه حتى يضغدهم حر الشمس فلما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا رجلٌ من اليهود على أطم من آطام المدينة ينظر لحاجة له فأبصر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه مقبلين يزول بهم السراب فلم يملك هذا اليهودي أن نادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم يعني هذا حظكم وعزكم الذي تنتظرون فهب المسلمون للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم السلاح تعظيما وإجلالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيذانا باستعدادهم للجهاد والدفاع دونه رضي الله عنهم فتلقوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بظاهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين ونزل في بني عمر بن عوف في قباء وأقام فيهم بذع ليال وأسس المسجد ثم ارتحل إلى المدينة والناس معه وآخرون يتلقونه في الطرقات قال أبو بكر رضي الله عنه خرج الناس حين قد من المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء رسول الله الله أكبر جاء محمد وقال أنس ابن مالك رضي الله عنه إني لأسعى بين الغلمان بين الغلمان وأنا يومئذ الغلاب والناس يقولون جاء محمد جاء محمد هكذا يرددون هذه الكلمات فرحا بمعدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أحب الناس إليهم فيا له من مقدم ملأ القلوب فرحا وسرورا وملأ الآفاق بهجة ونورا فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكل قبيلة من الأنصار تنازع الأخرى أخرى زمام ناقته أن نزول عندنا يا رسول الله في العدد والعدة والمنعة ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول تعوها فإنها مأمورة وإنما أنزل حيث أنزل لله عز وجل سلوات الله وسلامه عليه ما أعظم عبوديته لربه وما أوثق نفسه بوعد الله فلما انتهت به الناقة إلى مكان مسجده الآن بركت فلم ينزل عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لينظر هل بروكها لحكمة أم لغير ذلك لم ينزل عنها حتى وثبت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أطلق لها الزمام فسارت غير بعيد ثم التفتت خلفها فعادت إلى مكانها الأول فبركت فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا إن شاء الله المنزل وكان هذا المكان لغلامين يتيمين فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فساومهما ليشتريه منهما فيتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبا أن يقبله منهما هبا وحينئذ قد تقولون لماذا يبايع النبي صلى الله عليه وسلم هذين اليتيمين وهما يتيمان لا يصح تصرفهما بمثل ذلك ولكننا نقول إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ولهذا لما عرضوا المكان هبه أبا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقبله هبه لألا تضيع ماليته عليهما حتى اشتراه منهما وقال أي بيوتنا أقرب قال أبو أيوب أنا يا رسول الله هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيئ لنا مقيلا ففعل أبو أيوب رضي الله عنه ثم جاء فقال قوما على بركة الله ثم جاء في أثناء ذلك عبد الله بن سلام رضي الله عنه وكان حضرا من أحبار اليهود أي عالما من علمائهم فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعوهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت فإنهم إن علموا أني أسلمت قالوا فيي ما ليس فيه فأرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى اليهود فأتوا إليه فقال يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلاه إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق قالوا ما نعلم ذلك وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكذبت اليهود قال فأي رجل فيكم فيكم عبد الله بن سلام قالوا سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال أرأيتم من أسلم قالوا حاش لله ما كان ليسلم فأعاد عليهم فأعادوا وكان عبد الله بن سلام قد اختبأ لينظر ما يقولون فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن سلام أخرج عليهم فخرج فقال يا معشر اليهود اتقوا الله يقوله عبد الله بن سلام يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلاه إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق فقالوا كذبت ولكنه مصدق وكذبت اليهود فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهد أهل غدر وكذب وفجور أيها المسلمون هذه هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج من بلده ليقيم دعوة الله ويصلح بها عباد الله وكان من جملة إصلاحاته التي امتدأ بها قبل إصلاح مساكنه كان من ذلك إقامة المسجد إقامة المسجد قبل المسكن فقد بنا صلى الله عليه وسلم المسجد قبل أن يبني بيوت أهله ولذلك يجب على مخطط الأراضي أن يعتنوا بأمكنة المساجد وأن يجعلوها في الأماكن المناسبة قبل أن تخطط البيوت أيها المسلمون اتخذوا من هذه الهجرة عبرة واقرأوا سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتدركوا منها ما تطمئن به القلوب ويزداد بها الإيمان ويرتقي بها الإنسان إلى معالي الأخلاق اللهم إنا نسألك أن تهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت وأن تصرف عنا سيئ الأخلاق والأعمال لا يصرف عنا سيئها إلا أنت اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمد في الآخرة والأولى وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهده مهتدى وسلم تسليما أما بعد أيها الناس فلقد سمعتم ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الهجرة حيث كان في بلدٍ لم يهتم به ولم يقبل دعوته إلا قليلٌ من الناس أما الكبراء والوجهاء والأعيان فلم يقبلوا ذلك ولكن الله سبحانه وتعالى أذن لرسوله بالهجرة ليقيم دولةً إسلامية وأمةً متمسكةً بدين الله ثم أذن الله لهم بالقتال حتى دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان دخل مكة فاتحاً منصوراً مضفراً ووقف على الباب يقول لكبراء مكة ما تظنون أني فاعل بكم قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ولعلكم تتساءلون هل انقطعت الهجرة بعد الهجرة الأولى التي هاجر فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة والجواب لا لم تنقطع لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها ولكن هناك هجر أخرى غير هجرة الأوطان ألا وهي هجرة المعاصر أن يهجر الإنسان معاصي الله عز وجل أن لا يرتكب ما حرم الله عليه أن لا يترك ما أوجب الله عليه وهناك هجرة أن يهجر الإنسان قرناء السوء فلا يجلس إليهم ولا يتحدث إليهم حديثاً يأثم به ولكن لا مانع من أن يدوهم إلى الله وينصحهم النصيحة الواجبة عليه هناك أيضاً هجرة أخرى أن تهجر أهل المعاصي إذا كان في هجرهم فائدة وانتقال من المعاصي إلى الطاعات فإن هجرهم حينئذ يكونوا واجباً وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يهجر الصحابة كعب من مالك رضي الله عنه وصاحبيه فهجروهم حتى أنزل الله توبتهم فإذا كان الإنسان يرى إنساناً مصراً على المعصية ونصحه ولكنه أصر فإنه يهجره إذا كان في هجره مصلحة وفائدة أما إذا لم يكن في هجره مصلحة وفائدة فإنه لا يهجره لأنه مؤمن وهجر المؤمن محرم فوق ثلاث لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام وإنما قلت إن العاصية إن العاصية مؤمن لا أريد أنه مؤمن كامل الإيمان بل هو مؤمن ناقص الإيمان إيمانه ناقص بحسب ما ترك من واجب أو فعل من معصية ولكن أصل الإيمان في قلبه فالرجل الذي يفعل المعاصي لكن معه أصل الإيمان ليس بكافر ولكنه مؤمن ناقص الإيمان وحينئذ لا نهجره إلا إذا كان في هجره فائدة أما الكافر فيهجر فإذا كان رجل لا يصلي فإننا نهجره لأنه لا فائدة من الكلام معه إذ أن الذي لا يصلي كافر خارج عن ملة الإسلام ليس من المسلمين في شيء لكن علينا أن ندعوه إلى الله علينا أن ندعوه إلى الدخول في الإسلام مرة أخرى ليجدد إسلامه من جديد والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير كما قال الله تعالى للمؤمنين عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم اللهم إنا نسألك أن تعيننا على هجر المعاصي ما ظهر منها وما بطن اللهم اجعلنا من المؤمنين المتقين الذين يهجرون ما تكره ويفعلون ما تحب يا رب العالمين واعلموا أيها الإخوة أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدء محمد رسول الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في الدين بدعة وكل بدعة ضلالة فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شد شد في النار واعلموا أن الله أمركم بأن تصلوا وتسلموا على نبيه في قوله إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما اللهم سمعا لك وطاعه اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد اللهم ارزقنا محبة واتباعه ظاهرا وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم ادخلنا في شفاعته اللهم أستنا من حوضه اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم ارضى عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم ارضى عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أن تنصر المسلمين في كل مكان اللهم انصر المسلمين في كل مكان اللهم اجمع كلمتهم على الحق اللهم يسرهم للمسرى وجنبهم العسرى واغفر لهم في الآخرة والأولى اللهم انصر إخوانا للمجاهدين في البسنة والهرسك على أعدائهم الصرب اللهم انصرهم عليهم نصرا مؤزرا وافتح عليهم فتحا مبين يا رب العالمين اللهم دمر الصرب ومن ساعدهم على المسلمين يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أن تزلزل بالصرب الطاغين الظالمين اللهم زلزل أقدامهم اللهم اهزمهم اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا رب العالمين اللهم اكتب ذلك لكل من اعتدى على المسلمين إنك على كل شيء قدير ربنا اغفلنا وليخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم أيها الإخوة إنني أكرر وأعيد أن تقرؤوا سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الكتب المعتمدة مثل البداية والنهاية لابن كثير وزاد المعاب لابن القيم وفقني الله وإياكم لكل خير وجنبنا كل شر إنه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أيها الإخوة