2 - المجلس الأول - قراءة كتاب مجالس شهر رمضان - للشيخ محمد بن صالح العثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى المجلس الأول في فضل شهر رمضان الحمد لله الذي أنشأ وبرى وخلق الماء والثرى وأبدع كل شيء وذرى لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى وبعث نوحا فصنع الفلك بأمر الله وجرى ونجى الخليل من النار فصار حرها بردا وسلاما عليه فاعتبروا بما جرى وآتا موسى تسع آيات فما اتذكر فرعون ومرعوا وأيد عيسى بآيات تبهر الورى وأنزل الكتاب على محمد فيه البينات والهدى أحمده على نعمه التي لا تزال تترى وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرى وعلى عمر الملهم في رأيه فهو بنور الله يرى وعلى عثمان زوج ابنتيه ما كان حديثا يفترى وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الشرى وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى وسلم تسليما إخواني لقد أظلنا شهر كريم وموسم عظيم يعظم الله فيه الأجر ويجزل المواهب ويفتح أبواب الخير فيه لكل راغب شهر الخيرات والبركات شهر المنح والهبات شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان شهر محفوف بالرحمة والمغفرة والعتق من النار أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار اشتهرت بفضله الأخبار وتواترت فيه الآثار ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين وإنما تفتح أبواب الجنة في هذا الشهر لكثرة الأعمال الصالحة وترغيبا للعاملين وتغلق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان وتصفد الشياطين فتغل فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره وروا الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطهن أمة من الأمم قبلها خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم جنته ويقول يوشك عباد الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك وتصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله حاشية رواه البزار والبيهقي في كتاب الثواب وإسناده ضعيف جدا لكن لبعضه شواهد صحيحة إخواني هذه الخصال الخمس ادخرها الله لكم وخصكم بها من بين سائر الأمم ومن عليكم ليتمم بها عليكم النعم وكم لله عليكم من نعم وفضائل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله الخصلة الأولى أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك والخلوف بضم الخاء أو فتحها تغير رائحة الفم عند خلو المعدة من الطعام وهي رائحة مستكرهة عند الناس لكنها عند الله أطيب من رائحة المسك لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته وكل ما نشأ عن عبادته وطاعته فهو محبوب عنده سبحانه يعوض عنه صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب ألا ترون إلى الشهيد الذي قتل في سبيل الله يريد أن تكون كلمة الله هي العليا يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك وفي الحج يباهي الله الملائكة بأهل الموقف فيقول سبحانه انظروا إلى عباد هؤلاء جاءوني شعثا غبرا رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وإنما كان الشعث محبوبا إلى الله في هذا الموطن لأنه ناشئ عن طاعة الله باجتناب محظورات الإحرام وترك الترفه الخصلة الثانية أن الملائكة تستغفر لهم حتى يفطروا والملائكة عباد مكرمون عند الله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فهم جديرون بأن يستجيب الله دعاءهم للصائمين حيث أذن لهم به وإنما أذن الله لهم بالاستغفار للصائمين من هذه الأمة تنويها بشأنهم ورفعة لذكرهم وبيانا لفضيلة صومهم والاستغفار طلب المغفرة وهي ستر الذنوب في الدنيا والآخرة والتجاوز عنها وهي من أعلى المطالب وأسمى الغايات فكل بني آدم خطاؤون مسرفون على أنفسهم مضطرون إلى مغفرة الله عز وجل الخصلة الثالثة أن الله يزين كل يوم جنته ويقول يوشك عباد الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك فيزين تعالى جنته كل يوم تهيئة لعباده الصالحين وترغيبا لهم في الوصول إليها ويقول سبحانه يوشك عباد الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى يعني مؤونة الدنيا وتعبها وأذاها ويشمروا إلى الأعمال الصالحة التي فيها سعادتهم في الدنيا والآخرة والوصول إلى دار السلام والكرامة الخصلة الرابعة أن مردة الشياطين يصفدون بالسلاسل والأغلال والأغلال فلا يصلون إلى ما يريدون من عباد الله الصالحين من الإضلال عن الحق والتثبيط عن الخير وهذا من معونة الله لهم أن حبس عنهم عدوهم الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ولذلك تجد عند الصالحين من الرغبة في الخير والعزوف عن الشر في هذا الشهر أكثر من غيره الخصلة الخامسة لأن الله يغفر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في آخر ليلة من هذا الشهر إذا قاموا بما ينبغي أن يقوموا به في هذا الشهر المبارك من الصيام والقيام تفضلا منه سبحانه بتوفية أجورهم عند انتهاء أعمالهم فإن العامل يوفى أجره عند انتهاء عمله وقد تفضل سبحانه على عباده بهذا الأجر من وجوه ثلاثة الوجه الأول أنه شرع لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سببا لمغفرة ذنوبهم ورفعة درجاتهم ولولا أنه شرع ذلك ما كان لهم أن يتعبدوا لله بها فالعبادة لا تأخذوا إلا من وحي الله إلى رسله ولذلك أنكر الله على من يشرعون من دونه وجعل ذلك نوعا من الشرك فقال سبحانه أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله الوجه الثاني أنه وفقهم للعمل الصالح وقد تركه كثير من الناس ولولا معونة الله لهم وتوفيقه ما قاموا به فلله الفضل والمنة بذلك يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين الوجه الثالث أنه تفضل بالأجر الكثير الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة فالفضل من الله بالعمل والثواب عليه والحمد لله رب العالمين إخواني بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بلغه وقام بحقه بالرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته ومن الغفلة عنه إلى ذكره ومن البعد عنه إلى الإنابة إليه يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضا شهر عصيان واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حيا فما أقرب القاصي من الدان اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة ووفقنا للتزود من التقوى قبل النقلة وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين