5 - المجلس الرابع - قراءة كتاب مجالس شهر رمضان - للشيخ محمد بن صالح العثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى المجلس الرابع في حكم قيام رمضان الحمد لله الذي أعان بفضله الأقدام السالكة وأنقذ برحمته النفوس الهالكة ويسر من شاء لليسرى فرغب في الآخرة أحمده على الأمور اللذيذة والشائكة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والقهر فكل النفوس له ذليلة عانية وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم بأمر ربه سرا وعلانية صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي تحرج عليه الفرقة الآفكة وعلى عمر الذي كانت نفسه لنفسه مالكة وعلى عثمان منفق الأموال المتكاثرة وعلى علي مفرق الأبطال في الجموع المتكاثفة وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان ما قرعت الأقدام السالكة وسلم تسليما إخواني لقد شرع الله لعباده العبادات ونوعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب ولألا يملوا من النوع الواحد فيتركوا العمل فيشقى الواحد منهم ويخيب وجعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله والإكمال فمن ذلك الصلاة فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة خمسا في الفعل وخمسين في الميزان وندب الله إلى زيادة التطوع من الصلوات تكميلا لهذه الفرائض وزيادة في القربى إليه فمن هذه النوافل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة ركعتان قبل صلاة الفجر وأربع ركعات قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد الإشاء ومنها صلاة الليل التي امتدح الله في كتابه القائمين بها فقال سبحانه والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما وقال تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل رواه مسلم وقال صلى الله عليه وسلم أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام رواه الترمذي وقال حسن صحيح وصححه الحاكم ومن صلاة الليل الوتر أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة فيوتر بركعة مفردة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل رواه أبو داود والنسائي ويوتر بثلاث لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن يوتر بثلاث فليفعل رواه أبو داود والنسائي فإن أحب سردها بسلام واحد لما روى الطحاوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أو ترى بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن وإن أحب صلى ركعتين وسلم ثم صلى الثالثة لما روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجته ويوتر بخمس فيسردها جميعا لا يجلس ولا يسلم إلا في آخرهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أحب أن يوتر بخمس فليفعل رواه أبو داود والنسائي وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن متفق عليه ويوتر بسبع فيسردها كالخمس لقول أم سلمة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام رواه أحمد والنسائي وابن ماجة ويوتر بتسع فيسردها لا يجلس إلا في الثامنة فيقرأ التشهد ويدعو ثم يقوم ولا يسلم فيصلي التاسعة ويتشهد ويدعو ويسلم لحديث عائشة رضي الله عنها في وطر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا الحديث رواه أحمد ومسلم ويصلي إحدى عشرة ركعة فإن أحب سلم من كل ركعتين وأوتر بواحدة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة الحديث رواه الجماعة إلا الترمذي وإن أحب صلى أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا متفق عليه وسرد الخمس والسبع والتسأة إنما يكون إذا صلى وحده أو بجماعة محصورين اختاروا ذلك أما المساجد العامة فالأولى للإمام أن يسلم في كل ركعتين لألا يشق على الناس ويربك نياتهم ولأن ذلك أيسر لهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أيكم أما الناس فليوجز فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة وفي لفظ فإذا صلى وحده فليصلي كيف يشاء ولأنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أو ترى بأصحابه بهذه الكيفية وإنما كان يفعل ذلك في صلاته وحده وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه ومعنى قوله إيمانا أي إيمانا بالله وبما أعده من الثواب للقائمين ومعنى قوله احتسابا أي طلبا لثواب الله لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب مال ولا جاه وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها واحتساب الأجر والثواب من الله عليها وما هي إلا ليال معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها وإنما سمي التراويح لأن الناس كانوا يطيلونها جدا فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول من سن الجماعة في صلاة التراويح في المسجد ثم تركها خوفا من أن تفرض على أمته ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة وكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم قال وذلك في رمضان وعن أبي ذر رضي الله عنه قال صمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة ثم قام بنا في الخامسة حتى ذهب شط الليل أي نصفه فقلنا يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال صلى الله عليه وسلم إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة الحديث رواه أهل السنن بسند صحيح واختلف السلف الصالح في عدد الركعات في صلاة التراويح والوتر معها فقيل 41 ركعة وقيل 39 وقيل 29 وقيل 23 وقيل 19 وقيل 13 وقيل 11 وقيل غير ذلك وأرجح هذه الأقوال أنها 11 أو 13 لما في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على 11 ركعة وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم 13 ركعة يعني من الليل رواه البخاري وفي الموطأ عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب وتميمن الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة وكان السلف الصالح يطيلونها جدا ففي حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه قال كان القارئ يقرأ بالمئين يعني بمئات الآيات حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وهذا خلاف ما كان عليه كثير من الناس اليوم حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها فيخلون بهذا الركن ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن فيجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب نسأل الله السلامة ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التراويح لينال ثوابها وأجرها ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر ليحصل له أجر قيام الليل كله ويجوز للنساء حضور التراويح في المساجد إذا أمنت الفتنة منهن وبهن لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تمنع إماء الله مساجد الله ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم لكن يجب أن تأتي متسترة متحجبة غير متبرجة ولا متطيبة ولا رافعة صوتا ولا مبدية زينة لقوله تعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها أي لكن ما ظهر منها فلا يمكن إخفاؤه وهي الجلباب والعباءة ونحوهما ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء بالخروج إلى الصلاة يوم العيد قالت أم عطية يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب قال لتلبسها أختها من جلبابها متفق عليه والسنة للنساء أن يتأخرن عن الرجال ويبعدن عنهم ويبدأن بالصف المؤخر بالمؤخر عكس الرجال لقول النبي صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه مسلم وينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام ولا يتأخرن إلا لعذر لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيرا قبل أن يقوم قالت نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال رواه البخاري اللهم وفقنا لما وفقت القوم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين