13 - المجلس الثاني عشر - قراءة كتاب مجالس شهر رمضان - للشيخ محمد بن صالح العثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
مجالس شهر رمضان لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى المجلس الثاني عشر في النوع الثاني من تلاوة القرآن الحمد لله معطي الجزيل لمن أطاعه ورجاه وشديد العقاب لمن
أعرض عن ذكره وعصاه اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه أنزل القرآن رحمة للعالمين ومنارا للسالكين فمن تمسك به نال مناه ومن تعدى حدوده وأضاع حقوقه خسر
دينه ودنياه أحمده على ما تفضل به من الإحسان وأعطاه وأشكره على نعمه الدينية والدنيوية وما أجدر الشاكر بالمزيد وأولاه أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له والكامل في صفاته أشهد أن
محمد عبده ورسوله الذي اختاره على البشر واصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأصحابه والتابعين لهم بإحسان من شق الصبح وأشرق ضياه وسلم تسليما سبق في المجلس الخامس أن تلاوة القرآن
على نوعين تلاوة لفظه وهي قراءته وتقدم الكلام عليها هناك والنوع الثاني تلاوة حكمه بتصديق أخباره واتباع أحكامه فعلا للمأمورات وتركا للمنهيات وهذا النوع هو الغاية الكبرى من إنزال
القرآن كما قال تعالى كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ولهذا درج السلف الصالح رضي الله عنهم على ذلك يتعلمون القرآن ويصدقون به ويطبقون أحكامه تطبيقا
إيجابيا عن عقيدة راسخة ويقين صادق قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى
الله عليه وسلم عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة قال
الله تعالى فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هدايا فلا يضل ولا يشقا ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا
فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى فبين الله في هذه الآيات الكريمة ثواب المتبعين لهداه الذي أوحاه إلى رسله وأعظمه هذا القرآن
العظيم وبين عقاب المعرضين عنه أما ثواب المتبعين له فلا يضلون ولا يشقون ونفي الضلال والشقاء عنهم يتضمن كمال الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة وأما عقاب المعرضين عنه المتكبرين عن
العمل به فهو الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة فإن له معيشة ضنكا فهو في دنياه في هم وقلق نفس ليس له عقيدة صحيحة ولا عمل صالح أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون وهو في قبره
في ضيق وضنك قد ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه وهو في حشره أعمى لا يبصر ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصمع مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا فهم لما عموا في الدنيا عن
رؤية الحق وصموا عن سماعه وأمسكوا عن النطق به وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب جازاهم الله في الآخرة بمثل ما كانوا عليه في الدنيا وأضاعهم
كما أضاعوا شريعته قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى جزاءا وفاقا ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون وفي
صحيح البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى صلاة وفي لفظ صلاة الغدا أقبل علينا بوجهه فقال من رأى منكم الليلة رؤيا قال فإن رأى أحد قصها فيقول
ما شاء الله فسألنا يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا قلنا لا قال لكني رأيت الليلة رجلين أتياني فساق الحديث وفيه فانطلقنا حتى أتينا على مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي
بالصخرة لرأسه فيثلع رأسه فيتدهده الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إلى الرجل حتى يصح رأسه كما كان ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى فقلت سبحان الله ما هذا فقال
لي انطلق فذكر الحديث وفيه أما الرجل الذي أتيت عليه يثلع رأسه بالحجر فهو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم
خطب الناس في حجة الوداع فقال إن الشيطان قد يأس أن يعبد في أرضكم ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم فاحذروا إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله
وسنة نبيه رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل القرآن يوم القيامة رجلا فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيمثل له
خصما فيقول يا رب حملته إياي فبئس الحامل تعدى حدودي وضيع فرائضي وركب معصيتي وترك طاعتي فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال شأنك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على من خره في النار
حاشية حاشية ضعيف ونقل عن الحافظ ابن حجر تحسينه فإن ثبت أنه حسن فالممثل قراءة القارئ أو جزاؤها وهما مخلوقان أو يقال إن التمثيل يقتضي أن الممثل به غير الممثل فلا يستلزم أن يخلق
القرآن انتهت الحاشية وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال القرآن حجة لك أو عليك وقال ابن مسعود رضي الله عنه القرآن شافع مشفع فمن جعله
أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار فيا من كان القرآن خصمة كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة ويل لمن شفعاؤه خصماؤه يوم تربح البضاعة عباد الله هذا كتاب الله يتلى بين
أيديكم ويسمع وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدى ومع هذا فلا أذن تسمع ولا عين تدمع ولا قلب يخشع ولا امتثال للقرآن فيرجى به أن يشفع قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع
وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة لا الشاب منا ينتهي عن
الصبوة ولا الشيخ ينتهي عن القبيح فيلحق بأهل الصفوة أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة وإذا تليت عليهم آياتهم وجلت قلوبهم وجلتها جلوة أولئك قوم أنعم الله عليهم فعرفوا
حقه فاختاروا الصفوة قال ابن مسعول رضي الله عنه ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون وبنهاره إذا الناس يفطرون وببكائه إذا الناس يضحكون وبورعه إذا الناس يخلطون وبصمته
إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون يا نفس فاز الصالحون بالتقاء وأبصر الحق وقلبي قد عمي يا حسنهم والليل قد أجنهم ونورهم يفوق نور الأنجمي ترنموا
بالذكر في ليلهم فعيشهم قد طاب بالترنمي قلوبهم للذكر قد تفرغت دموعهم كلؤلؤ منتظمي أسحارهم بنورهم قد أشرقت وخلع الغفران خير القسمي قد حفظوا صيامهم من لغوهم وخشعوا في الليل في ذكرهمي
ويحك يا نفس ألا تيقضي للنثع قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في توان وهوى فاستدركي ما قد بقي واغتنمي إخواني احفظوا القرآن قبل فوات الإمكان وحافظوا على حدوده من التفريط والعصيان واعلموا
أنه شاهد لكم أو عليكم عند الملك الديان ليس من شكر نعمة الله بإنزاله أن نتخذه وراءنا ظهريا وليس من تعظيم حرمات الله أن تتخذ أحكامه سخرية ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت
مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا وقال الرسول يا رب إن قوم اتخذوا هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي
عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا اللهم ارزقنا تلاوة كتابك حق التلاوة واجعلنا ممن نال به الفلاح والسعادة اللهم ارزقنا إقامة لفظه ومعناه وحفظ حدوده ورعاية حرمته اللهم اجعلنا
من الراسخين في العلم المؤمنين بمحكمه ومتشابهه تصديقا بأخباره وتنفيذا لأحكامه واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه أجمعين