تفسير سورة الكوثر

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على ما تيسر على سورة الكافرون وهي بل على سورة إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِ أَنْكَهُ الْأَبْتَرِ هذه السورة قيل إنها مكية وقيل إنها مدنية والمكي هو الذي نزل قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سواء نزل في مكة أو في مدينة أو في الطريق في السفر يعني كل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وما نزل قبلها فهو مكي هذا القول الراجح من أقوال العلماء يقول الله عز وجل مخاطباً للنبي صلى الله عليه وسلم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرِ والكوثر في اللغة العربية هو الخير الكثير وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة فمن ذلك النهر العظيم الذي في الجنة والذي يصب منه ميزابان على حوضه المورود صلى الله عليه وسلم ماء هو أشد بيضاً من اللبن وأحلى مذاقاً من العسل وأطيب رائحة من المسك وهذا الحوض في عرصات القيامة يرد المؤمنون من أمة النبي صلى الله عليه وسلم وآنيتهم كنجوم السماء كثرةً وحسناً ومن كان وارد على شريعته في الدنيا كان وارد على حوضه في الآخرة ومن لم يكن وارد على شريعته فإنه محروم منه في الآخرة نسأل الله أن يُولِدنا وإياكم حوضه ويسقينا منه ومن الخيرات الكثيرة التي أُعطيها صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أُعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبله نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركت الصلاة فليصلي ووطيت الشفاعة ووحلت إلى المغانم وكان النبي وبعثه إلى قومه خاصة وبعثه إلى الناس عامة هذا من الخير الكثير لأنه بعده إلى الناس عامة يستلزم أن يكون أكثر الأنبياء أتباعاً وهو كذلك فهو أكثرهم أتباعاً عليه الصلاة والسلام ومن المعلوم أن الدال على الخير كفاعل الخير والذي دال لهذه الأمة العظيمة التي فاقت الأمم كثرة هو محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فيكون للرسول عليه الصلاة والسلام من أجل كل واحد من أمته نصيب من الأجل ومن يحسن أمة إلا الله عز وجل ومن الخير الذي يعطيه في الآخرة المقام المحمود ومنه الشفاعة العظمى فإن الناس في يوم القيامة يلحقهم من الكرب والغم ما لا يطيقون فيطلبون الشفاعة فيأتون إلى آدم ثم نوع ثم إبراهيم ثم موسى ثم إيسا حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقوم ويشفع ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته وهذا مقام يحمده عليه الأولون والآخرون داخل في قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا إذن الكوثر يعني إيش الخير الكثير ومنه النهر الذي في الجنة فالنهر الذي في الجنة هو الكوثر لا شك ويسمى كوثر لكنه ليس هو فقط الذي أعطاه الله نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخير ولما ذكر منته عليه في هذا الخير الكثير قال فصل لربك ونح شكرا لله على هذه النعمة العظيمة أن تصلي وتنحر لله والمراجب الصلاة هنا جميع الصلاوات وأول ما يدخل فيها الصلاة المقرونة بالنحر وهي صلاة عيد الأضحار لكن الآية الشام العام صل لربك الصلاوات المفروضة والنوافل صلاوات العيد والجمعة وانحر وانحر أي تقرب إليه بالنحر والنحر يختص بالعبل والذبع للبقر والغنو لكنه ذكر النحر لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين ولهذا أهداها النبي صلى الله عليه وسلم في حجه أهدا مئة بعيد ونحر منها ثلاثة وستين بيده وأعطى عليها من أبي طالب رضي الله عنه الباقية فنحر وتصدق بجميع أجزائها إلا بضعة واحدة من كل ناقة فأخذها وجعلت بقدر فطبخها فأكل من لحمها وشرب من مرقها وأمر بالصدق حتى بجلالها وجلودها عليه الصلاة والسلام والأمر له أمر له والأمة فعلينا أن نخرص الصلاة لله وأن نخرص النحر لله كما أمر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم ثم قال إن شانئك هو الأبتر هذا في مقابل إعطاء الكوثر قال إن شانئك هو الأبتر شانئك أي مبغضك والشنآن البغض ومنه قوله تعالى ولا أجل منكم شنآن قوم أن صدوكم على المسجد الحرام أن تعتدوا أي لا يحمل لنكم بغضهم أن تعتدوا ولا أجل منكم شنآن القوم على أن لا تعدلوا أي لا يحمل لنكم بغضهم على ترك العدل اعدلوه وأقلبوا التقوى فشانئك في قوله إن شانئك يعني مبغضك هو الأبتر الأبتر اسم تفضيل من بتر بمعنى قطع يعني هو الأقطع المنقطع من كل خير وذلك أن كفار قريش يقولون محمد أبتر لا خير فيه ولا بركة فيه ولا في اتباعه أبتر لما مات ابنه القاسم رضي الله عنه قالوا محمد أبتر لا يولد له ولو ولد له فهو مقطوع النس فبين الله عز وجل أن الأبتر هو مبغض الرسول عليه الصلاة والسلام فهو الأبتر المقطوع عن كل خير الذي ليس فيه بركة وحياته ندامة عليه وإذا كان هذا في مبغضه فهو أيضا في مبغض شرعه فمن أبغض شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام أو أبغض شعيرة من شعاع الإسلام أو أبغض أي ضاعة من ما يتعبد به الناس في دين الإسلام فإنه كافر كافر خارج عن الدين بقول الله تعالى ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ولا حبط للعمل إلا بالكفر فمن كره فرض الصلوات فهو كافر ولو صلى ومن كره فرض الزكاة فهو كافر ولو صلى لكن من استقلها مع عدم الكراها فهذا فيه خسرة من خسرة النفاق لكنه لا يكفر وفرق بين من استقل الشيء ومن كره الشيء إذن هذه الآية تضمنت بيان نهمة الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعطاه الخير الكثير ثم الأمر بالإخلاص لله عز وجل في الصلوات والنحر وكذلك في سائل العبادات ثم بيان أن من أبغض الرسول عليه الصلاة والسلام أو أبغض شيئا من شريعته فإنه هو الأقطع الذي لا خير فيه ولا بركة فيه