تفسير سورة القارعة
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
نبتدئ هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جزء النبأ حيث انتهينا إلى سورة القارعة يقول الله تبارك وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم القارعة ما القارعة إلى آخر البسملة آية من كتاب الله
يؤتابها في ابتداء كل سورة ولا تحسب من آيات السورة لا في الفاتحة ولا في غيرها على القول الراجح من أقوال العلماء فأول آية الفاتحة هي قوله تعالى الحمد لله رب العالمين والثانية الرحمن
الرحيم والثالثة مالك يوم الدين والرابعة إياك نعبد وإياك نستعين والخامسة إهدنا الصراط المستقيم والسادسة الصراط الذين أنعمت عليهم والسابعة غير المغضوب عليهم من الضالي إلا أنه لم
يؤتبها في أول سورة براءة نظرا لأن ذلك لم يثبت عند الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم فأشكل عليهم الأمر هل هي بقية سورة الأنفال أم هي سورة مستقلة فلهذا
وضعوا فاصلا دون البسملة يقول الله تعالى هنا القارعة ما القارعة القارعة اسم فاعل من قرعة والمراد التي تقرع القلوب وتفزعها وذلك عند النفخ في الصور كما قال تعالى ويوم النفخ في الصور
ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله فهي تقرع القلوب بعد قرع الأسماء وهذه القارعة هي قارعة عظيمة لا نظير لها قبل ذلك وهي من أسماء يوم القيامة كما تسمى الغاشية والحاقة
وقوله ما أدراك ما القارعة القارعة ما القارعة ما هنا استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم يعني ما هي القارعة التي ينوه عنها وما أدراك ما القارعة هذا زيادة بالتفخيم والتعظيم والتهويل يعني
أي شيء أعلمك عن هذه القارعة أي ما أعظمها وما أشدها ثم بيّن متى تكون فقال أجل وعلا يوم يكون الناس كالفراش المبثوث أي أنها تكون في ذلك الوقت يوم يكون الناس كالفراش المبثوث إن يخرجون
من قهورهم قال العلماء يكونون كالفراش المبثوث والفراش كما تعرفون هو هذه الطيور الصغيرة التي تتزاحم عند وجود النار في الليل وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى وتتراكم وربما لطيشها تقع في
النار وهي لا تدري فهم يشبهون الفراش في ضعفه وحيرته وتراكمه وسيره إلى غيء هدى والمبثوث يعني المنتشر فهو كقوله تعالى يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر لو تصورت هذا المشهد يخرج الناس
من قبورهم على هذا الوجه لا تصورتها أمرا عظيما لا نظير له هؤلاء العالم من آدم إلى أن تقوم الساعة كلهم يخرجون خروج رجل واحد في آن واحد من هذه القبور المباثرة في مشارق الأرض ومغاربها
ومن غير القبور كالذي ألقيه في لجة البحر وأكلته السباء الحيتان أو في فلوات الأرض وأكلته السباء أو ما أشبه ذلك كلهم سيخرجون في مرة واحدة يصلون ويجنون في هذه الأرض أما الجبال وهي تلك
الجبال العظيمة الراسية الصلبة فتكون كالعهن المنفوش العهن الصوف والمنفوش المباثر أو إن العهن هو القط القط والمعنى واحد المهم أنها تكون بعد أن كانت صلبة قوية راسخة تكون مثل العهن
المنفوش الصوف والقط والمنفوش كما قلنا المباثر سواء أن فشته بيدك أو بالمنداف فإنه يكون خفيفا يتطاير مع أذنره وقد قال الله تعالى في آتنا أخرى إن الجبال تكون هباء منثورة وقال جل وعلا
هنا وتكون الجبال كالعهن منفوش فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة الراضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ما هي هنار حامية قسم الله تعالى الناس إلى قسمين القسم الأول من ثقلت
موازينه وهو الذي رجحت حسناته على سيئاته والثاني من خفت موازينه وهو الذي رجحت سيئاته على حسناته أو الذي ليس له حسنات أصلا كالكافر يقول تعالى من فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة
الراضية العيشة مأخوذة من العيش وهو الحياة وقالوا عاش الرجل زمنا طويلا أي بقية وحية زمنا طويلا والعيشة هنا على وزن فعلة فهي هيئة وليست مصدرا المصدر الدال على الوحدة هنتقل عيشة وأما
إذا قلت عيشة فهي فعلة تدل على الهيئة كما قال المالك رحمه الله وفعلة لمرة كجلسة وفعلة لهيئة كجلسة المعنى أنه في حياة طيبة حياة طيبة راضية وراضية قيل إنها اسم فاعل بمعنى اسم المفهول
أي مرضية وقيل إنها اسم فاعل من باب النسبة أي ذات رضا وكل المعنى إن واحد المعنى أنها عيشة طيبة ليس فيها نكد وليس فيها صخب وليس فيها نصب كاملة من كل وجه وهذا يعني العيشة في الجنة
جعلنا الله وإياكم منهم هذا العيش لا يمسه فيها نصب وما هم من هم مخرجين لا يحزنون ولا يخافون فيه أنعم يعيش وأطيب بال وأسر رحال فهي عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ومن خفت
موازينه إما إنه الكافر الذي ليس له أي حسنة لأن حسنات الكافر يجازى بها في الدنيا في الدنيا ولا تنفعه في الآخرة أو إنه مسلم لكنه مسرف على نفسه وسيئاته أكثر فأمه هاوية أم هنا بمعنى
مقصود أي الذي يقصده الهاوية والهاوية من أسماء النار يعني أنه ما آله إلى نار جهنم والعياد بالله وقيل إن المراد بالأم هنا أم الدماء والمعنى أنه يلقى في النار على أم رأسه صلى الله
عليه وسلم وإذا كانت الآية تحتمل معنى لا يترجح أحدهم على الآخر فإنه ولا يتنافيان فإنه يؤخذ بالمعنين جميعا فيقال يرمى في النار على أم رأسه وأيضا ليس له مأوى ولا مقصد إلا النار وما
أدراك ما هي هذا من باب التفخيم والتعظيم لهذه الهاوية والعياذ بالله يسأل ما هي أتذي ما هي إنها لشي عظيم إنها نار حامية في غاية ما يكون من الحمو وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام
إنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءا إذا تأملت نار الدنيا كلها سواء النار الحطب أو الورق أو البتغاز أو أشد من ذلك فإن نار جهنم مفضلة عليها بتسعة وستين جزءا نسي الله العافية في
هذه الآية التخويف والتحذير من هذا اليوم وأن الناس لا يخرجون عن حالين إما رجل رجحت حسناته أو رجل رجحت سيئاته وفيها أيضا دليل على أن يوم القيامة فيه موازين وقد جاء في بعض النصوص أنه
ميزان فهل هو واحد أو متعدل؟
قال بعض أهل العلم إنه واحد وإنما جمع باعتبار الموزون لأنه يوزن فيه الحسنات والسيئات وتوزن فيه حسنات فلان وفلان وتوزن فيه حسنات الأمة هذه والأمة الأخرى فهو مجموع باعتبار الموزون لا
باعتبار الميزان وإلا فالميزان واحد وقال بعض أهل العلم إنها موازين متعدلة لكل أمة الميزان ولكل عمل الميزان فلهذا جمعت والأظهر والله أعلم أنه ميزان واحد لكنه جمع باعتبار الموزون على
حسب الإعمال أو على حسب الأمم أو على حسب الأفراد وفي هذه الآية فليل على أن الإنسان إذا تساوت حسناته وسيئاته فإنه قد سكت عنه في هذه الآية ولكن بيّن الله تعالى في صورة الأعراف أنهم لا
يدخلون النار وإنما يحبسون في مكان يقال له الأعراف وذكر الله تعالى في صورة الأعراف ما يجري بينهم وبين المؤمنين وأنهم إذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحابنا قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم
الظالمين نسأل الله تعالى أن يجعله إياكم ممن رجحت حسناته على سيئاته وأن يغفر لنا ولكم ويعاملنا بعفوهنه على كل شيء قدير