تفسير سورة البينة
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه بعدها نتكلم يسيرا على سورة البيّنة لأننا انتهينا إليها فيقول الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن
الذين كفروا من أهل الكتاب والكلام على البسملة قد تقدم كثيرا لنا في هذا المجلس وغيره وبينا أن البسملة آية مكتاب الله تكلم الله بها كما تكلم بالقرآن جل وعلا ولكنها آية مستقلة لا تعد
من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها بل هي مستقلة تبدأ بها السور من الفاتحة إلى قول أعوذ برب الناس ما عدا سورة براءة فإنها لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه افتتح سورة براءة بالبسملة ولهذا أغفلها الصحابة رضي الله عنهم لكن احتياطا وخوفا من أن تكون سورة مستقلة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلة يقول الله عز وجل لم يكن الذين كفروا من
أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة يعني ما كان الكفار من أهل الكتاب والمشركين منفكين أي تاركين لماهم عليه من الكفر حتى تأتيهم البينة وأهل الكتاب هم اليهود والنصار سموا
بذلك لأن صحفان بقيت إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير ولكن هم أهل الكتاب إذا سمعتم في القرآن أهل الكتاب فالمراد بهم من؟
اليهود والنصار اليهود لهم التوراة والنصار لهم الإنجيل أما المشركون فهم عبد العثام من كل جنس من بني إسرائيل ومن غيرهم يقول لم يكن هؤلاء منفكين أي تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر
ومنفكين عنه حتى تأتيهم بيّنة فما هي البيّنة؟
البيّنة ما يبين به الحق في كل شيء كل شيء يبين به الحق فإنه يسمى بيّنة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام البيّنة على المدّعي واليمين على مكر فكل ما بان به الحق فهو بيّنة ويكون في
كل شيء بحسب فما هي البيّنة التي ذاكرها الله هنا؟
البيّنة قال رسول من الله يتلو صحفا مضهرة فيها كتب قيمة وهذا الرسول هو النبي صلى الله عليه وسلم محمد رسول الله محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي صلوات الله وسلامه عليه وجاء بصيعة
النكرة رسول تعظيما له لأنه عليه الصلاة والسلام جديد بأن يعظم التعظيم اللائق به من غير نقص ولا غلوب رسول من الله يعني أن الله أرسله إلى العالمين أشيرا ونذيرا قال الله تبارك وتعالى
وأرسلناك للناس رسولا وقال تبارك الذي نزل الفقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا فهو محمد عليه الصلاة والسلام مرسل من عند الله بواسطة جبرين عليه الصلاة والسلام لأن جبرين هو رسول رب
العالمين إلى رسله موكل بالوحي ينزل به على من شاء الله من عباده إذن من المرض بالرسول للأخ أي من المرض به محمد طيب من أرسله الله لقوله رسول من الله يتلو صحفا مطهرة من هو الواسطة بين
الرسول وبين الله جبرين لأن جبرين موكل بالوحي ينزل به على من يشاء من عباده من عباد الله يتلو صحفا مطهرة يعني يقرأ لنفسه وللناس صحفا جمع صحيفة وهي الورقة أو اللوحة ما أشكه ذلك مما
يكتب به مطهرة أي منقات من الشرك ومن رضائل الأخلاق ومن كل ما يسوق لأنها نزيهة مقدسة فيها أي في هذه الصحف كتب قيمة تعالين كتب أي مكتوبات قيمة فكتب جمع كتاب بمعنى مكتوب والمعنى أن في
هذه الصحف مكتوبات قيمة كتب الله عز وجل ومن المعلومة أن الإنسان إذا تصفح القرآن وجده كذلك أي وجد أنه يتضمن كتبا أي مكتوبات قيمة انظر إلى ما جاء في القرآن من توحيد الله عز وجل
والثناء عليه وحمده وتسبيحه تجده مملوءا بذلك انظر إلى ما في القرآن من وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصف أصحابه المهاجرين والعنصار ووصف التابعين لهم بإحسان انظر إلى ما جاء
في القرآن من الأمن بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأصلاق الفاضلة تجد أن كل ما جاء به القرآن فهو قيم أي قيم بنفسه وكذلك هو مقيم لغيره فيها كتب قيمة إذن أخبر الله في هذه
الآية أنه لا يمكن أن ينفك هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تعطيهم مبينة فلما جاءتهم مبينة هل انفكوا عن دينهم يعني عن كفرهم وشركهم استمع الجواب قال وما تفرق الذين أوثوا
الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم مبينة يعني لما جاءت البينة هل آمنوا لا ولكنهم اختلفوا منهم من آمن ومنهم من كفر فمن النصارى من آمن مثل النجاش ملك الحبشة ومن اليهود من آمن أيضا مثل عبد
الله بن سلام رضي الله عنه فمنهم من آمن ومنهم من كفر فمن علم الله منه أنه يريد الخير ويريد الدين لله آمن وفق للإيمان ومن لم يكن كذلك وفق لكم كذلك هذا من المشركين من آمن وما أكثر
المشركين من قريش الذين آمنوا فصار الناس قبل بيعتة الرسول عليه الصلاة والسلام رسول عليه الصلاة والسلام لن يزالوا علمهم عليه تقدم ما مع الأخوان لم يزالوا علمهم عليه من الكفر حتى
جاءتهم مبينة ثم لما جاءتهم مبينة إيش اللي حصل تفرقوا واختلفوا كما قال تعالى وَلَا تَقُنُكَ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَقُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبِيِّنَاتِ وأولئك لهم
عذاب عظيم وسيت إن شاء الله بقية الكلام على هذه السورة وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد فهذا هو اللقاء السابع والثمانون من اللقاءات التي يعبر عنها بلقاء
مفتوح يتم هذا اللقاء في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر شوال آم خمسة عشر واربعمائة وألف نبتدع هذا اللقاء بإكمال تفسير سورة البيّنة وقد انتهينا فيه في اللقاء السابع إلى قول الله
تبارك وتعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْتِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمْ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ بيّن الله تعالى هنا في هذه
الآية بياناً مؤكداً بإِنَّ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْتِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمْ التي تسمى جهنم وسميت جهنم لبعد قعرها وسوادها فهو مأخوذ من الجهمة وقيل
إنه اسم عجبي عربته العرب وأيا كان فإنه أعني لفظ جهنم اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها وقولوا إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين من هنا بيان للإبهام أعني إبهام الاسم
الموصول في قوله إن الذين كفروا وعلى هذا فيقتضي أن أهل الكتاب كفار وهم اليهود والنصار وكذلك الأمر فإن اليهود والنصار كفار حين لم يؤمنوا برسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وإن قالوا إنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويدعون لموتاهم بالرحمة وما أشبه ذلك من العبارات التي يتزلفون بها فإنهم كاذبون إذ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر لآمنوا بمحمد صلى الله
عليه وعلى آله وسلم بل لآمنوا برسله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وجد وصفه في التوراة والإنجيل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي
يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث بل إن عيسى صلى الله عليه وسلم قالوا بن إسرائيل يا بني إسرائيل إني
رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاء هذا الرسول الذي بشر به عيسى بالبينات قالوا هذا سحر مبين وكذبوه ولم يتبعوه إلا نفراً
قليلاً من اليهود والنصارى فقد آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه أولئك هم شر البرية شر البرية أي شر الخليقة لأن البرية هي الخليقة وعلى هذا فيكون كفار من من آدم من اليهود
والنصارى والمشركين شر البرية شر الخلائق وقد بيّن الله ذلك تماماً في قوله إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون وقال تعالى إن شر الدواب عند الله السم البؤم الذين لا يعقلون
ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم أعرضوا فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شر البرية عند الله عز وجل وإذا كانوا هم شر البرية فلن نتوقع منهم إلا كل
شر لأن الشرير ينبثق منه الشر ولا يمكن أبداً أن نحسن الظن بهم قد نتقوا بالصادقين منهم كما وثق النبي صلى الله عليه وسلم بالمشرك حين استأجره ليدله على طريق الهجرة لكن غالبهم وجهورهم
لا يثق منهم لأنهم شر ولما ذكر الله حكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حكم المؤمنين فقال إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية والقرآن الكريم مثاني تثنى
فيه المعاني فيؤتى بالمعنى وما يقابله ويؤتى بأصحاب النار وأصحاب الجنة ويؤتى بآيات الترهيب وآيات الترهيب وهل مجراً لأجل أن يكون الإنسان سائراً إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء ولأن
لا يمل فإن تنويع الأساريب وتنويع المواضيع لا شك أنه يعطي النفس قوة واندفاعاً بخلاف ما لو كان الكلام على وتعة واحدة فإن الإنسان قد يمل ولا تتحرك نفسه إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
أولئك هم خير البرية فخير خلق الله عز وجل هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم على طبقات أربع بينها الله في قوله ومن يطع الله والرسول فأولئكما الذين أنعم الله عليهم من النبيين
والصدقين والشهداء والصالح هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين أعلىها طبقة النبوة وأعلى طبقات النبوة طبقة الرسالة ثم بعد ذلك بعد النبوة الصدقية وعلى رأس الصدقين أبو بكر رضي الله
عنه والشهداء قيل إنهم أولو العلم وقيل إنهم الذين قتلوا في سبيل الله والآية تحتمل المعنين جميعا بدون مناقضة والذي ينبغي لمفسر القرآن أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين بدون مناقضة أن
يحملها على المعنيين جميعا فالشهداء هم أولو العلم وهم الذين قتلوا في سبيل الله وكلهم مرتبتهم عالية فوق سائر المتبعين للرسل إلا الصدقين قال تعالى والصالحين وهم عدن الطبقات فالذين
آمنوا وعملوا صلاحات على احتلاف طبقاتهم هم خير البريجة أي خير ما خلق الله عز وجل من البراية ثم بيَّن جزاؤهم فقال جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها النهار وهنا قدَّم الله الثناء
على المؤمنين الذين عملوا الصالحات على ذكر جزائهم لأن ثناء الله عليهم أعظم مرتبة وأعلى منقبه فلذلك قدَّمه على الجزاء الذي هو جزاؤهم في يوم القيامة جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من
تحتها النهار جنات جمعها لاختلاف أنواعها لأن النبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم قال إن الجنات جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وإلى هذا يشير قول
الله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان ثم ذكر أوصاف هذه جنتين ثم ذكر أوصاف هاتين جنتين ثم قال ومن دونهما جنتان فلهم جنات والجنات التي ذكرها الله تعالى جزاء للمؤمنين العاملين الصالحات
هي عبارة عن منازل عظيمة عدها الله عز وجل للمؤمنين المتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ولا يمكن للإنسان في هذه الدنيا أن يتصور كيف نعيم الآخر أبداً لأنه أعلى
وأجل مما نتصور قال ابن عباس صدي الله عنه ما ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء لكنها تختلف الحقائق اختلافاً عظيماً قال عز وجل جنات عدن العدن بمعنى الإقامة في المكان وعدم النزوح
عنه ومن تمام نعيم أهل جنة أن كل واحد منهم لا يطلب تحولاً عما هو عليه من النعيم لأنه لا يرى أن أحداً أكمل منه ولا يحس في قلبه أنه في غضارة بالنسبة لمن هو أرقى منه وأكمل قال الله
تبارك وتعالى لا يبغون عنها حولاً أي لا يبغون تحولاً عماهم عليه لأن الله تعالى قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحداً أكمل نعيماً منهم ولهذا سمى الله تعالى هذه الجنات جنات عدن أسأل
الله أن يجعلني وإياكم من أهلها تجري من تحتها الأنهار من تحتها قال العلماء من تحت قصورها وأشجارها وإلا فهو على سطحها وليس أسفل إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار والأنهار التي ذكر
الله عز وجل هنا مجملة فصلها في صورة محمد فقال مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسل وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمل اللذة للشارفين وأنهار من عسل مصفة هذه
الأنهار وقد جاء في الآثار من وصف هذه الأنهار أنها تجري بغير أخدود وبغير خنادق بمعنى أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجه حيث وجهه الإنسان ولا يحتاج إلى شق خنادق ولا إلى بناء أخدود
تمنع سيلان الميامين وشمال وفي هذا يقول رقيم رحمه الله في الكتاب النونية أنهارها من غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان خالدين فيها أبدا أي ماكثين فيها أبدا لا يموتون ولا يمرضون
ولا يبأسون ولا ينمون ولا يحزنون ولا يمسون فيها نصب فهم في أكمل النعيم دائما دائما وأبدا أبدا الأبدين اللهم جنمهم رضي الله عنهم ورضوا عنهم وهذا أكمل نعيم أن الله تعالى يرضى عنهم
فيحل عليهم جذوانه فلا يسخط بعده أبدا بل وينظرون إلى الله تبارك وتعالى بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشكون في ذلك ولا يمترون في ذلك ولا يتضامون في ذلك أي لا ينضم بعضهم إلى
بعض اللي يريه الآخر بل كل إنسان يراه في مكانه حسب ما أراد الله عز وجل ثم قال عز وجل ذلك لمن خشي ربه أي ذلك الجزاء لمن خشي الله عز وجل والخشية هي خوف الله عز وجل المقروم بالهيبة
والتعظيم ولا يسدر ذلك إلا من عالم بالله كما قال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عز وجل وبهذا تمت هذه السورة العظيمة وتم ما تيسر لنا من الكلام على تفسيرها ونسأل الله
أن يجعلنا جميعا ممن يتنون كتاب الله حق تلاوته إنه على كل شيء قدير