تفسير سورة القدر
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
الحمد لله والشكر لله على نعمه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإسان إلى يوم الدين أما بعد فهذا هو اللقاء
الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل خميس وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربعمائة وألف نبتدئه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين
من كتاب الله عز وجل وقد انتهينا إلى سورة القدر حيث يقول الله تبارك وتعالى إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل ولها في قوله أنزلناه يعود إلى القرآن وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ دون أن يقول
إِنِّي أَنْزَلْتُهُ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا أعظم لا شيء أعظم منه والله تعالى يذكر نفسه أحياناً بصيرة العظمة مثل هذه الآية الكريمة إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ
الْقَدْرِ ومثل قوله تعالى إِنَّا نَحْنَ نَنْزَلْنِ الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ومثل قوله تعالى إِنَّا نَحْنُ نُحْنِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ
وَكُلَّ شَيْنَا حَسَنَهُ فِي مَا مُّبِينَ وأحياناً يذكر نفسه بصيرة الواحد مثل إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة ذلك وذلك لأنه واحد عظيم فباعتبار الصفة يأتي ضمير
العظمة وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد والضمير في قوله أنزلناه أعني ضمير المفعول به وهي الهاء يعود إلى القرآن وإن لم يسبق له ذكر لأن هذا عمر معلوم ولا يمتلي أحد في أن المراد
بذلك إنزال القرآن الكريم أنزله الله تعالى في ليلة القدر فما معنى إنزاله في ليلة القدر الصحيح أن معناها ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر وليلة القدر في رمضان لا شك فيها ودليل ذلك قوله
تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيناتها من الهدى والفرقاء فإذا جمعت هذه الآية أعني شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى هذه الآية التي نحمل بصدد الكلام عليها تبين لك
أن ليلة القدر في رمضان وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له فإن ليلة القدر في رمضان وليلة النصف من شعبان كليلة النصف
من رجب وجمادة وربيع وصفر محرم وغيرهن من الشهور لا تختص بشيء حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بصيام
فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة لكن بعض البلما رحمهم الله يتساهلون في ذكر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن وهذا أمر لا ينبغي وذلك لأنك إذا
سقت الأحاديث الضعيفة بفضل شيء ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيح وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا شيء كبير فالمهم أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان
بشيء دون سائر الشهور فليلة النصف لا تختص بفضل القيام وليلة النصف ليست ليلة القجر ويوم النصف لا يختص بصيام نعم شهر شعبان ثبتت السنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر الصيام
فيه حتى لا يفتر منه إلا قليلا وما سوى ذلك مما يتعلق بصيامه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور كفضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون في الثالث عشر
والرابع عشر والخامس عشر وهي أي يوم البيض وقوله تعالى في ليلة القدر ما معنى القدر هل هو الشرف كما يقال فلان ذو قدر عظيم أو ذو قدر كبير أي ذو شرف كبير أو المراجب القدر التقدير لأنه
يقدر فيها ما يكون في السنة لقول الله تعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر الحكيم أي يفصل ويبين من العلم من قال هذا ومن العلم من قال بهذا والصحيح أنه
شامل للمعنين فليلة القدر لا شك أنها ذات قدر عظيم وشرف كبير وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الإحياء والإماتة والأرزاق وغير ذلك ثم قال جل وعلا وهذه الجملة بهذه الصيغة يستفاد
منها التعظيم والتفخيم وهي مضطردة في القرآن الكريم قال الله تعالى وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين وقال تعالى الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة
فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم فهنا قال وما أدراك ما ليلة القدر أي ما على ما كان ليلة القدر وشأنها وشرفها وعظمها ثم بيّن هذا بقوله ليلة القدر خير من ألف شهر وهذه الجملة كالجواب
للإستفهام الذي سبقها وهو قوله وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر أي من ألف شهر ليس فيه ليلة القدر والمراد بالخيرية هنا ثواب العمل فيها وما يزل الله تعالى فيها من
الخير والبركة على هذه الأمة ثم ذكر ما يحدث في تلك الليلة فقال تنزل الملائكة والروح فيها تنزل أي تنزل شيئاً فشيئاً لأن الملائكة سكان السماوات والسماوات سبع فتنزل الملائكة إلى الأرض
شيئاً فشيئاً حتى تنبع الأرض ونزول الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة والخير والبركة ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيئاً كان ذلك دليل على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من
دخوله قد يخل من الخير والبركة كالمكان الذي فيه الصور فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة يعني صورة محرمة لأن الصورة إذا كانت ممتهنة في فراش أو مخدة فأكثر العلماء على أنها جائزة
وعلى هذا فلا تمنع الملائكة من دخول المكان لأنه لو امتنعت لكان ذلك ممنوعاً فالملائكة تتنزل في لئة القدر بكثرة ونزولهم خير وبركة وقوله بإذن ربهم أي بأمره ونراد به الإذن الكوني لأن
إذن الله أي أمره ينقسم إلى قسمين إذن كوني وإذن شرعي فقوله تعالى شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله أي ما لم يأذن به شرعاً لأنه قد أذن به قدراً فقد شرع من دون الله لكنه ليس بإذن
الله الشرعي وإذن قدري كما في هذه الآية بإذن ربهم أي بأمره القدري وقوله من كل أمر قيل إن من بمعنى الباء أي بكل أمر مما يأمرهم الله به وهو مبهم لا نعلم ما هو لكننا نقول إن تنزل
الملائكة في الأرض عنوان على الخير والرحمة والبركة سلام هي الجملة هنا مكونة من مرتدى وخبر والخبر فيها مقدم والتقدير هي سلام أي هذه الليلة سلام ووصفها الله تعالى بالسلام لكثرة من
يسلم فيها من الآثام وعقوباتها قال النبي صلى الله عليه وعليه وسلم من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومغفرة الذنوب لا شك أنها سلامة من وبائها وعقوباتها هي
حتى مطلع الفجر أي تتنزل الملائكة في هذه الليلة حتى مطلع الفجر أي إلى مطلع الفجر وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر سبق أن كنا أن ليث القدر في رمضان لا شك لكن في أي جزء من رمضان أفي
أوله أو وسطه أو آخره نقول الجواب على هذا إن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم اعتكف العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرياً ليلة القدر ثم قيل له إنها في العشر الأواحر فاعتكف العشر الأواحر
إذا فهي أعني ليلة القدر في العشر الأواحر من رمضان وفي أي ليلة منها الله أعلم قد تكون في ليلة 21 أو في ليلة 30 أو فيما بينهما لم يأتي تحديد لها في ليلة معينة كل عام ولهذا أري النبي
صلى الله عليه وعليه وسلم ليلة القدر ليلة 21 ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين فأمطرت السماء تلك الليلة أي ليلة 21 فصل النبي صلى الله عليه وعليه وسلم في مسجده وكان
مسجده من عريش لا يمنع تسرب الماء من السقف فسجد النبي صلى الله عليه وسلم صباحها أي في صلاة الفجر في الماء والطين ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جباته أثر الماء والطين ففي تلك الليلة
كانت في ليلة 21 ومع ذلك قال التمسوها في العشر الأواخر وفي رواية في الوتر من العشر الأواخر ورأاها الصحابة ذات سنة من السنين في السبع الأواخر فقال صلى الله عليه وسلم أرى رؤيكم قد
تواضأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر يعني في تلك السنة أما في بقية العوامر فهي في كل العشر فليست معينة لكن أرجاها ليلة 27 أرجى ما تكون ليلة 27 وقد تكون
مثلاً في هذا العام ليلة 27 وفي العام الثاني ليلة 21 وفي العام الثالث ليلة 25 وهكذا وإنما أبهمها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين الفائدة الأولى بيان الصادق في طلبها من المتكاسر لأن
الصادق في طلبها لا يهمه أن يتعب عشر ليالي من أجل أن يدركها والمتكاسر قد يكسل يقول مادام لا أدري أي ليلة هي يكسل أن يقوم عشر ليالي من أجل ليلة واحدة الفائدة الثانية كثرة ثواب
المسلمين وكثرة الأعمال لأنه كلما كثر العمل كثر الثواب وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى غلط كثير من الناس في الوقت الحاضر حيث يتحرون ليلة 27 في أداء العمرة فإنك في ليلة 27 تجد المسجد
الحرام قد غصب الناس وكثروا وتخصيص ليلة 27 بالعمرة من البدع لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم لم يخصصها بعمرة في فعله ولم يخصصها أي ليلة 27 بعمرة في قوله فلم يعتم ليلة 27
من رمضان مع أنه كان في عام الفتح ليلة 27 من رمضان كان في مكة ولم يعتمد ولم يقل للأمة تحروا ليلة 27 في العمرة أو بالعمرة لم يقل للأمة تحروا ليلة 27 بالعمرة وإنما أمر أن نتحرى ليلة
27 بالقيام فيها لا بالعمرة تحروا ليلة 27 من رمضان وفيه يتبين يتبين أن الناس ربما يأخذون دينهم كابراً عن كابر على غير أساس من الشر فاحذر أن تعبد الله إلا على بصيرة بدليل من كتاب
الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وعلى الله وسلم أو عمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر نسأل الله تبارك وتعالى أن يبلغنا وإياكم إياها في
هذا العام وفيما بعده على خير وسلام وأن يتقبل مننا ومنكم منه على كل شيء قدير