تفسير سورة الغاشية
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
نبدأ هذا المجلس بتفسير سورة الغاشية يقول الله عز وجل بسم الله الرحمن الرحيم هل أتاك حديث الغاشية والبسملة آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها
بل هعاية مستقلة ولهذا كان القول الراجح أنها ليست من الفاتحة وأن أول فاتحة هي الحمد لله رب العالمين وهل أم مجرة يقول الله تعالى هل أتاك حديث الغاشية الخطاب إما للنبي صلى الله عليه
وعلا وسلم وإما لكل من يصح خطابه وهذا يأتي في القرآن كثيرا يوجه الله الخطاب ويكون للنبي صلى الله عليه وعلا وسلم أو لكل من يتأتى خطابه ويصح خطابه إلا أنه أحيانا يتعين أن يكون للرسول
عليه الصلاة والسلام مثل ألم نشرح لك صدرك هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول عليه الصلاة والسلام يا أيها الرسول بلغ ما أزل عليك من ربك هذا لا يمكن أن يكون إلا للرسول صلى الله عليه وسلم
وأحيانا يترجح العموب مثل يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فهذا أول الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام وآخره إذا طلقتم عاما فقوله أهتاك حديث الغاشية يجوز أن يكون الخطاب موجها للرسول صلى
الله عليه وعلى آله وسلم وحده وأمته تبع له ويجوز أن يكون عاما لكل من يتأتى خطابه والاستفهام هنا للتشويق فهو كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب الألي
ويجوز أن يكون للتعظيم لعظم هذا الحديث عن الغاشية حديث الغاشية أي نبأها والغاشية هي الداهنة العظيمة التي تقش الناس وهي يوم القيامة التي تحدث الله عنها في القرآن كثيرا ووصفها بأوصاف
عظيمة مثل قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارة وماهم بسكارة ولكن عذاب الله شديد ثم
قسم الله سبحانه وتعالى الناس في هذا اليوم إلى قسمي فقال وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصرة خاشعة أي ذليلة كما قال الله تعالى وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي فما أن
خاشعة يعني ذليلة عاملة ناصرة عاملة عملا يكون به النصب والتعب قال العلماء وذلك أنهم يكلفون يوم القيامة بجرب السلاسل والأغلال والخوض في نار جهنم والعياذ بالله كما يخوض الرجل في الوحل
فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة لأنه عمل عذاب وعقاب وليس كما قال بعض الناس إن المراد بها الكفار الذين ضل سعيهم في حياة الدنيا وهم يحسبون أنهم محسنان الصنعة وذلك
لأن الله قيد هذا بقول هجوه يومئذ يومئذ تأتي الغاشية وهذا لا يكون إلا يوم القيامة إذن فهي عاملة ناصبة بما تكلف به من جر السلاسل والأغلال والخوض في نار جهنم أعادنا الله وإياكم منها
تصلى ناراً حامية أي تدخل في نار جهنم والعياذ بالله النار الحامية التي بلغت من حموها أنها فضلت على نار جهنم أنها فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً يعني نار الدنيا كلها بما فيها
من أشد ما يكون الحرارة نار جهنم أشد منها بتسعة وستين جزءاً ويدلك على شدة حرارتها أن هذه الشمس حرارتها تصل إلينا مع بعد ما بيننا وبينها ومع أنها تنفذ من خلال أجواء باردة غاية
البرودة تصل إلى هذه الحرارة التي تددكونها ولسي مكايم الصيف فالنار أعاد الله وإياكم منها نار حامية تسقى من عين آنية ليس لهم طعام إلا من ظري لما بين مكانهم والعياذ بالله وأنهم في نار
جهنم الحامية بين طعامهم وشرابهم فقال تسقى أي هذه الوجوه من عين آنية أي شديدة الحرارة هذا بالنسبة لشرابه ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكل سهولة أو كل ما عطشوا سقوا لا إنما يؤتون كل ما
اشتد أطشهم والعياذ بالله واستغاثوا كما قال تعالى وَإِنْ يَسْتَغِيْثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِ الوجوه بِأْسَ الشراب هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواهد وتساقط لحمها وإذا
دخل في أجوافهم يقول عز وجل وَسُقُوا ماءً حميمًا فَغَطَّعَ أَمْعَاهُمُ إذَا لَا سُفِدُوا مِنْهُ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا بِالْبُرُودَةِ يُبَرِّدُ الوجوه وَلَا
بَاطِنًا بِالْغِيْ وَلَكِنَّهُمُ الْعَاذُ بِاللَّهِ وَيُغَاثُونَ بِهَذَا الْمَاءِ ولهذا قال تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ فإذا قال قائل كيف تكون هذه العين في نار جهنم والعادة أن
الماء يُطفو النار أليس كذلك فالجواب أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا لو أنها قيست بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصور كيف يكون أليس الشمس تدنو يوم القيامة من رؤوس الناس على قدر ميل
والميل إما ميل المكحلة وهو نصف الإصبع أو ميل المسافة خلوث وثلث أو نحو ذلك وحتى لو كان كذلك فإنه لو كانت الآخرة كالدنيا لشوت الناس شيئا لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا أيضا يُحشر الناس
من القيامة في مكان واحد منهم من هو في ظلمة شديدة ومنهم من هو في نور نورهم يسعى بين أديهم وبأيمانهم يُحشرون في مكان واحد ويعرقون منهم من يصل العرق إلى كعبيه ومنهم من يصل إلى ركبتيه
ومنهم من يصل إلى حقويه ومع ذلك هم في مكان واحد إذن أحوال الآخرة لا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا فلو قال قائل كيف يكون الماء في النار قلنا أولا أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا
ثانيا أن الله على كل شيء قدير ها نحن الآن نجد أن الشجر الأخضر توقد منه النار كما قال تعالى الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون الشجر أخضر رطب ومع ذلك إذا ضرب
بعضهم بعض أو ضرب بالزند انقدح خرج منه نار حارة يابسة وهو رطب بارد فالله على كل شيء قدير فهم يسقون من عين آنية في النار ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله عز وجل أما طعامهم فقال ليس لهم
طعام إلا من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوه الضريع قالوا إنه شجر ذو شوك عظيم إذا يبس لا يرعه ولا البهاء وإن كان أخضر رأته العبل ويسمى عندنا الشبرق هذا الضريع هو شجر ذو شوك إذا يبس لا
يرعه لأنه شوك وإذا كان أخضر ترعاه الإبل هم والعادة بالله في نار الجهنم ليس لهم طعام إلا من هذا الضريع ولكن لا تظنوا أن الضريع الذي في نار الجهنم كالضريع الذي في الدنيا يختلف عنه
اختلافا عظيما ولهذا قال لا يسمن فلا ينفع الأبدان في ظاهرها ولا يغني من جوع فلا ينفعها في باطنها فهو لا خير فيه ليس فيه إلا الشوك والتجرع العظيم والمرارة والرائحة المنتنة التي لا
تستفيد منها شيئا ثم ذكر الله عز وجل القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال وَوَجُوهُ يَوْمَئِذِ النَّاعِمَةِ الْأَخْرِهِ وَأَسْأَلِكُرَهُ وأسألت الكرة إن شاء الله في
الجلسة القادمة نسأل الله تعالى أن نعيننا وإياكم من الناء وأن يرزقنا وإياكم دار القرار إنه على كل شيء قدير أما بعده فهذا هو اللقاء لقاء الباب المفتوح الموفي للستين لقاءً من ابتدائه
وهو اللقاء الثاني من شهر المحرم عام خمسة عشر وأربعمائة وألف وهو اليوم السابع من الشهر في هذا اللقاء نتكلم على قول الله تبارك وتعالى وَوَجُوهُ يَوْمَئِذِ النَّاعِمَةٌ على قول الله
تعالى وَوَجُوهُ يَوْمَئِذِ النَّاعِمَةٌ وَجُوهُ يَوْمَئِذِ النَّاعِمَةٌ لِسَايِهَا رَاضِيَةٌ في جنةٍ عالية لا تسمع فيها لاغية إلى آخر قسم الله سبحانه وتعالى الناس يوم القيامة إلى
قسمين القسم الأول وجوه عاملة خاشعة ناصبة وسبق الكلام على ذلك القسم الثاني وجوه ناعمة أي ناعمة بما أعطاه الله عز وجل من السؤور والثواب الجزيل لأنها عالمت ذلك وهي في قبورها فإن
الإنسان في قبله يناعم يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها فهي ناعمة لسائلها راضية أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها وصلت به إلى هذا النعيم وهذا السعوب وهذا الفرح
فهي راضية لسائها بخلاف الوجوه الأولى فإنها غاضبة لعياذ بالله غير راضية على ما قدمت في جنة عالية الجنة هي دار النعيم التي عدها الله عز وجل لأوليائه يوم القيامة فيها ما لا عين رأت
ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال الله تبارك وتعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقال الله تبارك وتعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاة خاشرون
والذين هم للزكاة فاعلون إلى قوله أولئك هم وارثون الذين يارثون الفردوسة هم فيها خالدون وقال الله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلد الأعين وأنتم فيها خالدون فهم في جنة عالية العلو ضد
السفول فهي فوق السماوات السبع ومن المعلوم أنه في يوم القيامة تزول السماوات السبع والأرضون ولا يبقى إلا الجنة والنار فهي عالية وأعلاها ووسطها الفردوس الذي فوقه عرش رب جل وعلا لا
تسمع فيها لاغية أي لا تسمع في هذه الجنة قولة لاغية أو نفسا لاغية بل كل ما فيها جد كل ما فيها سلام كل ما فيها تسبيح تحميد تهليل تكبير يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس أي أنه لا شق
عليهم ولا يتأثرون به فهم دائما في ذكر الله عز وجل وتسبيح وأنس وسرور يأتي بعضهم إلى بعض يزور بعضهم بعضا في حبور الله لا نظر له نسر الله أي جلنا وإياكم من أهلها فيها عين جارية وهذه
العين بين الله عز وجل أنها أنهار فيها أنهار من ماء غير آس وأنهار من لبن لمت غير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفة جارية أي تجري حيث أراد أهلها لا تحتاج إلى حفل
ساقية ولي إقامة أخدود كما قال ابن قيم رحمه الله أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان فيها سرور مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبتوثة أنظر للتقابل فيها سرور
مرفوعة حالية يجلسون عليها يتفكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائق متكوه وأكواب موضوعة الأكواب جمع كوب وهو الكأس ونحو موضوعة يعني ليست مرفوعة عنهم بل هي موضوعة لهم متى شاءوا شربوا
فيها من هذه الأنهار الأربعة التي سبغ ذكرها ونمارق مصفوفة وزرابي مبتوثة النمارق جمعنا مرقة وهي الوسادة أو ما يتكأ عليه مصفوفة على أحسن وجه تلتذ العين بها قبل أن يلتذ البدن بالاتكاء
إليها وزرابي مبتوثة الزرابي أعلى أنواع الفرش مبتوثة منشورة في كل مكان ولا تظن أن هذه النمارق وهذه الأقواب وهذه السرور وهذه الزرابي لا تظن أنها تشبه ما في الدنيا لأنها لو كانت تشبه
ما في الدنيا لكنا نعلم نعيم الآخرة ونعلم حقيقته لكنها لا تشبه بقول الله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة آيون جزاء بما كانوا يعملون إنما الأسمى واحدة والحقائق مختلفة ولهذا قال
ابن عباس صلى الله عليه لهم ليس في الآخرة مما في الدنيا إلا الأسمى فقط فنحن لا نعلم حقيقة هذه النعم المذكورة في الجنة وإن كنا نشاهد ما يوافقها في الأسم في الدنيا لكن فرق بين هذا
وهذا ثم قال تعالى أفلا أنظرون إلى الإبل كيف خلقت وأكون إن شاء الله كلموا عليه في لقاء مقبل والعاقبة من المتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمد عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد فهذا هو المجلس الحادي والستون من المجالس المعبر عنها
بلقاء الباب المفتوح والتي تتم كل خميس من كل أسبوع وهذا هو اليوم الرابع عشر من شهر محرم عام خمسة عشر واربعمائة مؤلف نبدأه كالعادة بما تيسر من تفسير كلام الله عز وجل وقد انتهينا في
الدرس الماضي إلى قول الله تعالى أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت لما قرر الله عز وجل في هذه السورة حديث الغاشية وهي يوم القيامة وبين أن الناس ينقصمون إلى قسمين وجوه خاشعة عاملة ناصبة
لسعيها راضية وبيّن جزاء هؤلاء وهؤلاء قال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وهذا للإستفهام للتوبيخ أي أن الله يوبّخ هؤلاء الذين أنكروا ما أخبر الله به عن يوم القيامة وعن السواب
والإعقاب أنكر عليهم إعراضهم عن النظر في آية الله تعالى التي بين أيديه وبدأ بالإبل لأن أكثر ما يلابس الناس في ذلك الوقت الإبل فهم يركبونها ويحلبونها ويأكلون لحمها وينتفعون من
أوبارها إلى غير ذلك من المناثل فقال أفلا ينظرون إلى الإبل وهي الأباعر كيف خلقت يعني كيف خلق الله عز وجل بهذا الجسم الكبير المتحمل تجد البعير تمشي المسافات الطويلة التي لا برها
الإنسان اللي بشق الأنفس وهي متحملة وتجد البعير أيضا يحمل الأثقال وهو أبارك ثم يقوم في حمله لا يحتاج إلى مساعدة والعادة أن الحيوان لا يكأر يقوم إذا حمل وهو بارك لكن هذه الإبل أعطاه
الله عز وجل قوة وقدرة من أجل ما صحب الإنسان لأن الإنسان لا يمكن أن يحمل عليها وهي قائمة لطولها ولكن الله تعالى يسر له الحمل عليها وهي باركة ثم تقوم بحملها وكما قال الله تعالى في
سورة ياسين ولهم فيها منافع ومشارب أفلا أشكرون ما نفعها كثيرا لا تقصد وأهلها الذين يمارسونها أعلموا منا بذلك فلهذا قال أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ولم يذكر سواها من الحيوان
كالغنم والبقر والذبا وغيرها لأنها كما قلت لكم هي أعم الحيوانات نفعا وأكثرها من مصلحة للعباد وإلى السماء كيف رفعت يعني وينظرون إلى السماء كيف رفعت بما فيها من النجوم والشمس والقمر
وغيرها من الآيات العظيمة التي لم يتبين كثير منها إلا الآن ولا نقول إن هذه الآيات السماوية هي كل الآيات بل لعل هناك آيات كبيرة عظيمة لا ندركها حتى الآن وقول كيف رفعت أي رفعت هذا
الارتفاع العظيم ومع هذا فليس لها عمد مع أن العادة أن السقوف لا تكون إلا على عمد لكن هذا السقف العظيم المحفوظ قام على غير عمد الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها أفلا أنظر وإلى
السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف ننسبت هذه الجبال العظيمة التي تتحمل الصفور والقطع المتجاورات المتبالينات الجبال مكونة من أحجال كثيرة وأنواع كثيرة فيها المعادن المتنوعة وهي متجاورة
ومع ذلك تجد مثلا هذا الخط في وسط الصخر تجده يجتمل على معادن لا توجد فيما قرب منه من هذا الصخر ويعرف هذا أهل الجلوجية كيف نصب الله هذه الجبال العظيمة ونصبها جل وعلا بهذا الارتفاع
لتكون غواسر في الأرض لأن لا تميل بالناس لولا أن الله عز وجل خلق هذه الجبال لمادت الأرض في أهلها لأن الأرض في وسط الماء الماء محيط بها من كل جان وما ظنك بكرة تجعلها في وسط ماء سوف
تتحرك وتضطرب وتدحرج أحياناً وتنقلب أحياناً لكن الله جعل هذه الجبال غواسر تنسك الأرض كما تنسك الأطناب الخيمة وهي راسية ثابتة على ما يحصل من الأرض من الأعاصير العظيمة التي تهدم
البنايات التي بناها الأدميون لكن هذه الجبال لا تتزحزح راسية ولو جاءت الأعاصير العظيمة بل إن من فوائدها أنها تحتبر الأعاصير العظيمة البالغة التي تنطلق من البحار أو من غير البحار لأن
لا تعصف بالناس وهذا شيء مشاهد تجد الذين في سفوح الجبال وتحتها في الأرض تجدهم في مأمن من أعاصير الياحة العظيمة التي تأتي من خلف الجبل فيديها فوائد عظيمة وهي الراسم لو أن الخلق اجتمع
على أن يضع سلسلة مثل هذه السلسلة من الجبال ما استطاعوا إلى هذا السبيل مهما بلع صناعتهم وقوتهم وقدرتهم وطال آمدهم فإنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثل هذه الجبال وقد قال بعض العلماء إن
هذه الجبال راسية في الأرض بمقدار علوها في السماء يعني مثلاً أن الجبل له جرثومة وجذر في داخل الأرض في عمق يساوي ارتفاعه في السماء وليس هذا البعيد أن يمكن الله لهذا الجبل في الأرض
حتى يكون بقدر ما هو في السماء لألا تزازيه الرياح فلهذا يقول عز وجل ألقى في الأرض أن تميد بكم وأنهار وصوبلاً لعلكم تهتدون وعلامات وبنجمهم يهتدون يقول عز وجل وإلى جبالك كيف نصبت وإلى
الأرض كيف سطحت كيف سطح الله هذه الأرض الواسعة واجعلها سطحاً واسعة ليتمكن الناس من العيش فيه بالزراعة والبناء وغير هذا فما ظنكم لو كانت الأرض صبباً غير مسطحة يعني مثل الجبال يرقى
لها ويصعد لكانت شاقة ولمسق الناس عليها لكن الله عز وجل جعلها سطحاً ممهداً للخلق وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الأرض ليست قروية بل سطح ممتد لكن هذا الاستدال فيه نظر لأن
هناك آيات تدل على أن الأرض كروية والواقع شاهد بذلك فيقول الله عز وجل يكور الليلة على النهار ويكور النهار على الليل والتكوير التدوير ومعلوم أن الليلة والنهار يتعاقبان على الأرض فإذا
كان مكوري لازم أن تكون الأرض مكورة وقال الله تبارك وتعالى إذا السماء شقّت وأذنت لربها وحقّت وإذا الأرض مدّت وألقت ما فيها وتخلّت فقال وإلى الأرض مدّت وقد شاء في الحديث أنها يوم
القيامة تمد مدّ الأديم أي مدّ الجلد حتى لا يكون فيها جبال ولا أوجيه ولا أشار ولا بناء يدرها الرب عز وجل قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا عمت فقوله يا سماء شقّت ما تتنشق السماء
كلنا يعرف أنها لا تنشق إلا يوم القيامة وأنها الآن غير مشقّة إذن قوله وإذا الأرض مدّت وألقت ما فيها وتخلّت يعني يوم القيامة فإذن الآن غير مندودة إذن فما هي هي مكوّرة والواقع المحسوس
والواقع المحسوس المتيقّن الآن أنها كرويه لا شوك والدليل على هذا أنك لو سرت بخط مستقيم من هنا من المملكة متجهاً غرباً لأتيت من أحد الشرق ولا تجد شيئاً تدور على الأرض ثم تأتي إلى
النقطة التي انطلقت منها وكذلك بالعكس لو سرت متجهاً نحو المشرق وجدتك راجعاً إلى النقطة التي قمت منها من نحو المغرب إذن فهي الآن أمر لا شك فيه أنها كروية فإذا قال الإنسان إذا كانت
كما زعمت كروية كيف تثبت المياه مياه البحار عليها وهي كروية نقول في الجواب عن ذلك الذي أمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه يمسك البحار أن تفيض على الناس بتغرقه والله على كل شيء
قدير قال بعض أهل العلم وإذا البحار نعم وإذا البحار سجرت أي حبزت ومنعت من أن تفيض على الناس كالشيء الذي يسجر يربط وعلى كل حال القدرة الإلهية لا يمكن لنا أن نعارض فيها نقول قدرة الله
عز وجل أنسكت هذه البحار أن تفيض على أهل الأرض فتغرقه وإن كانت الأرض كروية ثم قال عز وجل لما بيّن من آياته هذه الآيات الأربع العبل والسماء والجبال والأرض قال للنبي صلى الله عليه
وعلى عليه وسلم فذكر أمره الله أن يذكر ولم يخصص أحدا بالتذكير أي لم يقل ذكر فلانا وفلانا فالتذكير عام لأن الرسول صلى الله عليه وعلى عليه وسلم بعث إلى الناس كان ذكر كل أهل في كل حال
وفي كل مكان فذكر النبي عليه الصلاة والسلام وذكر خلفاؤه من بعده الذين خلفوه في أمته في العلم والعمل والدعوة ذكروا ولكن هذه الذكرى هل يمتفع بها كل الناس الجواب لا ذكئ إن الذكرى تنفع
المؤمنين أما غير المؤمن فإن الذكرى تقيم عليه الحجة لكن لا تنفع لا تنفع الذكرى إلا المؤمن ونقول إذا رأيت قلبك لا يتذكر في الذكرى فاتهمه بإيش؟
بعدم الإيمان بعدم الإيمان لأن الله يقول ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين فإذا ذكرت ولم تجد من قلبك تعثرا وانتفاعا فاتهم نفسك واعلم أن فيك نقص إيمان لأنه لو كان إيمانك كاملا لن تفعت
بالذكرى لابد أنت أن تفع المؤمن إنما أنت مذكر يعني أن محمد عليه الصلاة والسلام ليس إلا مذكرا مبلغا وأما الهداف بيد من؟
بيد الله ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وقد قام صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسلم بالذكرى والتركير إلى آخر رمق في حياته حتى إنه في آخر حياته يقول الصلاة الصلاة وما ملك
الإيمان حتى جعل يغرر بها عليه الصلاة والسلام فذكر صلى الله عليه وسلم وليه منذ بعذ وقيل له قم فأنذر إلى أن توفه الله لم يأل جهدا في التركير في كل موقع في كل زمان على ما أصابه من
الأذى من قومه ومن غير قومه والذي قرأ منكم التاريخ السير النبوية يعرف ما جرى لهم من قومه الذين هم أقرب الناس إليه والذين كانوا يعرفونه ويسمونه بالأمين يلقبونه بذلك ويتقون به حتى
حكموه في وضع الحجر الأسود في الكعبة حينما هدموا الكعبة ووصلوا إلى حد الحجر قالوا من ينصب الحجر فتنازعوا بينهم كل قبيلة تقول نحن الذين نتولى وضع الحجر في مكانه حتى جاء النبي صلى
الله عليه وعلى الله وسلم وحكموه فيما بينه وأمر أن يوضع رداء وأن تمسك كل طائفة من هذه القبيلة أن يمسك كل واحد من هذه القبائل بطرف من هذا الرداء حتى يرفعوه فإذا هذا محله أخذه هو بيده
الكريمة ونصبه في مكانه فكانوا يسلمونه الأمين لكن لما أكرمه الله تعالى بالنبوة انقلبت المعايير فصاروا يقول إنه ساحر وكاهن وشاعر ومجنون وكذاب ورموه بكل سب فالرسول عليه الصلاة والسلام
يذكر وليس عليه إلا التركيب ومن هنا نأخذ أننا نحن لا يجب علينا أن نهدي الخط ولا يمكننا أن نهدي الخط أبداً لا يمكن أن نهدي أقرب الناس إلينا إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من
يشاء فلا نجزع إذا ذكرنا إنساناً ووجدناه يعاند أو يخاصم أو يقول ما عليك من أو أنا بعمل ما شئ أو ما أشبه ذلك قال الله تعالى للنبي لعلك باح عن نفسك ألا يكون مؤمنين لا تهلك نفسك إذا لم
يؤمن إيمانهم لهم وأكفهم لس عليك ولهذا قال لس عليهم بمسيطرة يعني لس لك سلطة عليهم ولا سيطرة عليهم لمن السلطة والسيطرة الله رب العالمين أنت عليك البلاء بل عليك أن يعمل الناس بذلك لا
هذا إلى الله عز وجل والسلطان والسيطرة لله إلا من تولى وكفر فمعذبوا الله العذاب الأكبر قال العلماء إلا هنا بمعنى لكن يعني أن الاستثناء في الآية منقطع وليس بمتصر والفرق بين المتصر
والمنقطع أن المتصر يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه والمنقطع يكون أجنبياً منه فمثلاً لو كل إنهم متصر لصار معنا الآية لس عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فأنت عليه مسيطة ولس الأمر
كذلك فللمعنى لكن من تولى وكفر بعد أن ذكرته فيعذبه الله العذاب الأكبر فمن تولى وكفر بعد أن بلغه الوحي النازل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سيعذب إلا من تولى وكفر طيب التولي
يعني الإعراء فلا يتجه الحق ولا يقبل الحق ولا يسمع الحق حتى لو سمعه بأذنه لم يسمعه بقلبه كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا عطيه الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم معرضون ولا
تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون أي لا ينقلون فهنا يقول عز وجل إلا من تولى وكفر لولى أعرى كفر أي استكبر ولم يقبل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فيعذبه الله العذاب
الأكبر يعني يوم القيامة قال الله تعالى وَلَمْ يُذْغَنَّهُ مِنْ عَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ العذاب الأكبر والعذاب الأكبر يوم القيامة وهنا قال الأكبر ولم يذكر المفضل عليه لعني لم يقل
الأكبر من كذا فهو قد بلغ الغاية في الكبر والمشقة والإهانة والعياذ بالله كل من تولى وكفر فإن الله يعذبوه العذاب الأكبر هل هناك عذاب أصغر؟
نقول نعم في عذاب أصغر في الدنيا قد يبتل المتولى المعرض بأمرار في بدنه في عقله في أهله في ماله في مجتمعه وكل هذا بالنسبة لعذاب النار عذاب أصغر لكن العذاب الأكبر إنما يكون يوم
القيامة ولهذا قال بعدها إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ يعني إلينا إيابهم أي مرجعهم فالرجوع إلى الله مهما فر الإنسان فإنه مراجع إلى ربها سوجه لو طارته
إلى الحياة راجع إلى الله ولهذا قال تعالى يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه السعد داخل هذه الملاخات لأنك سوف تلاقي ربك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى الله وسلم ما
منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان مهاشر بدون مترجم يكلمه الله من قيامه فينظر أيمان منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه يعني على اليسار فلا يرى إلا ما قدم وينظر
تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بالشق تمرة كلنا سيخلو به ربه عز وجل يوم القيامة فقرره بذنوبه يقول فعلت كذا في يوم كذا حتى يطرد ويعترف فإذا يقرر واعترف
واعترف قال الله تعالى قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أظهرها لك اليوم وكم من ذنوب سترى الله عز وجل كم من ذنوب اقترفناها لم يعلم بها أحد ولكن الله تعالى علم بها موقفنا من هذه الذنوب
أن نستغفر الله عز وجل أن نكثر من المال الصالحة المكفرة للسيئات حتى نلقى الله عز وجل ونحن على ما يرضيه سبحانه وتعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم محاسبهم قال العلماء وكيفية
الحساب ليس مناقشة يناقش الأسان لأنه لو يناقش هلك لو يناقش فالله عز وجل الحساب هلكت أفرض ناقشك في نعمة من النعم كالبصر لا يمكن أن تجد أي شيء تعمله يقابل نعمة البصر نعمة النفس النفس
الذي يخرج ويدكل بدون أي مشقة وبدون أي عنه الإنسان يتكلم ينام يأكل يشرب ومع ذلك لا يحسب النفس ولا يعرف قدر النفس إلا إذا أصيب فيما يمنع النفس حينئذ يذكره نعمة الله لكن ما دام في
عافية يقولها شيء طبيعي لكن لو أنه أصيب بكتم النفس لعرف قدر النعمة فلو نوقش لها لك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة من نوقش العذاب هلك أو قال عذ من نوقش الحساب هلك أو قال عذ
لكن كيفية الحساب أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به بنفسه ليس عندهما أحد ويقرر بالذنوب فعلت كذا فعلت كذا فعلت كذا حتى إذا أقرر بها قال الله تعالى قد سكرتها عليك في الدنيا وأنا أقول
أهلك اليوم أما الكفار فلا يحاسبون هذا الحساب لأنه ما لهم حسنات تمحو سيئاته لكنها تحصى عليهم أعماله ويقررون بها أمام العالم ويخسون بها وينادي على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على
ربهم ألا لعنة الله على الظالمين نعوذ بالله من الخذلان وبهذا انتهى الكلام على هذه السورة العظيمة وهي إحدى السورتين التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما في المجامع الكبيرة فقد
كان يقرأ في صلاة عيدين سبح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشي وكذلك في صلاة الجمعة ويقرأ أحيانا في العيدين قافوا القرآن المجيد واقتربت الساعة وشق القمر وفي الصورة الجمعة
والمنافقين ينوع مرة هذا ومرة هذا نصر الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من من تكون وجوههم ناعمة لسائها راضية وأن يتولان بعنايته بالدنى والآخرة أنه على كل شيء قدير