تفسير سورة النبأ
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
يبدأوا هذه الجنسة الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونعن الله مشهده في سناء ونسيئات أمالنا من يهده الله فلا مظل له ومن يظلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهداء ودين الحق فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن
تبعهم في أسان إلى يوم الدين ورأيت أن نستفتح جلساتنا بشيء من تفسير القرآن الكريم ولكم ذلك من سورة النبأ لأن هذه السور كثيرًا ما تقرأ في الصلوات المغرب والعشاء فنبدأ أولاً لسورة
النبأ قال الله عز وجل أما يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون يعني أما يتساءل هؤلاء ثم أجاب الله عز وجل هذا السؤال فقال عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون وهذا النبأ هو
ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البينات والهدى ولا سيما ما جاء به من الأخبار عن اللوم الآخر والبعث والجزاء وقد اختلف الناس في هذا النبأ الذي جاء به النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فمنهم من آمن به وصدق ومنهم من كفر به وكذب فبين الله أن هؤلاء الذين كذبوا سيعلمون سيعلمون ما كذبوا به علم اليقين وذلك إذا رأوا يوم القيامة يوم يأتي تأويل يقول له ننسوه من
قبل قد جاءت عصل ربنا بالحق ولهذا قال هنا كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون والجملة الثانية توقيت للأولى من حيث المعنى وإن كانت ليست توقيتاً باعتبار اصطلاح النحويين لأنه فصل بينها وبين
التي قبلها بحرف العطف والتوكيد لا يفصل بينه وبين مؤكده لشيء من الحروف والمراد بالعلم الذي توعدهم الله به هو علم اليقين الذي يشاهدونه على حسب ما أخبروا به ثم بين الله تعالى نعمه على
عباده ليقرر هذه النعم فيلزمهم شكرها فقال ألم نجعل الرهناد والجبال عوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً إلى أخي فالأرض جعلها الله تعالى مهاداً ممهد للخلق ليست بالصلبة التي
لا يستطيعون حرثها ولا نمشي عليها إلا بصعوبة وليست في الليينة الرخوة التي لا ينتفعون بها ولكنها ممهدة لهم على حسب مصالحهم وعلى حسب ما ينتفعون به أما الجبال فجعلها الله تعالى أوتاداً
بمنزلة الوتي للخيمة حيث يثبتها فتثبت به وهو أيض ثابت كما قال تعالى وجعل فيها رواسل من فوقها وبارك فيها وهذه الأوتاد قال علماء الأرض إن هذه الجبال لها جذور راسخة في الأرض كما يرسخ
جذر الوتي للجدار ولذلك تجدها صلبة قوية لا تزازعها الرياح وهذا من تمام قدرته ونعمته وخلقناكم أزواجاً أي أصنافاً ما بين ذكر وأنثى وصغير وكبير وأسود وأحمر وشقي وسعيد إلى غير ذلك مما
يختلفونها سفيد فهم أزواج مختلفون على حسب ما أراده الله عز وجل واقترسوا الحكمة ليعتبر الناس بقدرة الله تعالى وأنه قادر على أن يجعل هذا البشر الذين قلقوا من مادة واحدة ومن أجل واحد
على هذه الأصناف المتنوعة المتباينة وجعلنا نومكم سباتاً القاطعاً للتعب فالنوم يقطع ما سبقه من التعب ويستجد به الإنسان نشاطاً للمستقبل ولذلك تجد الرجل إذا تعب ثم نام استراح وتجدد
نشاطه وهذا من النعمة وهو في نفس الوقت من آيات الله كما قال تعالى ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله وجعلنا الليل لباساً أي جعل الله هذا الليل على الأرض بمنزلة اللباس
كأنه يلبس كأن الأرض تلبسه ويكون جلباباً لها وهذا لا تعرف من المعرفة إلا إذا صعد فوق ظل أو قضل الأرض وقد رأينا ذلك من الآيات العجيبة إذا صعدت في الطائرة وارتفعت وقد قابت الشمس عن
سطح الأرض ثم تبينت لك الشمس بعد أن ترتفع تجد الأرض وكأنما كسيت باللباس أسود لا ترى شيئاً كل سواء ذلك فيتبين بهذا قولهم تعالى وجعلنا الليل لباساً أما النهار فجعله معاشاً يعيش الناس
فيه في طلب الرزق على حسب درجاتهم وعلى حسب أحوالهم وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد والنقص على هذا الجزء من هذه الصورة ونسأل الله تعالى أن ينفع به وأن يجعلنا وإياكم من أهل
القرآن أعلينا هم أهل الله وخاصةه وأن يجعلنا من من قرأ وانتفع إنه جواد كريم وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وقد رأينا أننا نبدأ به تفسير
جزء عمّة وأخذنا أول سورة عمّة في الدرس الماضي إلى قوله تعالى وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ثم قال تعالى وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وهي السماوات السبع وصفها الله تعالى
بالشداد لأنها قوية كما قال تعالى والسماء بنناها بأيد وإنا لمسعون أي بنناها بقوة وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً يعني بذلك الشمس فهي سراج نظيم وهي أيضاً ذات حرارة
عظيمة وخاجة أي وقادة وحرارتها كما تشاهدون في أيام الصيف حرارة شديدة مع بعدها الساحق عن الأرض فما ظنك بما يقرب منها ثم إنها تكون في أيام حر في شدة حرها من فيح جهنم كما قال النبي
عليه الصلاة والسلام إذا اشتد الحر فأبلد بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم وقال عليه الصلاة والسلام اشتفت النار إلى الله فأذن لها لنفسي نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من
الزمهرير يعني من البرد من الزمهرير زمهرير جهنم نعوذ بالله منها وأشد ما تكون ما يكون من الحر من فيح جهنم ومع ذلك فإن فيها مصلحة عظيمة للخلق فيتوفر على الخلق أموال عظيمة في أيام
النهار حيث يستاني الناس بها عن إيقاد العنوار وكذلك الطاقة التي تستخرج منها تكون فيها فوائد كثيرة وكذلك انضاج اجتمار وغير هذا من الفوائد العديدة من هذه السراجة التي جعلها الله عز
وجل بعباده ولما ذكر السراج الوهاج الذي به الحرارة واليبوسة ذكر ما يقابل ذلك فقال وأنزلنا من المصرات ماء تجاجة والماء فيه عطوبة وفيه البرودة وهذا الماء أيضا تنبت به الأرض وتحيا به
الأرض فإذا انضاف إلى هذا ماء السماء وحرارة الشمس حصل في هذا انضاج للثمار ونمو لها على أكمل ما يكون وأنزلنا من المصرات يعني من السحاب ووصفها الله بأنها مصرات كأنما تعصر هذا الماء
عند نزوله عصرا كما يوصر اللبن من الضرع وقالما أن تجاجا أي كثيرا التدفق واسع لنخرج به حبا ونبات وجنات ألفافة لنخرج بهال الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض فتنبت الأرض فيخزي الله به
الحب لجميع أصنافه وأنواعه البر والشعير والذرة وغيرها ونباتا من الثمار كالتين والعنب وما أشبهها وجنات ألفافة عبساتين ملتفا ملتفا من بعضها إلى بعض من كثرتها وحسنها وبهائها ولما ذكر
الله ما أعلم الله به على العباد ذكر حال اليوم الآخر وأنه ميقات يجمع الله به الأولين والآخرين وسأتي إن شاء الله كلم عليه في جلسة أخرى نسل الله لنا ولكم العلم النافع وعمل الصالح وأن
يجعل عملنا خالص لله موافقا لمرضاته فأخر آخر آية نتكلمنا عليها في الأسبوع الماضي يقوله تعالى وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَاجًا وَأَنْزَلْنَا مِنْ
الْمَعْصَرَاتِ مَا عَنْ تَجَّاجًا إلى آخر إلى آخر الصورة أنت أستعر نتكلم عنها اليوم يقول الله عز وجل بَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا أي قوية متينة وهي السماوات السبع وقد جاء
ذكر السماوات مقيدةً بالسبع في القرآن الكريم في قوله تعالى قُلْ مَنْ رَبُّ السماوات السبع وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أما الأراضون فجاءت مقيدةً بهذا العدد في السنة مثل قوله صلى
الله عليه وآله وسلم من اقتطع شبر من الأرض ظلماً طوقه الله به يوم القيامة من سبع أراضيه وجاءت في القرآن الكريم مقيدةً بهذا العدد على وجه الإشارة في قوله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنْ يتنزل الأمر بينهم فقوله من الأرض مثلهم لا تأتى فيه إلا المماثلة في العدد لأن المماثلة في الكيفية متعذرة إذ أن هناك فرقاً بين السماوات
والأرض في الكيفية والصفة والساعة والقوة فتعين أن يكون المراد مثلهن في العدد ثم فوقكم سبع شداد وجعلنا سراجًا وهاجًا ولا هذه الشمس فإنها سراج الأرض ووهج شديدة الحرارة ودليل ذلك أننا
نحس بحرارتها وبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة ولا سيما في أيام الصيف إذا كانت قريبةً من الرؤوس عموجيةًا فوقنا ولا يخفى على أهل العلم بطبائع النبات والبحار والصحاري ما يكون من
الفائدة العظيمة في هذه الحرارة على الأعيان وعلى الصفات ولهذا أكد الله عز وجل ذلك بقوله جعلنا سراجًا وهاجًا أي ذا توهج وأنزلنا من المعصرات ماءً تجاجًا المعصرات هي السحب وسمية معصرات
لأنها بمنزلة الذي يعصر الماء من الثوب فإن هذا الماء يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور قال الله تعالى الله الذي يرسل الرياح فتفزه أصحاباً فيبسطه في السماء
كيف يشاء ويجعله كسفاً فترى الوضع يخرج من خلاله وقوله ثجاجًا أي كثير الثج يعني الانهمار وذلك لغزارته وقوته حتى يروي الأرض لنخرج به حبًا ونباتًا وجناتٍ ألفافًا الحب والنبات هو الزروع
وهو النبات الذي ليس له ساق وجناتٍ ألفافًا هي الأشجاق التي لها ساق فيخرج من هذا الماء الثجاج الزروع والنخيل والأعناب وغيرها سواء خرج منه مباشرة أو خرج منه بواسطة استخراج الماء من
باطن الأرض لأن الماء الذي في باطن الأرض هو من المطر كما قال تعالى وأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وقال تعالى فئةٍ أخرى فسلكه ينبيع في الأرض وقول ألفافًا أي
ملتفة بعضها إلى بعض حتى إنها لتسر من فيها لكثرتها والتفاف بعضها إلى بعض ثم قال تعالى إن يوم الفصل كان ميقاتًا وهو يوم القيامة وسمي يوم فصل لأن الله يفصل فيه بين الغباد فيما شجر
بينهم وفيما كانوا يختلفون فيه فيفصل بين أهل الحق وأهل الباطل وأهل الكفر وأهل الإيمان وأهل العدوان وأهل الاعتدال ويفصل فيه أيضاً بين أهل الجنة والنار فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير
وكان ميقاتًا يعني موقوتًا لأجلٍ معدود كما قال تعالى وَمَنْ أَخِرُهُ إِلَّا لأجلٍ معدود وما ظنك بشيءٍ له أجلٌ معدود وأنت ترى الأجل كيف يذهب سريعًا يومٌ بعد يوم حتى ينتهي الإنسان إلى
آخر المرحلة فكذلك الدنيا كلها تصير يوماً بعد يوم حتى تنتهي إلى آخر المرحلة ولهذا قال تعالى وَمَنْ أَخِرُهُ إِلَّا لأَجلٍ معدود وكلُّ شيءٍ معدود فإنه ينتهي يوم ينفخ بالصور فتأتون
أفواجًا والنافخ فيها إسرافين موكلٌ فيها ينفخ فيها نفختين الأولى يفزع الناس ثم يصعقون فيموتون والثانية يبعثون من قبورهم تعود إليهم أرواحهم ولهذا قال هنا يوم ينفخ في الصور فتأتون
أفواجًا وفي الآية كما أخفى في الآية إيجاز بالحذف أي فتحيونا فتأتون أفواجًا فوجًا مع فوج أو يتلو فوجًا وهذه الأفواج والله أعلم بحسب الأمم كل أمة تدعى إلى كتابها لتحاسب عليه فيأت
الناس أفواجًا في هذا الموقف العظيم الذي تسوى فيه الأرض فيدرها الله عز وجل قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجًا ولا أمت وفي هذا اليوم يقول الله عز وجل وفتحت السماء فكانت أبوابًا فتحت
وانفرجت فتكون أبوابًا يشاهدها الناس بعد أن كانت الآن سقفًا محبوظة تكون في ذلك اليوم أبوابًا مفتوحة وفي هذا دليل على كمال قدرس الله عز وجل أن هذه السبع الشجاد يجارها الله تعالى ومن
قيامه كأن لم تكن تكون أبوابًا يوم تكون السماء كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا أسأل حميم حميمًا يبصرونه وصيرت الجبال فكان السرابًا أي أن الجبال العظيمة الصماء تدك فتكون كالرمل ثم
تكون كالسراب تسير وصيرت الجبال فكانت سرابًا ثم قال تعالى إن جهنم كانت مصادًا ونجع ذلك للأسبوع القادم إن شاء الله تعالى نتمم ما نحن سائرون فيه من التفسير وقد تكلمنا على قوله تعالى
في سورة النبأ نعم عن الطغين وأن جهنم كانت معابهم وأنهم لابثون فيها أحقابًا لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا إلا حميمًا وغسّاقًا تكلمنا على قوله لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا وقلنا
إن الله سبحانه وتعالى نفع عنهم البرد الذي تبرد به ظواهر أبدانهم والشراب الذي تبرد به أجوافهم ثم قال تعالى إلا حميمًا وغسّاقًا وهذا الاستثناء منقطع عند النحويين لأن المستثناء ليس من
جنس المستثناء منه والمعنى ليس لهم إلا هذا الحميم وهو الماء الحار المنتهي في الحرارة إلى ما ذكرناه سابقًا لأنهم يغاثون بماءً كالمهل يشعجوا وسقوا ماء الحميم فقطع ماءه وغسّاقًا قال
المفسّرون إن الغسّاق هو شرابٌ منتن الرائحة شديد برودة فيجمع لهم والعياذ بالله بين الماء الحار الشديد الحرارة والماء البارد الشديد البرودة ليذوق العذاب من الناحيتي من ناحية الحرارة
ومن ناحية البرودة بل إن بعض أهل التفسير قالوا إن المراد بالغسّاق صديد أهل النار وما يخرج من أجوافهم من النتن والعرق وغير ذلك وعلى كلها في الآية الكريمة تدل على أنهم لا يذوقون إلا
هذا الشراب الذي يقطع عمعاءهم من حرارته ويفطر أكبادهم من برودته نسأل الله العافية وإذا اجتمعت هذه الأنواع من العذاب كان ذلك زيادة في إضعاف العذاب عليهم ثم قال تعالى جزاءً وفاقًا أي
يُزَّون بذلك جزاءً موافقًا لأعماله من غير أن يظلموا قال الله تبارك وتعالى إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم أنفسهم تظلمون فهذا الجزاء موافقًا مطابقًا لأعمالهم ثم بيَّن
وجه الموافقة أي موافقة هذا العذاب للأمال فقال إنهم كانوا لا يرجون حسابًا وكذبوا بآياتنا كذابًا فذكر انحرافهم في العقيدة وانحرافهم في القول إنهم كانوا لا يرجون حسابًا أي لا يؤملون
أن يحاسبوا فلينكرون الحساب ينكرون البعث يقولون أن لا هاتنا الدنيا نموث ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر فلا يرجون حسابًا يحاسبون به لأنهم ينكرون ذلك هذه عقيدة قلوبهم أما أسنتهم فيكذبون
يقولون هذا كذب هذا سحر هذا جنون وما أشق ذلك كما تقرؤون في كتاب الله ما يصف به هؤلاء المكذبون رسل الله كما قال عز وجل كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون وقال
الله تعالى عن المكذبين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال الكافرون هذا ساحر كذب وقالوا إنه شاعر أم يقولنا شاعر نتربص به ريب المنون وقالوا يا أيها لنزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما
أتىتنا بالملائكة إن كنت من الصادقين ولولا أن الله ثبت أقدام الرسل وصبرهم على قومهم ما صبروا على هذا الأمر ثم إن قومهم المكذبين لهم لم يقتصروا على هذا قل آدوهم بالفعل كما فعلوا مع
رسول عليه الصلاة والسلام من الأذية العظيمة بل آدوهم بحمل السلاح عليه فمن كانت هذه حالة فجزاؤه جهنم جزاءً موافقًا مطابقًا لعمله كما في هذه الآية الكريمة جزاءً وفاقًا إنهم كانوا لا
يرجون حسابًا وكذبوا بآياتنا كذابة وكل شيء أحصيناه كتابًا كل شيء يشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال ويشمل كل صغير وكبير كل
شيء أحصيناه كتابًا أي ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف كتابًا يعني كتبًا وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى كتب مقادر كل شيء إلى أن تقوم الساعة ومن جملة ذلك أعمال بني آدم
فإنها مكتوبة بل كل قول يكتب قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيب رقيب يعني مراقب والعتيب يعني الحاضل ودخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض يئن من مرضه فقال له يا
أبا عبد الله إن طاوسًا وهو أحد التابعين المشهورين يقول إن أنين المريض يكتب فتوقف رحمه الله عنه العني خوفًا من أن يكتب عليه أنين مرضه فكيف بأقوال لساننا التي لا حد لها ولا ممسك لها
الفاظ تثرة طول الليل والنهار ولا نحسب لها الحساب كل شيء يكتب حتى الهم يكتب إما لك وإما عليك من هم بالسيئة فلم يعملها عاجزًا عنها فإنها تكتب عليه وإن هم بها وتركها لله فإنها تكتب له
فلا يضيع شيء كل شيء نحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا هذا الأمر للإهانة والتوبيخ يعني يقال لأهل النار ذوقوا العذاب إهانةً وتوبيخا فلن نزيدكم إلا عذابا ولن نخفف عنكم بل ولا
نطيكم ألمانتم عليه لا نزيدكم إلا عذابا في قوته ومدته ونوعه وقد قرأتم في آية أخرى أنهم يقولون لخزنة جهنم أدعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب تأمل هذه الكلمة من عدة أوجه أولا أنهم لم
يسألوا الله سبحانه وتعالى وإنما طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم لماذا؟
لأن الله قال لهم اخزؤوا فيها ولا تكلموا فرأوا أنفسهم أنهم ليسوا أهلا لأن يسألوا الله ويدعوه بل بواسطة ثم قالوا ادعوا ربكم ولم يقولوا ادعوا ربنا لأن وجوههم وقلوبهم لا تستطيع أن
تتحدث أو أن تتكلم بإضافة ربوبية الله لهم أي بأن يقولوا ربنا عندهم من العار والخزي ما يرون أنهم ليسوا أهلا لأن تضاف ربوبية الله إليهم قالوا ربكم ثم انظروا أنهم لم يقولوا يرفع عنا
العذاب قالوا يخفف يعني هم آيسون نعوذ بالله آيسون من أن يرفع عنا ثم انظروا أيضا هل قالوا يخفف عنا العذاب دائما قالوا يوماً من العذاب يوماً واحداً يتبين لكم إذا تصورت هذه الحال يتبين
لكم ما فيه ما هم عليه من العذاب والهوان والذل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف الخفي أعادنا الله وإياكم منها ثم ذكر الله عز وجل ما للمتقين من النعيم لأن القرآن
مثاني إذا ذكر فيه العقاب ذكر فيه الثواب وإذا ذكر الثواب ذكر العقاب وإذا ذكر أهل الخير ذكر أهل الشر وإذا ذكر الحق ذكر الباطل مثاني حتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف وإيش؟
والرجاء لأنه إن غلب عليه الرجاء وقع في الأمن من مكر الله وإن غلب عليه الخوف وقع في القنوط من رحمة الله وكلاهما من كبائر الذنوب كلاهما شر لا الأمن من مكر الله ولا القنوط من رحمة
الله لذلك تجدون القرآن نعتي بهذا وبهذا ولألا تمل النفوس من ذكر حال واحدة والإسهاب فيها دون ما يعقابلها وهذا من بلغة القرآن الكريم ونقف إلى هذا الحد ونسأل الله سبحانه وتعالى أن
يجعله لقاء مبارك نافع نستمر في تفسير سورة النبأ حيث وقفنا على قول الله تعالى إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا إلى آخر ما ذكر الله عز وجل هذه الآيات جاءت بعد قوله إن
للطاغين مآبا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا وذلك أن القرآن الكريم مثاني تثنى فيه الأمور إذا ذكر فيه الثواب ذكر العقاب وإذا ذكر العقاب ذكر الثواب وإذا ذكرت صفات المؤمنين ذكرت صفات
الكافرين وهكذا لأجل أن يكون إنسان حين يقرأ القرآن راغبا راهبا إذا قرأ ما فيه الثواب للمؤمنين راغب وراجأ وأمل وإذا قرأ ما فيه عقاب الكافرين خاف فيكون سائرا إلى الله تعالى بين الخوف
والرجاء لا يأمن مكر الله ولا يأس من رحمة الله قال الإمام أحمد بن محمد رحمه الله ينبغي أن يكون الإنسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء فأيهما غلب هلك صاحبه يقول عز وجل إن للمتقين
مفازا المتقون هم الذين اتقوا الذين اتقوا عقاب الله وذلك بفعل أوامر الله وإجناب نواهيه أحيانا يأمر الله بتقواه وأحيانا يأمر بتقوى يوم الحساب وأحيانا يأمر بتقوى النار قال الله تعالى
واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار فجمع بين الأمر بتقواه والأمر بتقوى النار وقال تعالى واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله فأمر بتقواه يوم الحساب وكل هذا يدور على معنى واحد وهو أن
يتقي الإنسان محارم ربه فيقوم بطاعته وينتهي عن معصيته فالمتقون هم الذين قاموا بأوامر الله واجتنبون واهي الله هؤلاء لهم مفازة لهم مفاز والمفاز هو مكان الفوز وزمان الفوز أيضا فهم
فائزون في أمكنتهم وفائزون في أيامهم يقول عز وجل حدائق وأعنابا هذا نوع المفاز حدائق أي بساتين عظيمة الأشجار كثيرة الأشجار منوعة الأشجار وأعنابا الأعناب جمعوا عنب وهي من جملة الحدائق
لكنه خصها بالذكر وكواعب أترابا الكواعب جمع كاعب وهي التي تبين ثجها ولم يتدل بل برز وظهر كالكعب وهذا أكمل ما يكون في جمال الصد وأترابا أي على سن واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كبرا
كما في نساء الدنيا لأنها لو اختلفت إحداهن عن الأخرى كبرا فربما تختل الموازة بينهما وربما تكون إحداهما محزونة إذ لم تساوي الأخرى لكنهن أتراب وكأسا دهاقا أي كأسا ممتلئة والمراجب
الكأس هنا كأس الخمر وربما يكون للخمر وغيره لأن الجنة فيها أنهار من ماء غير آسل وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفا الكأس الدهاقي عن المملوء من
الخمر وربما يكون من الخمر وغيره لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا لا يسمعون في الجنة لغوا أي كلاما باطلا الآخرة فيه ولا كذابا أي ولا كذبا فلا يكذبون ولا يكذبوا بعضهم بعضا لأنهم على سر
المتقابلين قد نزع الله ما في صدرهم من غل وجعلهم إخوانا جزاء من ربك عطاء حسابا أي أنهم يجزون بهذا جزاء من الله سبحانه وتعالى على أعمالهم الحسنة الحسنة التي عملوها في الدنيا والتقوم
فيها محارم الله وقوله عز وجل حسابا أي كافيا نأخوذ من الحسن والكفاية أي أن هذا الكأس كأس كاف لا يحتاجون معه إلى غيره لكمال لذته وتمام منفعته ثم قال عز وجل رب السماوات والأرض وما
بينهما الرحمن فالله سبحانه وتعالى هو رب كل شيء قال الله تعالى إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء فهو رب السماوات السبع الطفاق ورب الأرض وهي سبع كما ثبت ذلك في
السنة الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما بينهما أي ما بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة كالغيوم والسحب والأفلاك الأفلاك وغيرها مما نعلمه ومما لا يعلمه لله سبحانه وتعالى
وقوله لا يملكون منه خطابا يوم يقوم الروح يعني أن الناس لا يملكون خطابا من الله ولا يستطيع أحد أن يتكلم إلا بإذن الله وذلك يوم يقوم الروح وهو جبريل الملائكة والملائكة صفا أي صفوفا
صفا بعد صف لأنه كما جاء في الحديث تنزل ملائكة السماء الدنيا فتحيط بالخلق ثم ملائكة السماء الثانية من ورائهم ثم الثالثة والرابعة والخامسة وهكذا صفوفا لا يعلم عددهم إلا لذى خلقهم
سبحانه وتعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا أي لا يتكلمون الملائكة ولا غيرهم كما قال تعالى وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمعوا إلا همس إلا من
أذن له الرحمن بالكلام فإنه يتكلم كما أذن له وقال صوابا أي قال قولا صوابا موافقا لمرضاة الله سبحانه وتعالى وذلك بالشفاعة إذا أذن الله لأحد يشفع شفع فيما أذن له فيه على حسب ما أذن له
قال الله تعالى ذلك اليوم الحق أي ذلك الذي أخبرناكم عنه هو اليوم الحق والحق ضد الباطل أي الثابت الذي يقوم فيه الحق ويقوم فيه العدل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم
أعانا لله وإياكم على ذلك اليوم فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا أي من شاء عمل عملاً يؤوب به إلى الله ويرجع به إلى الله وذلك العمل الصالح الموافق لمرضاة الله تعالى وقوله لمن شاء فمن شاء
اتخذ إلى ربه مآباً قيلتها آية أخرى وهي قوله تعالى لمن شاء منكم من يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين يعني أننا لنا الخيار فيما نذهب إليه لا أحد يكرهنا على شيء لكن مع
ذلك خيارنا وإرادتنا ومشيئتنا راجعة إلى الله وما تشاءون إلا أن يشاء الله وإنما بين الله ذلك في كتابه من أجل أن لا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى مشيئته بل يعلم أنها مرتبطة بمشيئة الله
حتى يلجأ إلى الله في سؤال الهداية لما يحب ويرضى لا يقول إنساننا حر أريدك ما شئت وأتصرف كما شئت نقول الأمر كذلك لكنك مربوط بإرادة الله عز وجل ثم قال تعالى إنا أنذرناكم عذاباً قريباً
أي خوفناكم من عذاب قريب وهو يوم القيامة يوم القيامة في الحقيقة يا إخواننا قريب ولو بقت الدنيا ملايين السنين فإنه قريب كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاة فهذا العذاب الذي
أنذرنا الله قريب ليس بين الإنسان وبينه إلا أن يموت والإنسان لا يدري متى يموت قد يصبح ولا يمسي أو يمسي ولا يصبح ولهذا كان علينا أن نحزم في أعمالنا وأن نستغل الفرصة قبل فوضة الأوان
يوم ينظر المرء ما قدمت إداه المرء أي كل مرء ينظر ما قدمت إداه ويكون بين يديه ويعطى كتابه ويقال اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ويقول الكافر من شدة ما يرى من الحول وما يشاهد
من العذاب يقول يا ليتني كنت تراباً أي ليتني لم أخلق أو ليتني لم أبعث أو إذا رأى البهائن التي يقضر الله بينها ثم يقول كوني تراباً فتكون تراباً يتمنى أن يكون مثل البهائن فقوله كنت
تراباً تحتمل ثلاثة معاني المعنى الأول يا ليتني كنت تراباً فلم أخلق لأن الإنسان خلق من تراب المعنى الثاني يا ليتني كنت تراباً فلم أبعث يعني كنت تراباً في أجواف القبور أو المعنى
الثالث أنه إذا رأى البهائن التي قضى الله بينها وقال لها كوني تراباً فكانت تراباً قال ليتني كنت تراباً أي كما كانت هذه البهائن والله أعلم وإلى هنا تنتهي سورة النبأ وفيها من المواعد
والحكم وآيات الله عز وجل ما يكون موجباً للإقان والإيماء نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بكتابه وأن يجعله معظة لقلوبنا وشفاء لما في سنورنا إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين