11 - 13 تفسير الآيات (تنزيل من رب العالمين) إلى (...أنكم تكذبون) من سورة الواقعة - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
وفي قوله تنزيل من رب العالمين إشارة إلى أنه يجب علينا أن نعمل به لأن الذي أنزله هو الرب المطاع الخالق الرازق الذي يجب أن نطيعه بما أمر وننتهي عما عنه نهاء وزجر تنزيل من رب العالمين
والعالمون كل من سوى الله وثم عالمين لأنهم عالم على خالقهم فإن هذا الخلق إذا تأمله الإنسان تله على ما لله عز وجل من عظمة وسلطان ورحمة وغير ذلك المصفات إنه القرآن الكريم في كتاب
مكنون لا يمسه إلا المطهرون اختلف العلماء في الكتاب المكنون فقيل إنه اللوح المحفوظ لقوله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وقيل المراج به الكتب التي بأيد الملائكة كما قال تعالى فمن
شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة وهذا القول رجحه ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إن المراج به الصحف التي بأيد الملائكة وأكثر المفسرين
على أن مراج به اللوح المحفوظ لا يمسه أي لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة طهرهم الله تعالى من الشرك والمعاصي ولهذا لا تقعوا من الملائكة معصية بل هم ممتثلون لأمر
الله قائمون به على ما أراد الله تنزيل من رب العالمين وقبل أن نفوث الآية التي قبلها ذهب بعض المفسرين إلى قول غريب وقال المراد بقوله لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمس القرآن إلا ظاهر
ولكن هذا قول ضعيف لا تدل عليه الآية لأنه لو كان المراد ذلك لقال إلا المطهرون يعني المتطهرين ولكنه قال المطهرون أي من قبل الله عز وجل فهذا القول ضعيف ولولا أنه يوجد في بعض التفاصيل
التي بأيدي الناس ما تعرضنا له لأنه لا قيمة له والصواب أن المراد بذلك الملائكة فإن قلنا أن المراد بالكتاب المكنون على الصحب التي بأيديهم فواضح في قوله لا يمسه إلا المطهرون وإذا قيل
المراد به اللوح المحفوظ فكذلك المطهرون قد يمسونه بأمر الله عز وجل وقد لا يمسونه تنزيل من رب العالمين يعني هذا القرآن تنزيل من رب العالمين نزل من عند الله عز وجل لأنه كلامه وكلام
الله تعالى منزل غير مخلوق ويستفاد من هذه الآلة الكريمة أن القرآن ليس بمخلوق لأنه نزل من الله فهو كلامه وكلامه من صفاته تعالى وصفاته غير مخلوق وفي قوله تنزيل من رب العالمين إشارة
إلى أنه يجب علينا أن نعمل به لأن الذي أنزله هو الرب المطاع الخالق الرازق الذي يجب أن نطيعه بما أمر وننتهي عن معنه نهاء وزجر تنزيل من رب العالمين والعالمون كل من سوى الله وسموا
عالمين لأنهم عالم على خالقهم فإن هذا الخلق إذا تأمله الإنسان تله على أعمال الله عز وجل من عظمة وسلطان ورحمة وغير ذلك من صفاته أفبهذا الحديث أنتم مدهنون يعني أبعد هذا البيان لعظمة
القرآن الكريم تدهنون به أي تدهنون به الكفار وتسكتون عن بيانه وعن العمل به وهذا الاستفهام للإنكار لأن الواجب على من آمن بأنه تنزيل من رب العالمين وأنه قرآن كريم وأنه لا يمسه إلى
المطهرون الواجب أن يصالح ويصره ولا يدهن وقد قال الله تعالى في آية أخرى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُوا فَيُدْهِنُوا ولكن هذا ليس بحاص فالواجب على المؤمن أن يبرز بدينه ويفتخر به ويظهره خلاف
ما كان عليه كثير من الناس اليوم مع الأسف تجد الرجل منهم إذا قام يصلي يستحي أن يصلي وربما يداهن ويؤخر الصلاة عن وقتها موافقة لهؤلاء الذين لا يصلوا وهذا غلط عظيم بل الواجب أن يكون
الإنسان سريح فلا يداهن في دين الله عز وجل وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ أي تجعلون عطاء الله إياكم تكذيباً له كما قال عز وجل يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ومن ذلك
أن ينسب الإنسان نعمة الله عز وجل إلى السبب متناسياً للمسبب سبحانه وتعالى كقوله مثلاً نطرنا بنوء كذا يعني ينسب المطر إلى النوع لا إلى الخالق عز وجل فهذا نوع من الشرك كما جاء ذلك
صريحاً في حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بهم صلاة الصبح ذات يوم في العديب وقد نزل مطر فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتدرون
ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر يعني انقسموا إلى قسمين مؤمن وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال
مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب