10 - 13 تفسير الآيات (فلا اقسم بمواقع النجوم) إلى (...إلا المطهرون) من سورة الواقعة - ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم يخبر الله تبارك وتعالى أنه يقسم بمواقع النجوم ولا في قوله فلا أقسم للتنبيه والتوكيد وليست للنفي لأن المراد إثبات القسم وليس نفيه وهذا كقوله تعالى لا أقسم بهذا البلد وقوله تعالى فلا أقسم بأي من قيامه وقوله تعالى فلا وربك لا يؤمنون وأمثال ذلك يؤتى بلا بصورة النفي ولكن المراد بذلك التوكيد والتنبيه والقسم تأكيد الشيء بذكر معظم بأدوات مخصوصة وهي الواو والباء والتأ وقوله بمواقع النجوم اختلف فيها العلماء رحمهم الله فمنهم من قال إن المراد بذلك أوقات نزول القرآن لأن القرآن نزل مفرقا والشيء المفرق يسمى منجما كما يقال في الدين المقصط على سنوات أو أشهر يقال إنه دين منجم وقيل المراد بمواقع النجوم مواقع القلوع والغروب لأن مواقع غروبها إيذان بالنهار ومواقع طلوعها إيذان بالليل وتعاقبوا الليل والنهار من آيات الله العظيمة التي لا يقدر عليها إلا الله عز وجل فيكون الله تبارك وتعالى أقسم بما يدل على إقبال الليل وإدباره وقيل المراد بمواقع النجوم الأنوى وكانوا في الجاهلية يعظمونها حتى إنهم يقولون إن المطر ينزل في النوم ويقولون مطرنا بنوء كذا وكذا والمهم أن الله تعالى أقسم بمواقع النجوم على أمر من أعظم الأمور وهو قوله إنه لقرآن كريم لكن الله بيّن عظم هذا القسم قبل أن يبين المقسم عليه فقال وإنه لقسم عظيم وأتى بالجملة الاعتراضية في قوله لو تعلمون إشارة إلى أنه يجب أن نتفطن لهذا القسم وعظمته حتى نكون ذوي علم به وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم أي إن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم لقرآن كريم والكرم يراج به الحسن والبهاء والجمال كما في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وأمره أن يبين للناس أن عليهم زكاة في أموالهم قال إياك وكرائم أموالهم كرائم جمع كريمة والمراد بها الشاس الحسنة الجميلة وهو كريم عن القرآن كريم في ثوابه فالحرف بحسنة والحسنة بعشة أمثالها وهو كريم في آثاره على القلوب وصلاحها فإن قراءة القرآن تلين القلوب وتوجب الخسوع لله عز وجل وكريم في آثاره في دعوة الناس إلى شريعة الله كما قال تعالى فلا تطعي الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً فالمهم أن القرآن الكريم بكل معنى الكرم إنه القرآن الكريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون اختلف العلماء في الكتاب المكنون فقيل إنه اللوح المحفوظ لقوله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وقيل المراج به الكتب التي بأيدي الملائكة كما قال تعالى فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة وهذا القول رجحه ابن القيم رحمه الله في كتابه التبيان في أقسام القرآن إن المراج به الصحف التي بأيدي الملائكة وأكثر المفسرين على أن المراج به اللوح المحفوظ لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة طهرهم الله تعالى من الشرك والمعاصي ولهذا لا تقع من الملائكة معصية بل هم ممتثلون إلى أمر الله قائمون به على ما أراد الله تنزيل من رب العالمين وقبل أن نفوت الآية التي قبلها ذهب بعض المفسرين إلى قول غريب وقال المراج بقوله لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمس القرآن إلا طاهر ولكن هذا قول ضعيف لا تدل عليه الآية لأنه لو كان المراج ذلك لقال إلا المطهرون يعني المطهرين ولكنه قال المطهرون أي من قبل الله عز وجل فهذا القول ضعيف ولولا أنه يوجد في بعض التفاصيل التي بأيدي الناس ما تعرضنا له لأنه لا قيمة له والصواب أن المراج بذلك الملائكة فإن قلنا أن المراج بالكتاب المكنون على الصحب التي بأيديهم فواضح في قوله لا يمسه إلا المطهرون وإذا قيل المراج به اللوح المحفوظ فكذلك المطهرون قد يمسونه بأمر الله عز وجل وقد لا يمسونه تنزيل من رب العالمين يعني هذا القرآن تنزيل من رب العالمين نزل من عند الله عز وجل لأنه كلامه وكلام الله تعالى منزل غير مخلوق ويستفاد من هذه الآلة الكريمة أن القرآن ليس بمخلوق لأنه نزل من الله فهو كلامه وكلامه من صفاته تعالى وصفاته غير مخلوق