06 من 17-تفسير سورة ق- ونزلنا من السماء ماء مباركا -ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج يقول نزلنا لأن المطر ينزل شيئا فشيئا وربما يعبر عنه
بأنزل لأنه تجريبه الأودية والشعاب وقوله من السماء أي من العلو لأن هذا المطر ينزل من السحاب وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ بدليل قوله تعالى والسحاب المسخر بين السماء والأرض
إذن هو ينزل من العلو والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال ومراتع الإبل والسهل والأودية لأنه لو جاء يمشي سيحن الأرض ما وصل إلى قمم الجبال ولكن الله عز وجل جعله من فوق وقوله
ما أن مباركا من بركته أنه ينبت الله به جنات محبة الحصيد الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار وسميت البساتين وكثيرة الأشجار جنات لأنها تجن أي تستر ما تحتها وكل بستان ذو شجر ملتف بعضه
إلى بعض يسمى جنة وأما قوله حب الحصيد يعني به الزروع التي تحصد فذكر الله هنا الأشجار والزروع فمن الأشجار تجد الثمار ومن الزروع تحصد الحبوب والنخل باسقات لها طلع النظيق خص الله النخل
لأنها أشرف الأشجار ولهذا شبه بها المؤمن حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن قال ابن عمر رضي الله عنهما فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي كل
يقول هي الشجر كلني يقول ابن عمر فوقع في قلبي أنها النخلة لكني كنت أصغر القوم يعني فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة وهي الشجرة المذكورة في قول
الله تعالى ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فلهذا خصها هنا بالذكر فقال والنخلة باسقات أي عاليات لها طلع نظيد أي منضود فالطلع في شماريخه تجده منضودا من أحسن ما
يكون من النظر ومع ذلك تجد هذه الثمرات تسقى بالشمراخ الدقيق الليل مع أنه قد يكون فيه أحيانا فوق ثلاثين حبه وأكثر لها طلع نظيد رزقا للعباد أي فعلنا ذلك أنزلنا من السماء ماءا فأنبتنا
به جنات وحب الحصيد والنخلة باسقات فعلنا ذلك رزقا للعباد أي عطاءا وفضلا للعباد والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين لأن الكافر عبد لله كما قال الله تعالى إن كل من في
السماوات والأرض إلا آت الرحمن أبدا والمراد هنا العبودية الكونية القدرية أما العبودية الشرعية فلا يكون عبد لله إلا من كان ممتدلا لأمره مجتنبا لناهي مصدقا بخبره إذن للعباد يشمل
الكفار والمؤمنين وأحيانا به بلدة ميتا أحيانا به أي بالماء الذي نزله من السماء بلدة ميتا بلدة لما كانت مؤنثة اللفظ مذكرة المعنى صح أن توصف بوصف مذكر بلدة ميتا أي بلدا ميتا أحيانا
بهذا الماء الذي نزل من السماء كيف يحيانا تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات فإذا أنزل الله المطر عجت بالنبات واخترت وازدهرت فهذه حياتهم بعد بعد الموت كذلك الخروج أي مثل ذلك
الإحياء الخروج خروج الناس من قبورهم لله عز وجل وإنما ذكر الله تعالى الخروج لأن من عباد الله من أنكر ذلك زعما الذين كفروا أن لن يبعثهم وحجتهم أنهم قالوا من يحيي العظام وهي رمي كيف
تحيي العظام بعد أن رمت وصارت ترابا هذا مستنكر عندهم بعيد ولكن الله من يحيي العظام ولكن الله سبحانه وتعالى بيّن أنه ليس ببعيد وأنه كما يشاهد من الأرض الميتة ينزل عليه المطر فتحيا
إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتهم وهذا قياس جلي واضح