4 -20 - تكملة تفسير الآية ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم...) من سورة الحجرات - ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهرونه بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون فالآية الأولى فيها النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي شيء سوى من الأقوال أو الأفعال أو غيرها وبينا ما تدل عليه الآية فيما سبق أما الثانية فهى في رفع الصوت وإن لم يكن هناك تقدم في الأحكام من تحليل أو تحريم أو إيجاب الصوت يقول الله عز وجل لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي فإذا خاطبك النبي صلى الله عليه وسلم بصوت فاختص صوتك عن صوته وإذا رفع صوته فارفع صوتك لكن لا بد أن يكون دون صوت الرسول عليه الصلاة والسلام ولهدق لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض يعني لا تنادونه بصوت مرتبع كما ينادي بعضكم بعضا بل يكون جهرا بأدب وتشريف وتعظيم يليق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا كقوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا يعني إذا دعاكم لشيء فلا تجعلوا دعاءهم كدعاء بعضكم لبعض إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا تجيبوا بل يجب عليكم الإجابة كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما نحيكم وهنا قال ولا تجروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض كذلك أيضا لا تنادونه بما تتنادون به فلا تقولون يا محمد ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله وما أشبه له ولا تجروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون يعني كراهة أن تحبط أعمالكم يعني إنما نحيناكم عن ذلك الرفع الصوت فوق صوته وعن الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم أو يجهر له بالقول كجهر لبعض الناس فيه أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل ولما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه كان جهوري الصوت وكان من خطباء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزلت هذه الآية تعيب في بيته وصار لا يحقق مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فافتقده الرسول وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلة الآية فأرسل إليه رسولا يسأله فقال إن الله تعالى يقول يا أيها الذين آمنوا لا ترفع أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون وإنه قد حبط عمله وإنه من أهل النار فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا به فحضر وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة وقال أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة قال بلى رضيت فقتل رضي الله عنه شهيدا في وقعة اليمامة وعاش حميدا وسيدخل الجنة بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام ولذلك كان ثابت رضي الله عنه ممن يشهد له بأنه من أهل الجنة بعينه لأن كل إنسان يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه في الجنة فهو في الجنة كل إنسان يشهد له بأنه في النار فهو في النار وأما من لم يشهد له رسول فنشهد له بالعموم نقول كل مؤمن في الجنة كل كافر في النار ولا نشهد لشخص معين بأنه من أهل النار أو من أهل الجنة إلا بما شهد له الله ورسوله في هذه الآت الكريمة بيان تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه لا يجوز للإنسان أن يجهر له بالقول كجهري لسائل الناس وأنه لا يجوز له أن يرفع صوته على صوت الرسول عليه الصلاة والسلام ولما نزلت هذه الآية تأدب الصحابة رضي الله عنه بذلك حتى كان بعضهم يكلمه مسارة ولا يفهم الرسول ما يقول من إصراره حتى يستثفته مرة أخرى وفيه أيضاً في هذه الآية دليل على أن كل من استهان بأمر رسول عليه الصلاة والسلام فإن عمله حابد لأن الاستهانة بالرسول عليه الصلاة والسلام ردة والاستهزاء به ردة كما قال الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يستهزئون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب وكانوا يقولون ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقولون ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً يعني أوسى ولا أجبن عند اللقاء ولا أكتب ألسنة فأنزل الله هذه الآية ولما سألهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك قالوا إنما كنا نخوض ونلعب يعني نتكلم بكلام لا نريده ولكن لنقطع به عن الطريق فأنزل الله هذه الآية قل أب الله وآياتي ورسولي كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ولهذا كان الصحيح أن من سب الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر مرتد فإن تاب قبلنا توبة لكننا لا نرفع عنه القتل بل نقتله أخدا بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قتلناه بعد توبته النصوح الصادقة صلينا عليه كسائر المسلمين الذين يتوبون من الكفر أو من المعاصر