45 - 65 تفسير الآيات (والشياطين كل بناء...) إلى (...وحسن مآب) من سورة ص - الشيخ ابن عثيمين
فتح على يوتيوب تحميل الصوتالتفريغ النصي
في هذا أيضا بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم ومن فوائد الآية حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من
الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص ومن فوائدها جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها لأن بناء سعر مبالغة وبناء تبيه الشياطين لا بد أن يكون فخما محكما ولكن هل يقال إن هذا كان
في شريعة سليمان لأنه ملك يحتاج إلى أبه وعظمه ويظهر قوة ويظهر غنى ويظهر سلطة وأما عامة الناس فلا ولهذا جاء الشريعتنا بذن من يجعل ماله في البناء وربما يقال إنه يفرق بين الملك ذي
السلطان وبين غيره لأن ظهر الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب ويذكر أن معاوية بن أبي صفيان رضي الله عنه كان أميرا على الشام في اعتمارة عمر بن خطاب
وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابا وحراسا وشيئا من الأبها وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرا بخلاف ذلك يجد لداءا مرقعا وإزارا مرقعا وشخصا ينام في المسجد نعم يكون كتلة
من الرمل أمن الحصبى ويتوسدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود فيتعجب كيف أمير هذا الرجل بهذه الأبها وهذا الخليفة الذي فوقه بهذه الضعر والتواضر لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية
رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخطعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبها وعظمه فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكون نفسه هذا التكوين
وليس قلسوا أن يتعاضم والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهود الذي أدخل بيته في بيت المال بعد أن أعطع عنه عوضا كثيرا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في
المدينة يسكو معاوية يقول إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال يعني معناه يجعلون بيتا لبيت المال فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته فلما جاءه الكتاب أخذه كما يقال
معاوية ووضعه على رأسه تعظيما للكتاب وقال اليهودي الآن افعل ما تشاء تريد أن نعيد إليك البيتك ونبنيه بأحسن تريد أن تأخذ القيمة فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر
هذا الفعل فتشهد أن لا إله إلا الله وأنه محمد رسول الله وقال بيتي لبيت مال المسلمين لما رأى العدل انبهر فالمهم أن نقول قد يكون سلمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة
سلطانه وعظمته أمام أعدائه وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض فالإنسان العامي لا يستعر له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها وذي السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون
مهيبا أمام الناس حتى أتم له الأمر لا حرج عليه في هذا الله تعالى والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقررين في الأصفات سبق لنا أن قلنا أن في الآية دليلا على كمال ملك السليمان وسلطانه
وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص ومن تمام سلطانه أن العاصية منهم المتمرد قد ففده وقرنه مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين ومن
فوائدها جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشد والغل وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة لأن المقصود به الإصلاح فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس
وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير ومن فوائد هذه الآيات في قصة السليمان أن الله
تعالى أباحل السليمان العطاء والإنساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرى على الإعطاء في ماصية الله ولا على الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا
يقرر على خطأ فيكون الإباحة هنا له في الأشياء التي يباح له فعلها أو تركها ويكون هذا من باب توسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي ومن فوائد هذه الآيات أن الله لما ذكر ما أنعم عليهم في
هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك ينقص من توابه في الآخرة ومن فوائد الآية هذه الأخيرة أن الناس يختلفون في القرب من الله لقوله وإن له عندنا لزلفة وأقربهم من الله جوار اليوم
القيامة أقربهم منهم عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك لأن الجزاء من جنس العمل لازل كذلك من الذي قلت وقبلها دنيا من عبادة
وقلتهم ببعض قلتهم أقربهم منهم فإنه يكون قلتهم منهم في السوافل يوم القيامة طيب ومن فوائد الآية الكريمة أنه ينبغي للإنسان أن ننظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيءا سعى
في أصلاحه وإن كان حسنا حمد الله وازدادا من فضل الله قال الله تعالى هذا عطاؤنا هذا المشار إليه ما سخر الله له من الريح والسلطة على الشياطين عطاؤنا يعني الذي عطيناك إياه لأنه قال هب
لي ملكا لخ عطاؤنا يقال هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فعطاه الله هذا العطاء والذي فهمنا مما عطاه الآن تسخير ريح وتسخير الشياطي هذا عطاؤنا فمن أعطي منه من شئت أو أمسك عن الإعطاء
بغير حساب أي لا حساب عليك في ذلك أعطاه الله تعالى يشاكر هذا الملك وقال له أنت بالخير أم على من شئت وأمسك المنة عن من شئت ولا حساب عليك في ذلك وهذا من التخير المطلق في التصرف
والسيادين إن شاء الله تعالى في بين الفوائد أن التخير قد يكون مطلقا وقد يكون مقيدا في بعض الأشياء ففي خسال الكفارة مثلا تخير لكن مطلق أو مقيد مقيد بين أشياء معينة وهناك تخير مطلق
يقول افعل ما شئت وترك ما شئت هذا التخير المطلق هو الذي حصل لسليمان عليه الصلاة والسلام ثم قال وإن له عندنا لزلفة وحسن مآب لما ذكر الله ما من عليه في الدنيا ذكر ما من عليه في الآخر
وهو أن له عند الله مرتبة عالية زلفة قريبة من الله عز وجل وحسن مآب أي حسن مرجع لأن مرجعه إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر طيب ها هنا وإن له عندنا
لزلفة ذكرنا فيما سبق أن العندية المضافة للغاية تنقسم إلى ماه عندية العلم عندية الصفة القصة وعندية القرب عندية القرب مثل هذه الآية عندية الصفة مثل إذا قلت عند الله نعم مثل قولي
تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاه فإن هذه عندية الصفة أما عندية القرب فتكون منفصلها لله يكون الشيء عند الله أي قريب منه وقوله لزلفة وحسن مآب الزلفة يعني القربة لأن أعلى مراتب
الخلق هم الأنبياء ومن يضع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين نعم