3 - 148 القاعدة الأولى الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة... - القواعد والأصول الجامعة - ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
أما بعد فإن معرفة جوامع الأحكام وفوارقها من أهم العلوم وأكثرها فائدة وأعظمها نفعا لهذا جمعت في رسالتي هذه ما تيسر من جوامع الأحكام ووصولها ومما تفترق فيه الأحكام لفتراق حكمها
وعللها وقسمتها قسمين القسم الأول في ذكر ما تجتمع فيه الأحكام من الأصول والقواعد وانتقيت القواعد المهمة والأصول الجامعة وشرحت كل واحدة منها شرحا يوضح معناها ومثلت لها من الأمثلة
التي تتفرع عنها ما تيسر والقسم الثاني أتبعت ذلك بذكر الفوارق بين المسائل المشتبهة والأحكام المتقاربة وذكر التقاسيم المهمة فأقول في القسم الأول مستعينا بالله راجيا منه الإعانة
والتسهيل القاعدة الأولى الشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة هذا الأصل شامل لجميع الشرحة إذن هنا مصلحة وهنا مفسدة والمصلحة إما خالصة
ليس فيها مفسدة وإما راجحة يعني تجتمل على مفاسد لكنها قليلة بالنسبة للمصالح هذا القسم مأمور به هذا القسم يكون مأمورا به المفاسد إما مفاسد خالصة وإما مفاسد راجحة يعني مفسدته خالصة ما
فيه مصلحة إطلاقاً وإما فيه مفسدة وفيه مصلحة لكن المفسدة أرجح وعلى هذا تدور الأوامر والنواهي الأوامر تدور على إيش على المصالح الخالصة أو الراجح والنواهي تدور على المفاسد الخالصة أو
الراجح نعم هذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع عندنا ما يتعلق تعلق ها تعلق مشكل ما معنا أصل مخطوط ما تذكر شيء أصل مخطوط نعم
لا فرق بين ما تعلق بالأصول أو بالفروع وما تعلق بحقوق الله وحقوق عباده قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم
تذكرون فلم يبق عدل ولا إحسان ولا صلة إلا أمر به في هذه الآية الكريمة ولا فحشاء ومنكر متعلق بحقوق الله ولا بغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم إلا أنها عنه ووعظ عباده أن
يتذكروا ما في هذه الأوامر وحسنها ونفعها فيمتثلوها ويتذكروا ما في النواهي من الشر والضرر فيرتنبوها وقال تعالى قل أمر ربي بالقصد ويقيم وجوهكم عند كل مسجد ودعوه مخلصين له الدين كما
بداكم تعودون قوله تعالى أن الله يأمر بالعدل والإحسان الأمر بالعدل واجب والأمر بالإحسان سنة وفيه دليل على جواز استعمال اللفظ في معنية أو إن شئت فقل استعمال اللفظ المشترك في معنية
لأن الأمر مشترك بين الواجب والمستحب ففي هذه الآية قال إن الله يأمر بالعدل وهو واجب والإحسان وهو سنة وإجارة القربة هذه الصلة يعني إعطاء القريب حقه وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي
الفحشاء والمنكر فيما يتعلق بحق الله والبغي فيما يتعلق بحق المخلوق وهو العجوان على الخلق فهو سبحانه وتعالى ينهى عن هذا وهذا ثم بيّن أنه يعظن بهذه القاعدة والأصل العظيم الأمر بالعدل
والإحسان والنهي عن الفشاء والمنكر والبغي لعلكم تذكرون لعل هنا للتعليق أي لأجل أن تتذكروا وتتعظوا وقال تعالى قل أمر ربي بالقصد يعني بالعدل وأقيموا وجوهكم هذه جملة معطوفة على محلق
الأمر وليست معطوفة على قولي بالقصد وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه أيضا الله مخلصين له الدين ثم قال كما بدأكم تعودون يعني أنه سيعيدكم كما بدأكم ولا يعجزه الإعادة لأنه لم يعجزه
الابتداء نعم فقد جمعت هذه الآية وصول المأمورات ونبهت على حسنها فما جمعت الآية التي بعدها أصول المحرمات ونبهت على قبحها وهي قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن
والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وَلَمَّا لَكَرَ اللَّهُ الْأَمْرَ بِالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ مِنْ قوله قد جمعت هذه
الآية أي آية لا قل أمر ربي بالقسط لأن الله يأمر بعيدا جمعت بين الأمر والنهر أما الآية الثانية فهي قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن يعني ما كان ظاهرا فحشه وما كان خفيا
وقيل ما ظهر أي ما أظهر تموه وما بطن أي ما أخفيتموه وما دامت الآية تتعمل معنيين فألتكن شاملة لهما لأن هذه قاعدة مهمة في التفسير وكذلك في الحديث إذا كان النص محتملا لمعنيين على
السواء ولا مرجح لأحدهم على الآخر وجب أن نحمل نعم ولا منافات بينهما وجب أن نحمل عليهما كل نص من القرآن والسنة إذا كان يحتمل معنيين لا مرجح لأحدهم على الآخر ولا منافات بينهما فإنه
يجب أن نحمل النص عليهم جميعا إذن ما ظهر وما بطن يكون معناها ما ظهر فحشه وما خف ما أظهر وأعلن الناس وما أكفي عنهم والإثم والبغي بغير الحق الإثم أي ما يكون به الإثم وهو العقاب والبغي
بغير الحق أي ما يكون به البغي على الناس والعدوان عليهم وقوله بغير الحق وصف مبين للواقع لأنه ليس هناك بغي بحق وأن تشركوا يعني وحرم عليكم أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا في أي
نوع من إشراكه في عبادته في ربوبيته في أسمائه وصفاته وقوله ما لم ينزل به سلطانا وصف مبين للواقع لأن جميع الشرك ليس فيه سلطان أي دليل وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون أن تقولوا على
الله في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أحكامه ما لا تعلمون أفهمتم فمن قال إن الله كيفية وكذا وكذا فقد قال ما لم يعلم ومن قال إن أسماء الله تبارك وتعالى لا تدل على المعاني وإنما يعلم
مجرد فقد قال ما لم يعلم ومن قال في صفاته إنه لا يثبت منها إلا كذا وكذا والباقي يجب أن ينفى فقد قال على الله ما لم يعلم ومن قال هذا حلال وهذا حرام ولم يكن فيه دليل فقد قال على الله
ما لم يعلم المهم أن القول على الله يتضمن القول عليه في ذاته وأسمائه وصفاته وأحكامه هذه الآية هل هي من باب الترقي أو من باب التدني بمعنى هل أعظم ما فيها ما ذكر أولا أولا فأولا أو إن
من أقل ما فيها ما ذكر أولا فأولا الظاهر الثاني لأن الشرك لو كان المرادة ذكر الأعلى لكان يذكر الشرك هو الأول لكنه من باب ذكر الأدنى فالأدنى إذن وأن تقول على الله ما لا تعلمون أعظم
من الشرك ووجهه أن الشرك تصرف في فعل العبد وأما القول على الله بما لا أعلم فهو تصرف في حق الله وثانيا أن القول على الله بالعلم أعظم تأثيرا في الغير من الشرك بالله لأن المشرك ضرره
على نفسه لكن الذي يقول الله ما لا يعلم ضرره على نفسه وعلى غيره فضرره متعد ولهذا صرح المقيم رحمه الله أن القول على الله بلعن أشد من الإشراك بالله نعم ولما ذكر الله الأمر بالطهارة
للصلاة من الحدث الأكبر والأصغر وذكر طهارة الماء ثم طهارة التيمم عند العدم أو الضرر بمرض ونحوه قال تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم
تشكرون فأخبر أن أوامره وشرائعه من أكبر نعمه العاجلة المتصلة بالنعم الآجلة ثم تأمل ثم تأمل قوله تعالى وقضى ربك أن لا تعبده إلا إياه وبالوالدين إحسانا إلى قوله ذلك مما أوحى إليك ربك
من الحكمة وقوله قل تعالى واتل ما حرم ربكم عليكم إلى قوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبول فتفرق بكم عن سبيله وقوله وعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا إلى قوله ومن يكون
الشيطان له قرينا فساء قرينا انظر إلى هذه آيات لو ذهبنا نتكلم عليها لطالبنا الوقت لكن أتكلم على قوله وقضى ربك أن لا تعبد إلا إياه هل القضاء هنا قضاء كوني أو قضاء شرعي هذا قضاء شرعي
لأنه لو كان قضاء كونيا لعبده الناس كلهم ولكنه قضاء شرعي يعني أنه عز وجل كتب علينا أن لا نعبد إلا الله وهذا ربما يفعله بعض الناس ولا يفعله الآخرون أما قوله تعالى وقضينا إلى بني
إسرائيل في الكتاب لتبسجن في الأرض مرتين فهذا قضاء كوني لأن الله لا يقضي شرعا بالفساد بل هو لا يحب بالفساد سبحانه وتعالى وقوله تعالى فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلى دابة
الأرض هذا قضاء كون طيب انظر إلى ما في هذه الآيات من الأوامر التي بلغت نهاية الحسن وما اجتملت عليه من الخير والعدل والرحمة والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبا وكذلك ما اجتملت عليه من
المنهيات التي ضررها عظيم وشرها جسيم وهذه الشرائع مأموراتها ومنهياتها من أعظم معبزات القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وأنها تنزيل من حكيم حميد ومثلها ما وصف الله يعني الأيات تنزيل
من حكيم حميد حكيم بحكمة حميد محمود عز وجل على ما تضمنت هذه الشريعة إلى الكمال نعم ومثلها ما وصف الله به خواص العباد وفضلاءهم في قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونى
إلى قوله أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما وقوله قد أفلح المؤمنون ثم عدد أصافهم الجليلة ثم قال في جزائهم أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
وقوله إن المسلمين والمسلمات إلى قوله أعد الله لهم مغفرة واجرا عظيما وكل ما في هذه الآيات من الأوصاف التي وصف الله بها خيار الخلق قد علم حسنها وكمالها ومنافعها العظيمة ومن أحسن من
الله حكما لقوم يوقنون وجميع ما في الشريعة من العبادات والمعاملات والأمر بأداء الحقوق المتنوعة تفاصيل وتفاريع لما ذكر الله في هذه الآيات وجميع ما فصله العلماء من مصالح المأمورات
ومنافعها ومضار المنهيات ومفاسدها داخل في هذا الأصل ولهذا يعلّل الفقهاء الأحكام المأمور بها بالمصالح والمنهي عنها بالمفاسد