52 - 94 تفسير الآية (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم...) من سورة يس - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

ثم قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اَسْتَقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ عَذَابِ هَمِّ الدُّنَثَ ذا من عذاب همِّ الدنيا ما به هم عندكم وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اَسْتَقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا لأن الهم ما هو هو العذاب من عذاب الدنيا كغير كغيركم وما خلفكم من عذاب الآخرة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَعْرَبُوا قوله إذا قيل لهم أجملة هذه الشرطية فعل الشرط فيها قيل وجوابه محذوف قدره المؤلف بقوله أَعْرَبُوا وهذا التقيل لا شك أنه اهتماس من المؤلف وإلا فقد يكون الأمر أوسع مما قال المؤلف وحرف مثل هذا فيه من البلاغة أن الذهم يقدر كل ما يمكن أن يقدره مما يتركب على هذا القول هذا من جهة من جهة أخرى أن الناس إذا قيل لهم اتقوا ما بين أجيكم وما خلفكم تختلف إجاباتهم منهم من يعدد ويسكت ومنهم من يستكبر ويسب ومنهم من يقاتل إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخلق فكان في حذف هذا من البلاغة ما هو ظاهر يكون يذهب الذهن كل مذهب في تقدير هذا المحذوف قوله وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أجيكم وما خلفكم من القائل؟ القائل هنا مبهم لأن الفعل مبني للمجهور ليشمل أي واحد يقول لهم هذا القول سواء كان من قول الله عز وجل في كتابه أو كان من قول الرسول عليه الصلاة والسلام في سنته أو كان من قول الدعاة بعد ذلك فهؤلاء الكفار إذا قيل لهم تقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ما بين أيديكم من هم الدنيا من عذاب الدنيا فإن الله سبحانه وتعالى قد يعذب الكافرة في الدنيا كما عذب الأمم السابقة وكما عذب هذه الأمة أيضا لكن عذاب هذه الأمة يكون بابتلاء بعضهم ببعض ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض يوم نبطش البطشة الكبرى إن منتقمون كانت هذه في غزوة بدر حين قتل صناديد قريش فسماه الله تعالى بطشة كبرى أما الأمم السابقة فعقوباتهم معروفة فهنا اتقوا ما بين أيديكم من عذاب الدنيا العذاب المتنوع سواء كان بأيدي المؤمنين أو كان من فعل الله عز وجل كالقحف والزلازل والغرق وغير ذلك وما خلفكم من أمر الآخرة وعذاب الآخرة أشق وأشد وأب وهنا قال ما خلفكم قد يقول قائل لو كان الأمر بالعكس لكان أقرب إلى الصواب يكون ما بين أيديكم من عذاب الآخرة لأنه مستقر وما خلفكم من عذاب الدنيا لأن الدنيا هي التي يخلفها الإنسان وراءه ولكن يجاب عن هذا بأن الذي بين أيديهم حقيقة هو الدنيا وأما ما خلفهم فإن الخلف والوراء قد يطلق بمعنى الأمام ومنه قوله تعالى وَكَانَ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يأخذ كل سفين من أصل قال العلم معناه نعم أمامهم وكقوله تعالى ومن ورائه عذاب غليظ أي أمامهم وقوله لعلكم ترحمون لعل هنا للتعليم أي لأجل أن يرحمكم الله عز وجل إذا قيل لهم هذا الشيء فجمع لهم بين الترغيب والترهيب الترغيب خالد في قوله لعلكم ترحمون والترهيب في قوله اتقوا ما بين أيديكم وما خلق هؤلاء جنع لهم بين الترغيب والترهيب ومع ذلك لا يستجبون بل يعرضون ويستكفرون ويسخرون ويقول هذا أساطير الأولين وما أشبه ذلك مما هو معروف عن هؤلاء إذا جعوا إلى الله نعم في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الكفار قد أقيمت عليهم الحجة وبلغتهم الدعوة ووعظوا ولكن لم أنفعهم ذلك لقوله وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلق ومن فوائدها أن الإنسان إذا أعرض عن دين الله الخبر كان عرضة للعذاب أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة لقوله اتقوا ما بين أيديكم وما خلقكم ومن فوائدها أن الإقبال إلى الله عز وجل وإجتناب معصيته سبب للرحمة لقوله لعلكم ترحمون ومن فوائدها أيضاً إثبات العلل والأسباب لقوله لعلكم فإن لعل هذه التعليم ولا أحد ينكر أن للأسباب تأثيراً إلا من صرف عن مقتضى الفترة والناس اختلفوا في الأسباب والعلل على ثلاثة أقوات فمنهم من قال إن الأسباب والعلل مؤثرة بذاتها وأنه لابد لكل سبب من تأثيره في مسببه ولابد في كل علة من تأثيرها في معلولها ومنهم من قال بالعكس وقال إنه لا تأثير للعلل والأسباب وإنما هي علامات وآمارات فقط فإذا وجد المسبب أو المعلول لم يقولوا إن ذلك من أجل السبب أو العلة ولكن يقولون إن ذلك حصل عندهم لا به ولا ريب أن هؤلاء خالفوا المنقول والمعقول ولا أحد يوافقهم على ما ذهبوا إليه والقول الثالث وصل يقول إن للأسباب والعلل كأثيراً في معلولاتها ومسبباتها لكن بجعل الله ذلك فيها فهي ليست مؤثرة بنفسها بل بما أودعه الله تعالى فيها من الأمر الموجب للسبب أو للمعلوم وهذا القول هو المتعين وهو الصراب بدليل أن الله تعالى قد يسبب هذه العلة أو هذا السبب قد يسبه التأثير ولا يبقى له تأثير من إطلاق وما قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بغريبة حيث ألقي في نار تتأجج فقال الله لهذه النار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فكانت برداً وسلاماً مع أنها هي سبب للإلحاق ولكنها صارت برداً وسلاماً على إبراهيم وهذا يدل على أن الأسباب والعلل إنما تؤثر بماذا؟ بإرادة الله عز وجل وجعل هذه العلة والسبب مؤثراً طيب ومن فوائد الآية هذه والتي قبلها أيضاً إثبات الرحمة لله عز وجل وهي من صفات الذاتية الفعلية الذاتية لأن الله لم يزل رحيماً بعباده ولا يزعل الفعلية باعتبار تعلقها بالمرخوم فإنها تتجدد باعتبار المرخوم لا باعتبار أنها صفة نسبة الله فهذا الذي رحمه الله من البشر حادث بعد أن لم يكن فتعلق في الرحمة ولا يخفى عليكم ما ذهب إليه الأشاعر من إنكارهم الرحمة على وجه الحقيقة وادعائهم أنه يراد بها الإحسان أو إرادة الإحسان ففزروها بالإرادة لأنهم يثبتون لله الإرادة أو بالإحسان لأنه مخلوق منفصل ليس من نسبة الله وهذا بلا شك قول باطل وضعيف وقد مر علينا بيان تعليلهم لإنكاره والرد عليه قالوا إن الرحمة تقتضي رقة وليناً وبعثاً وهذا لا ينقبلها عز وجل وقالوا أيضاً إن الرحمة لا يدل عليه العقل ونحن لا ندل من الصفات إلا ما دل عليه العقل وقد بينا أن هذا القول ليس بصوابه أولاً أن الرحمة قد تقع من إنسان قوي وذي السلطان ويوسف بالرحمة حتى من البشر وثانياً ادعاؤهم أن العقل لا يدل عليها باطل فإن العقل يدل عليها أكثر جلالة وأوضح جلالة من جلالة تخصيص على الإرادة وقد مر علينا هذا الكثير قال الله تعالى وهو أن ما يحتاج يسجل ثالث من مذكره هو أن المراد بما بين أيديهم المعاصر التي في مستقبلهم ويخشى أن يفعلوها وما خلفهم المعاصر الماضية فيجعل المراد بين أيديهم وما خلفهم من الأعمال لا من عذاب الله وسبق أن قلنا أن الآية إذا كانت تحتمل معاني المقولة فيها بدون تعارف فإنها تحتمل على الجميع طيب في الآية ما أظن أن أخذنا فوعد هذه الآية أخذنا العهدي إثبات الرحمة وإثبات الإسلاة خذنا كلها