32 بلوغ المرام - شرح حديث أنس في النهي عن التسعير - الشيخ محمد بن صالح العثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
فعن ناس بن مالك رضي الله عنه قال غل السعر في عهد رسول في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس يا رسول الله غل السعر فسعر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن
الله هو المسعر القابض الباصط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان قوله غل السعر أي ارتفع وزاد ارتفع وزاد
وقال غلاء يغلو وكل هذه المادة الغين واللام والألف أو الواو كلها فيها نوع من الزيادة فالمهل يغلي في البطون كغلي الحميد والغليان فيه ارتفاع وزاد غل السعر يعني ارتفع وزاد غلاء يعني
زاد في الحد فيها أيضا زيادة والسعر قيمة الأشياء أي ارتفعت القيمة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله غل السعر فساعد لنا يعني قدر قيمة الأشياء فقل مثلا صاع البر بكذا
وصاع التمر بكذا وصاع الأقط بكذا وما أشبه ذلك لأنه إذا سعر فلن يزيد أحد على تسعيره ولكن رسول صلى الله عليه وسلم بيّن لهم أن ذلك ليس إليه لأن الذي يبده ملكوت السماوات والأرض هو الله
عز وجل فقال إن الله هو المسعر يعني هو الذي بيده الأمر إن شاء عز وجل أغلى السعر وإن شاء أرخص السعر كيف ذلك لأن سبب الغلاء إما زيادة في نمو الناس وإما نقص في المحصول وإما جشع وطمع
وكل ذلك في يد الله عز وجل الزيادة في النمو في يد من بيد الله عز وجل وكذلك أيضا النقص في المحصول والزيادة فيه بيد الله ومعلوم أنه إذا نقص المحصول زاد السعر أو يكون من باب الطمع
والجشع وهذا أيضا بيد الله لأن الطمع والجشع من فعل الإنسان والله تعالى خالق للإنسان وخالق لفعله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله هو المساعد لأنه هو الذي يفعل أسباب الزيادة
وأسباب النقص طيب القابض الباسط وهذا مأخوذ من قولها يبسط الرزق لم يشاء ويقدر فهو من قوله تعالى فهو القابض الذي يقبض الشيء ويقلله الباسط الذي يبسطه ويوسعه ويكثره وهذا من جملة أفعاله
عز وجل يقبض ويبسط والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون ثم الرازق يعني المعطي والرزق في الأصل العطاء كما قال الله تعالى فارزقوهم منه فارزقوهم فيها أي أعطوهم ورزق الله عز وجل ينقسم إلى
قسمين رزق مادة الحياة الجسدية رزق هو مادة الحياة الجسدية ورزق مادة الحياة الروحية أو القلبية فالأول يكون بالطعام والشراب والكسوة والسكن والثاني يكون بالعلم والإيمان بالعلم والإيمان
وعلى هذا فنقول من ليس له كسب إلا المحرم كالمرابق هل الله رازقه الجواب نعم رازقه بالمعنى الأول أما بالمعنى الثاني فلا شك أنه ناقص الإيمان لأنه لو كان إيمانه كاملا منتهك محارم الله
عز وجل بأكل الربا الكافر الكافر مرزوق كلا لا بأي المعنى بالمعنى الأول لأن الله تعالى رزقه ما يقوم به جسده أما ما يقوم به قلبه من العلم والإيمان فإنه مفقود لأن علمه إن كان عنده علم
لم ينتفع به وإيمانه معدون طيب يقول وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا ما لأرجو أن ألقى الله الرجاء هو الطلب الطلب النفسي مع وجود أسباب حصول المطلوب
هذا الرجاء إذن هو الطلب النفسي مع وجود أسباب حصول المطلوب فهو في الأمور الميسورة والتمني في الأمور المتعذرة أو المتعسرة لكنه طلب كالرجاء لكن الرجاء يكون في الأمور القريبة والتمني
في الأمور البعيدة وقوله أن ألقى الله تعالى ما معنى تعالى معنى التعالى أي الترفى وتعاليه عز وجل معنوي وحصي أما تعاليه المعنوي فهو أنه سبحانه وتعالى متعال عن كل نقص وأما الحصي فهو
متعال على جميع الخلق كما قال تعالى الكبير المتعال يقول وما أحد منكم يطلبني بمظلمة ما أحد يطلبني يعني يكون له عندي مظلمة ويجوز مظلمة بدم في دم ولا مال في دم في دم كالاعتداء على
النفس ولا مال كالاعتداء على المال هذا الحديث القصة فيه مشوء يعني مواضحة معروفة أن الصحابة لما غلى السعر لجأوا إلى النبي صلى الله وسلم يشكون إليه الأمر وطلبوا إليه باعتباره ذا
السلطة والإمام أن يساعر لهم فامتنع النبي صلى الله وسلم وبيّن أن الأمر بيد الله عز وجل وأن التسعير على الناس نوع من الظلم ورجى الله عز وجل أن يلقاه وما أحد منهم يطلبه بمظلمة في دم
ولا مال فالحديث هذا يستفاد منه فوائد أولاً أن غلاء السعر سبب للقلق أي لقلق الناس واضطرابهم وهو كذلك لما فيه من ضيق القوت ويتفرع على هذه الفائدة أن رخص الأسعار فيه توسعة للناس
وانبساط ولكن اعلم أن رخص الأسعار قد يكون أحياناً ضرراً على آخرين ولكن العبرة بالعموم فالرخص الأسعار مثل في المنتجات قد يتضرر به من؟
المنتج لكن عامة الناس ينتفئون به والمصالح العامة مقدمة على المصالح الخاص ألا ترى إلى المطر يعتبر من رحمة الله ويفرح الناس به وقد يكون ضرراً على بعض الناس أليس كذلك؟
قد يكون ضرراً على مزارع لا يحب أن يأتي المطر لأنه قد أسقى زرعه آخر سقياً وإذا أسقاه آخر سقياً فربما يتضرر الزرع لما يأتي بعد ذلك من الماء أو يكون شخص قد بنا بنياناً ولم ييبس فإذا
جاء المطر ضره وهدم بنياناً إلى غير ذلك من المسائل التي يكون فيها المطر ضرراً لكن لكنه ضرر مغتفر لأنه قليل في جانب النفع العام من فوائد الحديث أن الصحابة رضي الله عنهم يشكون الأمور
التي تقلقهم إلى من؟
إلى الرسول صلى الله عليه وسلم رجاء أن يعالجها بنفسه أو بدعاء الله سبحانه وتعالى الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناسهم الجمعة قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت
السبر فادعوا الله يغيثهم هذا طلب من النبي عليه الصلاة والسلام علاج هذا الموقف بماذا؟
بدعاء الله وهنا الصحابة رضي الله عنهم طلبوا عياج الموقف بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ولكن أصول تبرأ من ذلك ومن فوائد الحديث إثباتوا أن الله عز وجل هو الذي بيده الأمور دون غيره
يقولها القابض الباسط الراسل وهذا يقوله النبي صلى الله عليه وسلم وهو أحق الناس بأن يكون له شيء من التدبير لو كان لأحد من المخلوقين شيء من التدبير فإذا انتفى هذا الأمر بالنسبة لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فانتفاءه بالنسبة لغيره من باب أولى وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن نعلق قلبه بأحد إلا بالله سبحانه وتعالى ومن فوائد الحديث وصف الله بأنه مسائر لأن التسعير نوع
من أنواع فعله سبحانه وتعالى فهو الذي يسعر الأشياء ويقدر قيمتها بما بما يقدره من الأسباب وقد ذكرنا أسباب الغلاء قبل قليل بأنها ثلاثة ما هي كثرة النمو والثاني جلة المحصول والثالث
الجشى والطب طيب ومن فوائد الحديث وصف الله عز وجل بالقابض والباصد لقولها القابض الباصد ومن فوائد الحديث أيضا وصفه بالرازع فهل هذه أوصاف لأنها أنواع من أنواع أفعاله أو هي أسماء يحتمل
أن تكون أسماء من أسماء الله لأنها دخلت عليها ألم ويحتمل أن تكون أوصافا لأنها أنواع من الفعل فهي كالضحك والغضب والسخط والرضاء وما أشبه ذلك فهي أنواع من الفعل فلا تكون من أسماء الله
ولهذا لم يأتي من أسماء الله لم يأتي شيء منها في القرآن إلا بالأفضل فعل يقبض ويبسط أما الرازق فجاءت في قوله تعالى وهو خير الرازقين لكن الرازق هنا غير الله لأنه قال خير الرازقين
والمفضل غير المفضل عليه لكن جاءت في القرآن اسما بلفظ الرزاق بلفظ الرزاق وفرق بين الرازق والرزاق لأن الرزاق نسبة وسائل مبالغة وإخلاف الرازق من فوائد الحديث تحريم التسعير تحريم
التسعير لقوله وإني لا أرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبيني بمظلمة وهذا يدل على أن تسعير ظلم لأن فيه احتكار للسعر فإذا سعر ولي الأمر قال لا يباع إلا بكذا فلا شك أن فيه احتكار لأن
الأشياء قد ترتفع مؤونتها ويحتاج البائعون إلى زيادة الثمن وهذا كل بيد الله ولكن في هذا تفصيل فإن كان سبب الغلاء احتكار الناس وطمعهم فإن الواجب على ولي الأمر أن نسعر وإن كان سبب
الغلاء زيادة النمو أو قلة المحصول فهذا ليس بفعل الإنسان فلا يجوز لولي الأمر أن نسعر وإنما عليه أن نوفر ما يحتاجه الناس إذا أمكنه ذلك قبل أن نقول هذا التفصيل إذا قال قائل ما دليلكم
على أنه إذا كان سبب الغلاء احتكار الناس فإنه يجوز تسعير قلنا دليل من الحديث الذي بعده عن مامل بن عبد الله رضي الله عنه الرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول أنه قال لا يحتكر إلا
خاطئ وإذا كان لا يحتكر إلا خاطئ دل هذا على أن الاحتكار حرام لأن الخاطئ مرتكب الإثم عن عمد والمخطئ مرتكب الإثم عن غير عمد ولهذا يعفى عن المخطئ ويعاقب الخاطئ قال الله تعالى في سورة
العلق ناصية كاذبة خاطئة وقال تعالى ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطعنا واسم الفاعل من أخطعنا لا مخطئ لأنه رفاع واسم الفاعل من خطئ خطئ خاطئ فالخاطئ آتم والمخطئ غير آتم إذن المحتكر
خاطئ آتم وإذا كان آتما وجب أن نرفع هذا الإثم فإذا كان سبب الغلاء احتكار الأغنياء وجب أن يسعر عليهم ولا يجوز أن تطلق لهم الحرية في الاحتكار طيب إذن التسعير فيه تفصيل إذا كان سببه
احتكار الأغنياء وجب التسعير إذا كان سببه كثة النماء أو قلة المحصول فإنه يحرم التسعير لأن هذا ليس بفعل أحد