192 - 208 فوائد من الآية (لأن لم ينته المنافقون والذين...) من سورة الأحزاب - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

ثم قال تعالى لئن لمن تهي المنافقون والذين في قلوبهم مرض إلى آخره في هذه الآية الكريمة من الفوائد شدة عناية الله عز وجل بنساء المؤمنين فإن علاقة الآية هذه بالتي قبلها ظاهرة فإن المنافقين والذين في قلوبهم مرض هم أكثر الناس تعرضا لأذية المؤمنات فلهذا أعقب الآية السابقة في هذه الآية ففيه كمال عناية الله تعالى بنساء المؤمنين ومن فوائدها الوعين الشديد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات الثلاث الذميمة النفاق ومرض القلب والإرجاف ومن فوائدها أنه إذا ظهر نفاق المنافق وتبين عداؤه فإنه يجوز أن يعامل بما يقتضيه نفاق لقوله لئن لم ينتهي لنغرينك به لنغرينك وسبق لنا البحث هل هؤلاء المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون هل انتهوا عن أعمالهم أم لا وقلنا إن في ذلك رأيين لأهل العلم وأن الأقرب من هذين الرأيين أنهم انتهوا انتهوا عن ذلك لأننا لم نرى أن الله عز وجل صلط رسوله عليهم وأغراه بهم وهذا أقرب بكثير من القول بأن الله تعالى لم يغره من باب إخلاف الوعي نعم ومن فوائد الآية الكريمة التحذير من النفاق ومرض القلب والإرجاف لأن الله توعد هؤلاء إذا لمنتهوا بأن يسلط الله رسوله عليهم ويغريه بهم وقرح هذه الصفات معلوم أما النفاق فظاهر فإنه من أرض للأخلاق لأن من الصفات التي يرتكبها المنافق أنه إذا وعد أخلف وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا أتمن خان وهذه من أرض للصفات الاجتماعية وأما الذين في قلوبهم مرض فإن مرض القلب أشد من مرض البدن لأن مرض البدن يوجب الألم الحسي الذي قد يتحمله الإنسان وأما مرض القلب والعياد بالله فإنه يوجب القلق النفسي وضياع الحياة كلها والموت المعنوي واسمع إلى قول الله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ما أكثر الأوقات التي تضيع على من غفل عن ذكر الله تضيع بلا فائدة وأنت إذا رأيت من نفسك أن أوقاتك ضائعة بلا فائدة فيجب عليك أن تلاحظ قلبك فإن هذا لا يكون إلا من غفلة القلب عندك الله ولو رأيت أو لو نظرت فيما سبق من التاريخ كيف أنتج العلماء ما أنتجوا من المؤلفات ومن فطاح العلماء الذين تخرجوا على أيديهم في أوقات قد تكون أقل من الوقت الذي عشته أنت وذلك بسبب ما ملأ الله به قلوبهم من ذكره حتى صارت أعمارهم لا يضيع منها لحظة واحدة فعليك أن تنتبه لهذا لمرض القلب وأن تبادر لمداواته لأنه إذا تفشل مرض في القلب إنساء الله العافية قد يموت ويطبع عليه فلا يحقوا حقا ولا يطلوا باطلا وأما الإرجاف وتخويف الناس المؤمنين ويلقاء الذعر في قلوبهم فهذا أيضا من الأخلاق الدميمة لأن الواجب على المرء على الأقل أن يكون موقفه موقف المحايد أما أن يذهب ويرجف بالمؤمنين ويقول عدوكم أكثر منكم ولا يمكن أن تغلبوه وأدوكم فاعل وفاعل وفاعل فإن هذا من علامات النفاق ويستفاد من الآية أنه ينبغي للإنسان أن يدخل على المؤمن ما يقوي عزيمته وينشطه سواء في الجهات في سبيل الله أو في غيره من العمل النافعة ومن فوائد الآية الكريمة أن النبي صلى الله عليه وسلم مكلف عبد يؤمر وينحو لقوله لنغرينك بهم إذن إذا لم يغره الله بهم فالواجب عليه الكف والتوقف حتى يؤذن له فيه ومن فوائد الآية الكريمة مشروعية إجلاء من بقاؤه أو من في بقائه ضر من أين تأخذ لنغرينك بهم ثم لا يجاور فيها إلا قليل وقد ثبت نحو هذا الإجلاء في الزاني إذا لم يكن محصنا فإنه يجد ماء جلده ويغرب عن وطنه أو عن البلد الذي زن فيه لمدة سنة وثبت أيضا الإجلاء في قطاع الطريق إذا أخافوا الناس ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا نفسا فإنهم ينفون من الأرض ويبعدون وثبت الإجلاء أيضا في التعزير فإن عمر بن خطاب رضي الله عنه نفى نصر بن حجاج وكان رجلا وسيما حتى إن النساء بدأنا يتغزلن به يقول القائل هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم من سبيل إلى نصر بن حجاج فأمره عمر أن يحلق رأسه حتى لا تهتتن الناس به فلما حلق رأسه صرنا يتغزلن به من وجه آه بعد الحلق فرأى عمر رضي الله عنه أن ينفى فنفاه إلى البصر وكذلك أيضا نفى الحطيئة إذن فأصل النفى والإبعاد عن الأرض ثابت في القرآن يعني دل عليه القرآن وهو قوله هم لا يجاورونك فيها إلا قليل اشتركوا في القناة