3 - 5 نور اليقين في سيرة سيد المرسلين - الدرس الثالث - الشيخ محمد بن صالح العثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ولكن لما كان إنزال القرآن عليه فيه زياد تكليف ومحن قال فاصبل لحكم ربه الدعوة سرا فقام عليه الصلاة والسلام بالأمر ودعا لعبادة الله أقواما جفاة لا دين لهم إلا أن يسجدوا رياصنام لا
تنفع ولا تضر ولا حجة لهم إلا أنهم متبعون لما كان يعبد آباؤهم وليس عندهم من مكارم الأخلاق إلا ما كان مرتبطا بالعزة والأنفة وهو الذي كثيرا ما كان سببا في الغارات والحروب وإهراق
الدماء فجاءهم رسول الله بما لا يعرفون فذو العقول السليمة بادروا إلى التصديق وخلع الأوثان ومن أعمته الرياسة أدبر واستكبر كي لا تسلب منه عظمته وكان أول من سطع عليه نور الإسلام خديجة
بنت خويل ذن زوجه وعلي بن أبي طالب بن عمه وكان مقيما عنده يطعمه ويسقيه ويقوم بأمره لأن قريشا كانوا قد أصابتهم مجاعة وكان أبو طالب مقلا كثير الأولاد فقال عليه الصلاة والسلام وكان
لعمه العباس بن عبد المطلب إن أخاك أبا طالب كثير العيال والناس بما ترى من الشدة فانطلق بنا إليه لنخفف من عياله تأخذ واحدا وأنا واحدا فانطلق وعاضا عليه الأمر فأخذ العباس جعفر بن أبي
طالب وأخذ عليه الصلاة والسلام عليا فكان في كفالته كأحد أولاده إلى أن جاءت النبوة وقد ناهز الاحتلام فكان تابعا للنبي في كل أعماله ولم يتدنس بدنس الجاهلية من عبادة الأوثان واتباع
الهواء وأجاب أيضا زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي مولاه عليه الصلاة والسلام وكان يقال له زيد بن محمد لأنه لما اشتراه أعتقه وتبناه وكان المتبنا معتبرا كب حقيقي يرث ويورث وأجابت أيضا
أم أيمن حاضنته التي زوجها لمولاه زيد وأول من أجابه من غير أهل بيته أبو بكر بن أبي قحافة بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي القرشي كان صديقا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم قبل النبوة يعلم ما اتصف به من مكارم الأخلاق ولم يعهد عليه كذبا منذ اصطحبا فأول ما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق وقال بأبي أنت وأمي أهل الصدق أنت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك
رسول الله كان رضي الله عنه صدرا معظما في قريش على سعة من المال وكرم الأخلاق وكان من أعف الناس سخيا يبذل المال محببا في قومه حسن المجالسة ولذلك كله كان من رسول الله صلى الله عليه
وسلم بمنزلة الوزير فكان يستشيره في أموره كلها وقال في حقه ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر وكانت الدعوة إلى الإسلام سرا حذرا من مفاجأة العرب بأمر شديد كهذا
فيصعب استسلامهم فكان عليه الصلاة والسلام لا يدعو إلا من يثق به ودعا أبو بكر إلى الإسلام من يثق به من رجال قريش فأجابه جمع منهم عثمان بن عفان بن عبد العاصبي أمية بن عبد شمس بن عبد
مناف الأموي القرشي ولما علم عمه الحكم بإسلامه أوثقه كتافا وقال ترغب عن دين آبائك إلى دين مستحدث والله لا أحلك حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان والله لا أدعه ولا أفارقه فلما رأى الحكم
صلابته في الحق تركه وكان كهلا يناهز الثلاثين من عمره ومنهم الزبيرون العوام بن خويرد بن أسد بن عبد العز بن قصي القرشي وهمه صفية بنت عبد المطلب إذن تكون عمت عمت رسول الله عليه وعلى
الوصول وكان عم الزبير يرسل الدخان عليه وهو مقيد ليرجع إلى دين آبائه فقواه الله بالثبات وكان شابا لا يتجاوز سن الاحتلام ومنهم عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارف بن زهرة بن كلاب القرشي
الهاشمي وكان اسمه في الجاهلية عبد عمر فسماه عليه الصلاة والسلام عبد الرحمن ومنهم سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن الزهري القرشي ولما علمت أمه حملة بنت
سفيان بن أمية بإسلامه قالت له يَا سَعْدُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ صَبَأْتْ فَوَاللَّهِ لَا يُضِلُّنِي سَقْفٌ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَإِنَّ الْطَعَامَ وَالشَّرَابَ عَلَيَّ حَرَامٌ
حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدِ وَبَقِيَتْ كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَنَّكَ فَجَاء سَعْدٌ الإطراب عن الطعام وإطراب عن استضلال أيضا إذن كان له أصل من قديم الإطراب عن الطعام ولكنه لا شك أنه من
السفة وأنه لو مات المضرب عن الطعام الشفة فقد قتل نفسه فجاء سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكى إليه أمر أمه فنزل في ذلك تعريبا قول الله تعالى في سورة العنكبوت ووصينا الإنسان
بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون وصاه جل ذكره بوالديه وأمره بالإحسان إليهما مؤمنين كانا أو كافرين أما إذا دعواه
للإشراك فالمعصية متحتمة لأن كل حق وإن عظم ساقط هنا فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ثم قال إلي مرجعكم من آمن منكم ومن أشرك فأجازيكم حق جزائكم وفي ختام هذه الآية فائدتان التنبيه على
أن الجزاء إلى الله فلا تحدث نفسك بجفوتهما لإشراكهما والحظ على الثبات في الدين لأن لا يلال شر جزاء في الأخرى قوله تعالى على أن تشرك بيما ليس لك به عنه فإن جاهده على أن يشرك به ما له
بعلم هذا لا يمكن أصلا لا يمكن لأحد أن يأتي بعلم على شريك لله عز وجل وهذا كقوله تعالى وأن تشركوا بالله ما لم ننزل به سلطانا لا يمكن وعلى هذا فيكون هذا الوصف كالتعليل للحكم كالتعليل
للحكم يعني لا تضيعهما لأنه ليس لهم علم بذلك وفي سورة لقمان قال الله تعالى وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ وَيُوَخَذْ من سورة لقمان
أنه إذا كانت أم الإنسان كافرة وأبوه مسلم كان رجل يتزوج كتابية فلمن يتبع؟
يتبع المؤمن ويحكم بإسلامه فإذا كان طفلا لم يبلغ أن يصح منه إسلام أو ردة فإنه تبع لمن؟
للمؤمن ولهذا قال العلم رحمه الله إن الولد يتبع في النسب أباه على كل حال ويتبع في الولاء أمه أصف الرق والحلية يتبع أمه ويتبع في الدين خير الأبوين صحيح هذا؟
يتبع في النسب أباه ويتبع في الحرية والرق أمه والثالث يتبع في الدين خير الأبوين وهذا واضح أما قولاً يتبع في الحرية والرق الأم فهذا يعني لو تزوج حر أمة وأتت منه بأولاد فأولاده أرق
لمالك الأم ولهذا اختار الشيخ السلام رحمه الله في أن الرجل إذا كان حراً وتزوج أمة بشرط أن يكون أولادها أحراراً فإن ذلك جائز واستدل لهذا بقول الإمام أحمد رحمه الله إذا تزوج الحر أمة
رق نصفه حساب نصفه رقيقاً على الأولاد لكن في هذا القول نظر والصواب أنه لا يجوز نكاح ولا مهلا بشرطين المذكوين في كتاب الله نعم ومنهم طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمر بن كعب بن سعد
بن تيم بن مره التيمي القرشي وقد كان عرف من الرهبان ذكر الرسول وصفته فلما دعاه أبو بكر وسمع من رسول الله ما نفعه الله به ورأى الدين متين بعيداً عما عليه العرب من المثالب بادر إلى
الإسلام وممن سبقوا إلى الإسلام صهيب الرومي وكان من الموالي وعمار بن ياسر العنسي رأيت وقد قال رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر
وكذلك أسلم أبوه ياسر وأمه سمية ومن السابقين الأولين عبد الله بن مسعود كان يرعى الغنم لبعض مشركي قريش فلما رأى الآيات الباهرة وما يدعو إليه عليه الصلاة والسلام من مكارم الأخلاق ترك
عبادة الأوثان ولزم رسول الله وكان رضي الله عنه كثير الدخول على الرسول لا يحجب ويمشي أمامه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ويلبسه نعليه إذا قام فإذا جلس أدخله ما في ذراعيه ومن
السابقين الأولين أبو ذرن الغفاري وكان من أعراب البادية فصيحا حلو الحديث ولما بلغه مبعث رسول الله قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من
السماء واسمع من قوله ثم أتني فانطلق الأخو حتى قدم مكة وسمع من قول الرسول ثم رجع إلى أبي در فقال رأيته يأمر بمكارم الأخلاق ويقول كلاما ما هو بالشعر فقال ما شفيتني مما أردت فتزود
وحمل قربة له فيها أماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه لما يعرفه من كراهة قريش لكل من يخاطب رسول الله حتى إذا أدركه الليل رآه علي
فعرف أنه غريب فأضافه عنده ولم يسأل أحد منهما صاحبه عن شيء على قاعدة الضيافة عند العرب لا يسأل الضيف عن سبب قدومه إلا بعد ثلاث فلما أصبح احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم
ولا يراه الرسول حتى أمسا فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال أما آن للرجل أن يعرف منزله الذي أضيف به بالأمس فأقامه فذهب معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان اليوم الثالث عاد
على مثل ذلك ثم قال له علي ألا تحدثني من الذي أقدمك قال إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فقال فإنه حق وهو رسول الله فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني يريق
الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل فانطلق يتبع أثره حتى دخل على النبي ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك
أمري قال والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فقام القوم فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس فأكب عليه
وقال ويلكم أولستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليه فأنقذه منهم ثم عاد من الغذي لمثلها فضربوه وثاروا إليه فأكب العباس عليه رواه البخاري كان رضي الله عنه من أصدق
الناس قولا وأزهدهم في الدنيا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصل الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال الشيخ محمد الخضر رحمه الله تعالى في
كتابه نور اليقين في سياق ذكر السابقين إلى الإسلام ومن السابقين سعيد بن سعيد بن زيد العدوي القرشي وزوجه فاطمة بنت الخطاب أخت عمر وأم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن
عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم وأبو سلمة بن عبد الله بن عبد الأسد المخزومي القرشي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج أم وزوج أم سلمة وعثمان بن مضعون
الجمحي القرشي وأخواه قدامة وعبد الله والأرقم بن عبد الأرقم المخزومي القرشي ومن السابقين الأولين خالد بن سعيد بن العاص بن يومية بن عبد شمس النوموي القرشي كان أبوه سيد قريش إذا اعتم
لم يعتم قرشي إجلالا له وكان خالد بن سعيد قد رأى في منامه أنه سيقع في هاوية فأدركه رسول الله وخلصه منها فجاء إليه وقال إلى ما تدعو يا محمد قال أدعوك إلى عبادة الله وحده لا شريك له
وأن تخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع والإحسان إلى والديك وأن لا تقتل ولدك خشية الفقر وأن لا تقرب الفاحشة ما ظهر منها وما بطن وأن لا تقتل نفسا حرم
الله قتلها إلا بالحق وأن لا تقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغا شده وأن توفي الكيل والميزان بالقسط وأن تعدل في قولك ولو حكمت على ذوي قرباك وأن توفي لمن عاهدت فأسلم رضي الله
عنه وحينئذ غضب عليه أبوه وآذاه حتى منعه القوت فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويعيش معه ويغيب عن أبيه في ضواحي مكة وأسلم بعده أخوه عمر بن سعيد وهكذا دخل هؤلاء
الأشراف في دين الإسلام ولم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف يضرب به أعلاقهم حتى يطيعوه صاغرين وليس معه ما يرغب فيه حتى يترك هؤلاء العظماء آباءهم وذوي الثروة منهم ويتبع
الرسول ليأكلوا من فضل ماله بل كان الكثير منهم واسع الثروة أكثر منه عليه الصلاة والسلام كابي بكر وعثمان وخالد بن سعيد وغيرهم والذين اتبعوه من الموالي اختاروا الأذى والجوع والمشقات
مع اتباع الرسول بحيث لو اتبعوا سادتهم لكانوا في هذه الدنيا أهدأ بالا وأنعم عيشة اللهم ليس ذلك إلا من هداية الله وسطوع أنوار الدين عليهم حتى أدركوا ما هم عليه من الضلالة وما عليه
رسول الله من الهدى مضت والسلام الذين سبقوا الإسلام ممكن الإنسان يعرف عنه بالتفصيل هنا يرجع إلى كتاب بن حجر الإصابة في تميز الصحابة نعم الجهر بالتبليغ مضت كل هذه المدة والنبي عليه
الصلاة والسلام لا يظهر الدعوة في مجامع قريش العمومية ولم يكن المسلمون يتمكنون من إظهار عبادتهم حذرا من تعصب قريش فكان كل من أراد العبادة ذهب إلى شعاب مكة يوصلي مستخفياء ولما دخل في
الدين ما يربو على الثلاثين وكان من اللازم اجتماع الرسول بهم ليرشدهم ويعلمهم اختار لذلك دار الأرقم ابن يابي الأرقم وهو ممن ذكرنا إسلامهم ومكت عليه الصلاة والسلام يدعو سرا حتى نزل
عليه قوله تعالى في سورة الحجر فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين فبدل الدعوة سرا بالدعوة جهرا ممتثلا أمر ربه واثقا بوعده ونصره فصعد على الصفاء فجعل ينادي يا بني فهر يا بني عدي لبطون
قريش فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر الخبر فجاء أبو لهاب بن بن عبد المطلب وقريش فقال عليه الصلاة والسلام أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم
مصدقي قالوا نعم ما جربنا عليك كذبا قال فإني نذير لكم بين يدي عذابي شديد فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا فأنزل الله في شأنه تبت يدى أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا
ذات لهب ومرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد والقصد من حمل الحطب المشيب النميمة لأنها كانت تقول على رسول الله الأكاذيب في نواد النساء ثم نزل عليه في سورة الشعراء وأنذر عشيرتك
الأقربين وهم بنو هاشم وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس أولاد عبد مناف واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك أي العشيرة الأقربون فقل إني بري مما تعملون فجمعهم عليه الصلاة
والسلام وقال لهم إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة والله
لتموتن كما تنامون ولا تبعثن كما تستيقظون ولا تحاسبن بما تعملون ولا تجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا فتكلم القوم كلاما لينا غير عمه أبي لهب الذي كان
خصما لدودا فإنه قال خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم فقال أبو طالب والله لنمنعنه ما بقينا ثم انصرف الجمع ولما جهر رسول الله عليه
الصلاة والسلام بالدعوة سخرت منه قريش واستهزأوا به في مجالسهم إن أقول في هذا حكمة أن أعمامه انقسموا ثلاثة أربعة شخصان كافر ومسلم والكافر قسماء عدو لدود وصديق حميم فأبو لهب عدو لدود
وأبو طالب صديق حميم مدافع ناصر أما المسلم فهم أيضا قسماء قسم تأخر إسلامه ولم يكن له سابقة وهو العباس ابن عبد المطل وآخر تقدم إسلامه وكان له سابقة وأبلى بلاء حسما وقتل شهيدا وهو حمز
وهذا من حكمة الله عز وجل أن جعل أعمامه انقسموا هذه الأقسم الأربعة مسلم سابق ومسلم دونه وكافر لدود وكافر صديق نعم ولما جهر رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدعوة سخرت منه قريش
واستهزأوا به في مجالسهم فكان إذا مر عليهم يقولون هذا ابن أبي كبشة يكلم من السماء وهذا غلام عبد المطلب يكلم من السماء لا يزيدون على ذلك فلما عاب آلهتهم وسفها عقولهم وقال لهم والله
يا قوم لقد خالفتم دين أبيكم إبراهيم ثارت في رؤوسهم حمية حمية الجاهلية غيرة على تلك الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم فذهبوا إلى عمه يا بي طالب سيد بني هاشم الذي أخذ على نفسه حمايته من
أيدي أعدائه فطلبوا منه أن يخلي بينهم وبينه أو يكفه عما يقول فردهم رداً جميلاً فانصرفوا عنه ومضى رسول الله لما يريده لا يصده عن مراده شيء فتزايد الأمر وأضمرت قريش الحقد والعداوة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحث بعضهم بعضاً على ذلك ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وقالوا له إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً منا وإنا قد طلبنا منك أن تنهبنا أخيك فلم تنههم عنا وإنا
والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه عقولنا وعيب آلهتنا فإنهم كانوا إذا احتجوا بالتقليد في استمرارهم على عدم اتباع الحق ذمهم لعدم استعمالهم عقولهم فيما خلقت له قال تعالى في
سورة البقرة وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباءهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون وقال في سورة المائدة وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل
الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباءهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون وقال في سورة لقمان وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا
أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير وقال في سورة الزخرف في بيان حجته مداحضة قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ولما شبههم بمن قبلهم من الأمم في هذه
المقالة الدالة على التعصب والعناد قالا ولو جئتكم بأهدا مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فلما تمسكوا بحجة التقليد لآبائهم جر ذلك إلى وصف آبائهم بعدم العقل وعدم
الهداية فهاج ذلك أضغانهم وقالوا لي أبي طالب إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ثم انصره فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلان ابن أخيه فقال له يا
ابن أخي إن القوم جاءوا لي فقالوا لي كذا فأبقي على نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن الرسول أن عمه خاذله فقال والله يا عمي لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك
هذا الأمر ما فعلت حتى يظهره الله أو أهلك دونه ثم بكى وولى فقال أبو طالب أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال اذهب فقل ما أحببت والله لا أسلمك الله أكبر سبحان الله إلى هذا الحال ونك
للشقاء ونعذب الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال شيخ محمد الخضر رحمه الله تعالى في كتابه نور
القين الإذا ورى رسول الله من المشركين كثير الأذى وعظيم الشدة خصوصا إذا ذهب إلى الصلاة عند البيت وكان من أعظمهم أذى لرسول الله جماعة سموا لكثرة ياذاهم بالمستهزئين فأولهم وأشدهم أبو
جهل عمر بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي قال يوما يا معشر قريش إن محمدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم وتسفيه أحلامكم وسب آبائكم إني أعاهد الله لا أجلسن له غدا بحجر لا
أطيق حملة فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك ومنعوني فليصنع به بعد ذلك بنوا عبد مناف ما بدا لهم فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله ينتظره وغدا عليه الصلاة
والسلام كما كان يغدو إلى صلاته وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل فلما سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه من الفزع
ورما حجره من يده فقام إليه رجال من قريش فقالوا ما لك يا أبا الحكم قال قمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني فلما ذكر ذلك
لرسول الله قال ذاك جبريل ولو دنا لأخذه وكان أبو جهل كثيرا ما ينهى الرسول عن صلاته عند البيت فقال له مرة بعد أراه يصلي ألم أنهك عن هذا فأغلظ له رسول الله القول وهدده فقال أتهددني
وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فأنزل الله تهددنا له في آخر سورة قرأ كلا لن ينتهي نسفعا بالناصية كاذبة خاطئة فليدعو ناديه سندعو الزبانية كلا لا تطعه وسجد واقترب ومن أذيته للرسول ما حكاه
عبد الله بن مسعود من رواية البخاري قال كنا مع رسول الله بالمسجد وهو يصلي فقال أبو جهل ألا رجل يقوم إلى فرث جزور بني بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد فقام عقبة بن وابي معيط بن أبي
عمر بن أمية بن عبد شمس وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فلم يقدر أحد من المسلمين الذين كانوا بالمسجد على إلقائه لضعفهم عن مقاومة عدوهم ولم يزل عليه
الصلاة والسلام ساجدا حتى جاءت فاطمة بنته فأخذت القذر ورمت فلما قام دعا على من صنع هذا الصنع القبيح فقال اللهم عليك بالملأ من قريش وسمى أقواما قال ابن مسعود فرأيتهم قتلوا يوم بدر
ومما حصل لرسول الله مع أبي جهل أن هذا ابتاع أجمالا من رجل يقال له الإراشي فمط له بأثمانها فجاء الرجل مجمع قريش يريد منه مساعدة على أخذ ماله فدلوه على رسول الله لينصفه من أبي جهل
استهزاء لما يعلمونه من أفعال ذلك الشقي بالرسول فتوجه الرجل إليه وطلب منه المساعدة على أبي جهل فخرج معه حتى ضرب عليه بابه فقال من هذا؟
قال محمد فخرج منتقعا لونه فقال له الرسول أعطي هذا حقه فقال أبو جهل لا تبرح حتى تأخذه فلم يبرح الرجل حتى أخذ أخه حتى أخذ دينا فقالت قريش ويلك يا أبا الحكم ما رأينا مثل ما صنعت قال
ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي حتى سمعت صوته فملئت منه عباء ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط لو أبيت أو تأخرت لا كلني ومن جماعة المستهزئين أبو لهب بن
عبد المطلب عم رسول الله كان أشد عليه من الأباعد فكان يرمي القدر على بابه لأنه كان جارا له فكان الرسول يطرحه ويقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا وكانت تشاركه في قبيح عمله زوجه أم جميل
بنت حرب بن أمية فكانت كثيرا ما تسب رسول الله وتتكلم فيه بالنمائم وخصوصا بعد أن نزل فيها وفي زوجها سورة أبي لهب ومن المستهزئين عقبة بن أبي معيط كان الجار الثاني لرسول الله وكان يعمل
معه كابي لهب صنع مرة وليمة ودلع ودعا لها كبراء قريش وفيهم رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام والله لا آكل طعامك حتى تؤمن بالله فتشهد فبلغ ذلك أبي ابن خلف الجمحي القرشي وكان صديقا
له فقال ما شيء بلغني عنك قال لا شيء دخل منزلي رجل شريف فأبا يأكل طعامي حتى أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له قال أبي وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطع عنقه
وتبزق في وجهه وتلطم عينه فلما رأى عقبة رسول الله فعل به ذلك فأنزل الله فيه سورة الفرقان ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم اتخذ فلانا
خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ومن أشد ما صنعه ذلك الشقي برسول الله ما رواه البخاري في صحيحه قال بينما النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن
أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول الله فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذه بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقالا تقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم
ومن جماعة المستهزين العاص بن وائل السهمي القرشي والد عمر بن العاص كان شديد العداوة لرسول الله وكان يقول غر محمد أصحابه أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر فقال الله ردا
عليه في دعواه في سورة الجاثية وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إنهم إلا يظنون وكان عليه دين لخباب بلرت أحد رجال المسلمين فتقاضاه
إياه فقال العاص أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما يبتغي أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم قال خباب بلى قال فأنظرني إلى هذا اليوم فسأوتى ما فسأوتى مالا وولدا
وأقضيك دينك فأنزل الله في سورة مريم أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقول وقال لأتين مالا وولدا أطلع الغيبام اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول
ويأتينا فردا ومن جماعة المستهزئين الأسود بن عبد يغوث الزهري الزهري القرشي من بني زهرة أخوال رسول الله كان إذا رأى أصحاب النبي مقبلين يقول قد جاءكم ملوك الأرض استهزاء بهم لأنهم
كانوا متقشفين وكان يقول لرسول الله سخرية أما كل أما كل يوم من السماء ومنهم الأسود بن المطالب الأسدي بن عم خديجة كان هو وشيعته إذا مر عليهم المسلمون يتغامزون وفيهم يزل في سورة
المطففين إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء نضالون ومنهم الوليد بن المغيرة عم أبي جهل
كان من عظماء قريش وفي سعات من العيش سمع القرآن مرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقومه بني مخزوم والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن وإن
له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإن له يعلو وما يعلى فقالت قريش صبأ والله الوليد لتصبأ أن قريش كلها فقال أبو جهل أنا أكفيكموه فتوجه وقعد إليه حزينا وكلمه
بما أحماه فقام فأتاهم فقال تزعمون أن محمد المجنون فهل رأيتموه يهوس وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط وتزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه
شيئا من الكذب فقالوا في كل ذلك اللهم لا ثم قالوا فما هو فكر قليلا ثم قال ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فارتج النادي فرحا فأزل الله في شأن الوليد في
سورة المدثر مخاطبا لرسوله ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم
قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وأنزل فيه أيضا في سورة نون ولا تطع كل حلاف كثير الحلف وكفى بهذا زاجرا لمن
اعتاد الحلف مهين حقير وأراد به الكذاب لأنه حقير في نفسه هماز عياب طعان مشاء بنميم ينقل الأحاديث للإفساد بين الناس مناع للخير معتد أثيم عتل غليظ جاف بعد ذلك زنيم دخيل أن كان ذا مال
وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين سنسمه على الخرطوم كناية عن الإذلال والتحقير لأن الوجه أكرم عضو والأنف أشرف ما فيه ولذلك اشتقوا منه كل ما يدل على العظمة كالأنفة
كالأنفة وهي الحمية فالوسم على أشرف عضو دليل الإذلال والإهانة والمناسبة أيضا أن الخرطوم منه يخلج الكلام فكان من المناسب أن يكون العذاب على ما حصل به الجر ونظر هذا قول النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم وينل الأعقاب من النار لما حصلت المخالفة فيها في الوضو وقوله ما أسفل من الكعبين ففي النار لما حصلت المخالفة فيما نزل عن الكعبين المهم أنه ذكر الخرطوم لأنه المحل
الذي حصلت به المعصية نعم ومن المستهزئين النظر بن الحارث العبدري من بني عبد الدار بن قصي كان إذا جلس رسول الله مجلسا للناس يحدثهم ويذكرهم ما أصاب من قبلهم قال النظر هل إم يا معشر
قريش فإني أحسن منه حديثا ثم يحدث عن ملوها كفارس وكان يعلم أحاديثهم ويقول ما أحاديث محمد إلا أساطير الأولين وفيه نزل في سورة لقمان ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله
بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آياتنا ولا مستقبرا كان لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشروا بعذاب أليم وكل هؤلاء انتقم الله منهم كما قال تعالى في التنزيل في
سورة الحجر إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون وقد وضع الله جل ذكره الوعد في سورة الماضي للتحقق من وقوعه لأن الآية مكية وهلاك هذه الفئة كان بعد الهجرة
فمنهم من قتل كأبي جهل والنظر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ومنهم من ابتلاه الله بأمراض شديدة فهلك منها كأبي لهب والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة العاقبة المتقين ولنا الحمد بسم الله
الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله لبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين قال الشيخ محمد الفضر رحمه الله تعالى في كتابه نور اليقين فأمسك عتبة بفيه
ولا شده الرحم أن يكف عن ذلك فلما رجع عتبة سألوه فقال والله لقد سمعت قولا ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة ولا بالسحر يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها بي خلوا بين الرجل
وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله لا يكونن لكلامه الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فعزه عزكم فقالوا لقد سحرك محمد فقال هذا رأيي ثم عرضوا عليه بعد ذلك
أن يشاركهم في عبادتهم ويشاركوه في عبادته فأنزل الله في ذلك قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم
وليدين فلا تتوهموا أني أجيبكم لطلبكم من الإشراك بالله فهذه السورة كما رأيتم فيها تكرار جنب فقيل إن هذا من باب التوكيد والتوكيد في هذا الأمر مهم لأنه عظيم وقيل إنه لا تكرار وأن
بعضها في نفي المعبود وبعضها في نفي العبادة لا أعبد ما تعبدون أي من تعبدون من الأسلام وغيره ولا أنتم عابدون ما أعبد يعني الله ولا أنا عابد ما أعبدتم يعني لا أعبد كعبادته وكذلك
الجملة الأخرى والقاعدة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين أن يكون تأكيدا أو تأسيسا حمل على أنه تأسيس لأن هذا هو الأصل قال الله تعالى كلا إذا دكت الأرض دكا دكا هل الثاني التوكيد الأولى
لا لكن المعنى دكا بعد دك فيكون الثاني غير الأول وكذلك صفا صفا أي صفا بعد صف والقاعدة كما قلنا أنه إذا تكرر الكلام ودار بين أن يكون تأكيدا أو تأسيسا حمل على التأسيس نعم فأيسوا منه
وطلبوا بعد ذلك أن ينزع من القرآن ما يغيظهم من ذنب الأوثان والوعيد الشديد فيأتي بقرآن غيره أو يبدله فأنزل الله جوابا لهم في سورة يونس قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع
إلا ما يوحى إليك وقد حصل له مع كفار قريش نادرة تكون لمن استهان بالضعيف كمسباح يستضيء به وهو أنه بينما الرسول عليه السلام مع كبراء قريش وأشرافهم يتألفهم ويعرض عليهم القرآن وما جاء
به من الدين إذ أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وهو ممن أسلموا قديما والنبي مشتغل بالقوم وقد لقي منهم مؤانسة حتى طمع في إسلامهم فقال له عبد الله يا رسول الله علمني مما علمك
الله وأكثر عليه القول فشق ذلك على الرسول وكره قطعه لكلامه وخاف عليه السلام أن يكون الكفاته لذلك المسكين ينفر عنه قلب أولئك الأشراف فأعرض عنه فعاتبه الله على ذلك بقوله في أول سورة
عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك أن لا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى فما عبس رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعدها في وجه فقير وكان إذا أقبل عليه عبد الله بن أم مكتوم يقول له مرحبا بمن عات بني فيه ربي قال الله عز وجل عبس وتولى أن جاءه الأعمى وهو يعني النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم ولم يجابه بالخطاب لم يقل عبست وتوليت لكن لما أرى للتوجيه وجهه بالخطاب فقال وما يدريك لعله يزكى ولا شك أن في هذا من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متأولا لأنه واثق من عبد الله بن أم مكتوم رجل مسلم وطامع في إسلام هؤلاء ولكن من حكمة الله أن الله عاتب لأن في هذا مصلحة عظيمة حتى لهؤلاء الكبراء
حتى لا يحدث عنفسهم أنه لو جاء أكبر منهم لا إيش لا أعرض عنهم وأقبل عليهم فعاتبه الله عز وجل لذلك لكن هذا الاعتاب اللطيف عبس وتولى أن جاءه الأعمى وأما قوله وما عليك ألا يزكى فالمعنى
أنه ليس عليك من أمرهم شيء إذا لم يتذكر ويسلموا نعم وللمارى المشركون أن هذه المطالب التي يعرضونها لا تقبل منهم أرادوا أن يدخلوا في باب آخر وهو تعجيز الرسول بطلب الآيات فاجتمعوا
وقالوا يا محمد إن كنت صادقا فأرنا آية نطلبها منك وهي أن تشق لنا القمر فرقتين فأعطاه الله هذه المعجزة وانشق القمر فرقتين فقال رسول الله اشهدوا وهذه القصة رواها عبد الله بن مسعود وهو
من السابقين الأولين رويت عنه من طروق كثيرة ورواها عبد الله بن عباس وغيره ورواها عنهم جمع غزير حتى صار الحديث كالمتواتر وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى أول سورة القمر اقتربت
الساعة وانشق القمر فحينما رأى المعاندون هذه الآية القبرى قال بعضهم لقد سحرهم ابن أبي كبشة فأنزل الله فيهم وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ثم سألوا الرسول بعد ذلك آيات لا
يقصدون بذلك إلا التعنت والعنات فمنها أن قالوا كما في سورة الإسراء لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا ذكره رحمه الله
أنهم قالوا ألنا من شقاق القمر وأظن هذا لا يسر لأن المعروف أن الكفار إذا رأوا إذا طلبوا آية معينة وأتتهم فإنه يحق عليهم العذاب وما قوله تعالى ولو أنزل ملكا لقضي الأمر لكنهم طلبوا
آية قالوا ألنا آية فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين إحداهما على الصفا والثاني على المروح ولكنهم مع ذلك قالوا هذا سحر مستمر وليا ذلك وقد أنكر بعض معصرين الانشقاء وقال إن الأفلاك
السماوية لا يمكن أن تتغير إلا أن تتهاى الدنيا وقالوا إنه لم تتحدث عنه الكتب القديمة ثم قالوا هي معنى الآية إن شق القمر أيبان ضياء الإسلام ولكن هذا تحريف تحريف للكلمة عما وضعه
المراد بالشقاط القمر القمر المعروف وكون الناس لم يتحدثوا عنه مع أنه حدث عظيم إما لأنه صادف أنه ليس في واجهة الأرض التي هم عليه وهذا ممكن واللغن ممكن ممكن ممكن أو إذا كانوا على ظهر
الأرض التي يواجهها القمر فقد تكون هناك غيوم تمنى من هذه الرؤية من رؤيته ولابد ولا يمكن أن نحذف كلام الله الذي هو كالصريح والأحاديث التي هي صريح في شق القمر من أجل أن هؤلاء لن
نذكروه مع أنه حدث عظيم وأما قولهم إن الأفلاك السماوية لا تقبل الانفكاك أو ما أشبذلك فهذا هراء لا قيمة له في الواقع لأن من خلق الأجرام السماوية الله عز وجل وهو قادر على أن يغيرها
كما شاء فالحاصل أن انشقاق القمر حسي حقيقي والله تعالى على كل شيء قدير لكن هم مع وجود هذه الآية أعرض وقالوا سحر مستمر نعم ثم سألوا الرسول بعد ذلك آيات لا يقصدون بذلك إلا التعنت
والعناد فمنها أن قالوا كما في سورة الإسراء لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخين وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو
تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرأه ولم يجبهم الله إلا بقوله قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا لأن الله
علم ما تكنه جوانحهم من التعصب والعناد فلا يؤمنون مهما جاءهم من البينات كما قال جل ذكره في سورة الأنعام وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وكيف يرجى الخير ممن قالوا كما في سورة
الأمثال وكيف يرجى الخير ممن قالوا كما في سورة الأنفال اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا
إليه وهذه سنة من سنن الأنبياء إذا رأوا من قلاب الآيات عنادا وأنهم يطلبونها تعجيزا لا يسألون الله إن فاذ هذه الآيات كي لا يحل بقومهم الهلاك كما حصل لعادٍ وثمود وغيرهم وهذا هو المراد
من قوله تعالى في سورة الإسراء وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وقد حصل للمسيح عليه السلام أنه لما وقف أمامه رودس طلب منه آيةً فلم يجبه إلى طلبه فلما رأى ذلك سخر منه
ورده إلى عدوه بيلاطس بعد أن كان يأسف عليه ويتمنى لقاءه وذلك مذكور في الإصحاح الثالث والعشرين من إنجيل نوقى هذا ولما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان التحال على هذا
الإنجيل من أجل إقامة الحجة على من يؤمنون به هو لا يؤمنون بالقرآن ولا حرج الإنسان أن يأتي بالدليل ممن لا يمكنه رده أما من ذهب يطال الأنجيل للإطلاع عليها فإن ذلك لا يجوز أو للإستجاع
بها فهذا أقبح وأقبح لأن القرآن كافٍ عن كل شيء لما رأى المشركون ضعفهم عن مقاومة المسلمين بالبرهان تحولوا إلى سياسة القوة التي اختارها قوم إبراهيم عندما عجزوا عنه حيث قالوا حرِّقوه
ونصُرُّه ونصُرُّه ونصُرُّوا آلِهَتَكُمْ كما في سورة الأنبياء أما هؤلاء فازدادوا بالآذى على كل من أسلم رجاء صدِّهم عن اتباع الرسول عليه السلام ولم يترُّكوا بابًا إلا ولجوه فقال عليه
السلام لأصحابه تفرَّقوا في الأرض فإن الله سيجمعكم فسألوه عن الوجهة فأشار إلى الحبشة هجرة الحبشة الأولى فعند ذلك تجهَّز ناسٌ للخروج من ديارهم وأموالهم فرارًا بدينهم كما أشار عليه
السلام وهذه هي أول هجرةٍ من مكة وعدَّة أصحابها عشرة رجالٍ وخمس نسوة وهم عُثمان بن عفان وزوجه رُقَيَّة بنت رسول الله وأبو سلمة وزوجه أم سلمة وأخوه لأمه أبو سبرة بن أبي رهم وزوجه أم
كلثوم وعامر بن ربيعة وزوجه ليلى وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة وزوجه سهلة بنت سهيل وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن مضعون ومصعب بن عمير وسهل بن البيضاء والزبير بن العوام وجلهم من قريش
وكان عليهم فيما روا بن هشام عثمان بن مضعون فساروا على بركة الله ولما انتهوا إلى البحر استأجروا سفينةً أوصلتهم إلى مقصدهم فأقاموا آمنين من أذن يلحق بهم من المشركين ولم يبق مع النبي
صلى الله عليه وسلم إلا القليل إسلام عمر وفي ذلك الوقت أسلم الشهم الهمام عمر بن الخطاب العدوي القرشي بعدما كان عليه من كراهية المسلمين وشدة أذاهم قالت ليلة إحدى المهاجرات لأرض
الحبشة مع زوجها كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا فلما ركبت بعيري أريد أن أتوجه إلى أرض الحبشة إذا أنا به فقال لي إلى أين يا أم عبد الله فقلت قد آذيتمونا في ديننا
نذهب في أرض الله حيث لا نؤذى