186 - 295 - تفسير الآية ( وكلوا مما رزقكم الله...) من سورة المائدة - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً كلوا في الأمر وهو في معناه مشترك بين الإباحة وبين الوجوب وبين الند فمن توقفت حياته على الأكل فأكله واجب ومن احتاج ولكن لا ضرورة فأكله مستحق ومن كان لا يحتاج ولا يزرق من الطر فالأمر للإباحة كلوا مما رزقكم الله أي مما أعطاكم حلالاً أي حال كونه حلالاً أي محللاً فهو مصدر بمعنى اسم المفعول طيباً أي لا خبيثاً وهل الوصف هنا وصف ملازم يعني لأن كل حلال طيب أو المعنى حلالاً طيباً في كسبه فالمعنى أنه حلال في ذاته طيب في كسبه الثاني أولاً لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام مؤسساً أو مؤكداً فحمله على أن يكون مؤسساً أو لا فنقول حلالاً أحله الله طيباً أي من حيث الكسب واتقوا الله أي يلزموا تقوى الله عز وجل الذي أنتم به مؤمنون هذا من باب الحث على التقوى يعني ما دمتم مؤمنين بالله عز وجل فاتقواه وفي قول الذي أنتم به مؤمنون جملة اسمية تدل على الثبوت يعني أنه قد تقرر عندكم الإيمان بالله فإذا كان كذلك فابتقوا الله في هاتين الآجتين فوائد منها النهي عن تحريم طيبات ما أحمد الله لقوله يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحمد الله لكم وهذا التحريم هل يعموا الأقسام الثلاثة التي ذكرناها نعم يعمها لكن بعضها أشد من بعض فالتحريم الإنشائي أشدها لأنه مشارك لله في حكمه والتحريم الخبري محرم لأنه كذب والتحريم الامتناعي أيضا محرم لأن الله نهى عنه قال يا أيها النبي لأن الله عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام عليه في قوله يا أيها النبي لما تحرم ما أحلى الله لك ولأن النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم قال من كان حارفا فليحرف الله أو ليصمد ومن فائد الآية التي تليها أمر الإنسان بالأكل مما رزق الله ضده عدم الأكل عدم الأكل مما رزق الله ثلاثة قسام الأول أن يترك الأكل مع خوف الهلاك إذا لم يأكل فهنا ترك الأكل حرام لأنه يجب على الإنسان أن ينكذ نفسه وبهذا نعرف سفها أولئك الذين يضربون عن الطعام نعرف سفهم في عقولهم وضلالهم في دينه بعضهم يضرب عن الطعام حتى يحمل إلى المستشفى كالميت هذا حرام لا شك في هذا وإذا كان ليس به ضرورة للأكل لكنه يحتاج للأكل لتقوية البدن فهنا الأكل مستحب لأنه لو تركه لم يهلك لكنه في حاجة نقول لا تمنع نفسه والثالث إيش أن يترك الأكل تنزها فهذا ينهى عنه ينهى عنه ويقال كل مما أبع الله لك بعض الناس لا يأكل من طيب الطعام تزهدا وورعا فماذا نقول عنه نقول هذا خطأ أفضل الخلق محمد عليه الصلاة والسلام كان يختار طيب من الطعام أليس قد جاءوا له بالتمد الطيب بدل تمر الردي بل ومع ذلك من ههم ما قل ليش تأتون لي بالطيب بل أرشدهم إلى أن يأتوا بالطيب لكن بطريق مباح فتنزه بعض الناس عن الطيبات تورعا وتزهدا نقولها أنت الآن مجانب للوراء لأن الوراء اتباع الشر الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة واتباع الشر مما ينفع في الآخرة فأنت الآن لا زاهد ولا ودع نعم لو فرض أن الإنسان بصفة خاصة يجد من نفسي أنه لو اختار الطيبات لحصل الأشر والبطر فهنا قد نقول إيش أترك الطيبات لألا يعتصاد بالأشر والبطر لكننا نعالجه قبل ذلك بعلاج آخر نقول لا يجوز أن يحملك التمتع من نعم الله على الأشر والبطر فإن عجزت وأبيت إلا أن يحملك نحن نقول ألا أترك لأن الحقيقة بعض الناس إذا لبست ثياب الزينة المشلح الزين الغطرة الزينة نعم انتفخ وصار فيه علو واستكبار هذا نقول له أترك هذا نقول له لا نقول أتركها بينما نقول لا أتكبر لكن نقول لها أنا أجز نأمر أولاً لا أتكبر لكن إذا قال أنا أعجز نقول الحمد لله أترك هذه لمن لا يتكبر إذا لبسها ولكن هذا علاج خاص كما أننا نعالج الإنسان الذي يتأثر بأكل الطيبات من جهة أخرى فنقول اتركها ودعني من لا يتأثر بها من فوائد هذه الآية الكريمة أنه يجب على الإنسان أن يكون مأكله طيبا لقوله تعالى حلالا طيبا فالكسب الحرام وإن كان في ذاتها حلالا يعني مثل الكسب دراهم دراهم الأصل فيها أنها اكتساب حلال فإذا كسبها بحرام قلنا هي حرام عليك يحرم عليك أن تأكل منها لماذا؟ لأنها ليست طيب ولهذا قال نبي صلى الله عليه وسلم من تصدق بطيب ولا يقبل الله إلا الطيب قول بطيب يعني بطيب في كسبه وفي ذاته فإن الله يقبل هذه الصدقات إذا كان المال محرما لكسبه فهل يحل لغير الكاسب إذا اكتسبه بطريق مباح الجواب نعم وهذه القاعدة دل عليها أن النبي صلى الله عليه وعليه وسلم أكل من طعام اليهود وهم معروفون بإيش بأكل الربع والسحر الرشوة وأكل منه لأنه يأكل بطريق مباح بالإذن أذن له في ذلك أو أهدي إليه إلا إذا علمت أن هذا المال هو عين مال رجل آخر كالسارع إذا سرق شاتاً ولبحها لك ضيافاً ومتعرف أنه سرقاً فهنا لا يجوز أن تأكلها لأن هذا محرم لعينه يعني العين من حيث أن هذا الكاسب لم يملك هذه العين لم يملكها فلا يجوز أن تأكلها لكن لو يدعوك إلى وليمة من عُرِك بأن ماله كله حرام اكتسبه عن طريق الرباء الصريح أو عن طريق الرباء الذي تُخِذ في الحيلة فهل لك أن تأكل منه؟ نعم لأنا أكل منه إلا إذا علمت أنني إذا امتنعت من إجابة دعوته وأكل طعامه صار ذلك سبباً لتوبته فحينئذ نعم لا يجوز أن أجيبه ولا يجوز أن أكل من طعامه لأنه إذا رأى الناس قد هجهوه فلا يجيبون دعوتهم ولا يكونوا طعامه أشك أن هذا سيؤثر عليه إلا أن يكون قلبه ميتا ومن فائد الآية الكريمة أن الإيمان بالله عز وجل مستلزم لتقواه لقوله إيش وابتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون أي فلإيمانكم يزمكم التقوى فالإيمان الحقيقي مستلزم للتقوى فمن قال إنه مؤمن ولكنه لم يتق الله فهو إما فاقد الإيمان بالكلية وإما ناقص الإيمان فإن قال قائل إنه يفعل المعاصر وإذا قيل له يا فلان اتق الله لا تعص الله قام يضرب على صدره ويقول التقوى هاهنا التقوى هاهنا ماذا نقول له نقول هذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك فيه وليس عن جنا في هذا شك ولكن لو اتقى ما هاهنا لاتقت اليد والرجل والعين واللسان لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب فلو كان فيما ها هنا تقوى لظهر ذلك على جوارحه