183 - 295 - تفسير الآية ( فأثابهم الله بما قالوا جنات...) من سورة المائدة - الشيخ ابن عثيمين

فتح على يوتيوب

التفريغ النصي

قال الله تبارك وتعالى فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحت النار أثابهم بمعنى أعطاهم ثوابا والثواب مكافأة العامل في عمله قال الله تعالى هذوا بل كفار ما كانوا يفعلون وقولوا بما قالوا أي بسبب قولهم وهو آمنا فاكتود مع الشاهدين وما لا نؤمن بالله إلى آخر وقوله تقدمنا والباء في قوله بما قالوا للسببين وما يحتمل أن تكون مصدرية ويحتمل أن تكون موصولا فإن جعلناها مصدرية صار التقدير أثابهم الله بقولهم وإذا جعلناها سما موصولا صار التقدير أثابهم الله بالذي قالوا وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول وهو هنا محذوف والتقدير بما قالوا وقوله جنات تجري من تحت النار جنات هنا جمع جنة والله سبحانه وتعالي وعبر عنها أحيانا بالجنة مفردة وأحيانا بجنات فأما إذا عبر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس وإذا عبر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع جنتان وجنتان وفي الحديث جنتان من ذهب آنيتهم وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهم وما فيهما وقوله نعم جنات إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي أن الجنات هي البساتين وكثيرة الأشجار وسميت بذلك لأن أشجارها تجن أرضها أي تسترها لكثرتها وانتشارها لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم وتصوروا أنها من جنس فساتين الدنيا ولهذا نقول في تفسيرها إنها الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير وقولوا تجري من تحتها الأنهار أي من تحت قصورها وأشجارها وليس المراد من تحت أرضها لأن من تحت أرضها لا يستفد منه لكن من تحت أشجارها وقصورها ولأنهار جمع نهر وهي أربعة ذكرت في سورة محمد في قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسل وأنهار من لبن لم يتغير طعم وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض الماء في الأرض يخرج بحفر الأبار أو بالأمطار والصينة لكن في الجنة ليس هكذا أنهار تجري بغير أخدود وبغير حفر سواقي بل بقدرة الله عز وجل أنهار من لبن لم يتغير طعمه ليس من بقر ولا من عبل ولا من غنم بل هي أنهار خلق الله عز وجل من هذا أنهار من خمر ليس عصير عنب ولا شعير ولا غير ذلك بل هو مخلوق هكذا وأنهار من عسل من نحل لا عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارا يجري في الجنة هذه أربعة عنواع من الأنهار مما ذكر الله لنا تجري من تحجي أنهار خالدين فيها الخالد هو الباقي والأصل في الخلود البقاء الدائم هذا الأصل قد يؤكد أحياناً بكلمة أبد وقد لا يراجبه الأبد الدائم بقريمة انتبه الخلود إذن هو الأصل إيش البقاء الدائم قد يؤكد بالأبدية وقد لا يراجبه الأبدية فأما ما يؤكد بالأبدية فهو كثير في القرآن لا في أهل الجنة ولا في أهل المر وأما ما لا يراجب التبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً فهنا خالداً ليس المرد التعبيد لأن قتل المؤمن عمداً لا يخرج من الإيمان اللهم إلا من استحله فمن استحله فوكافر باستحلاله لا بقتله لأن من استحله قتل المؤمن فوكافر سواء قتل أو من يقتل المهم يجعل لبانك أن الخلود إيش البقاء الدائم قد يؤكد بالأبدية وقد لا يراجب الأبد لجليل خالدنا فيها وذلك المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات جزاء المحسنين أي مكافأته على عملهم والمحسن يعني من أحسن في عبادة الله ومن أحسن إلى عباد الله أما الإحسان في عبادة الله فقد فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك فجعل للإحسان مرتبتي الأولى أن يعبد الله كأنه يراه وهذه عبادة رغبة عبادة رغبة لأن الشيء الذي تراك ترغب فيه وتطلقه فإن لم تكن تراه يعني إن لم تصل إلى هذه الحال فإنه يراك أي فاعبده خوفاً منه وهرباً من عقابه فجعل النبي عليه الصلاة والسلام من الإحسان هاتين المرتبتين أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم بالمال والبدن والجاح وغير ذلك فهو بذل المعروف فمن أعطاك درهماً فهو محسن ومن بش في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسن ومن شفع لك في أمر فهو محسن إذن الإحسان يكون في عبادة الله ويكون في معاملة عباد الله وثم قال تعالى فأثابهم الله إلى أخه في هذه الآية الكريمة بيانوا فضل الله عز وجل حيث أثاب هؤلاء الذين منع عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم ومن فائده من فائدها إثبات الأثبات في قوله فيما قال جنات فإن قال قائل كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها وقول النبي صلى الله عليه وسلم لن يدفل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمتي فنفى أن يقفل أحد الجنة بعمله مع النصوصة كثيرة في أن العمل يدخل به لسال الجنة فالجواب أنه قال الباء تكون للسببية أحيانا وتكون للعوض أحيانا فإذا قلت بعت عليك هذا الثوب بدرهم فالباء للعوض ولا يمكن أن تكون للسببية وإذا قلت أكرمتك بما أكرمتني صارت للسببية فالمنفي هو أن تكون الباء للعوض ليدخل أحد الجنة بعمله يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع لا يمكن هذا لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه إيش تحيط بأعمالنا كلها بل إن عمل توفيقنا للعمل الصالح يا أخوانا نعمة تحتاج إلى شكر فإذا لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة وأصلا الله يدخل وإياكم إياها لا يمكن أن يكون عوضا عن العمل لكن يكون سببا يكون سببا وبهذا الجم يزول الإشكال واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدا فإما أن لا يكون تعارض وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدل أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض أو بين كلام الله وما صح من سنة الرسول أو بين سنة الرسول بعضها بعض فهذا مستحيل ومن فائد هذه الآية إثبات الجنة وأنها أنواع لقوله جنات ومن فائدها أن الجنة ذات أنهار مضطردة تحت هذه القصور والأشجار ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج الساق أبدا لأن الجنة فوق ما ندرك كما قال الله عز وجل فلا تعلم نفس ما أغفى لهم من قرة أعين جزائلا بما كانوا يعملون وهذا في القرآن وكما قال تعالى أعددت العباد الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب البشر وهذا في الحديث القدسي ومن فائد هذه الآية أن الأنهار في الجنة أنواع للجنة الأنهار وقد مر على التفسير أنواعها من فوائدها أن نعيم الجنة دائم لقوله خالدين فيها وقد قررنا أن الخلود هو ما هو المكثة الطويل المكثة الدائم إلا بدليل ومن فوائد العادة الكريمة الحث على الإحسان لقوله وذلك جزاء المبسلين الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله ولا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك يوجه الطلب ومن فوائد هذه الآية الكريمة عنو هذا الجزاء في قوله وذلك حيث أشار إليه بإشارة البال بإشارة البال