1 - 295 - تفسير الآية ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم...) من سورة المائدة - ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أولا هذه الصورة مدنية وهي من آخر ما نزل من القرآن ولذلك قال العلماء ما كان فيها
من حلال فأحلوه وما كان فيها من حرام فحرموه ولم يأتي فيها حكم يكون منسوخا فكل الأحكام نأتي فيها محكمة وهي مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة وكل ما نزل بعد الهجرة فإنه مدني وإن نزل في مكة
وإلا ففيها قول الله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا هذا نزل في عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم مواقف بها البسملة لا حاجة لتكرار الكلام عليها
لأنه سبق الكلام عليها وأنها آية من كتاب الله مستقلة ليست من السورة التي قبلها ولا بعدها يؤتى بها عند بدء كل سورة سواء سورة براءة وأنها متعلقة بمحذوف ويقدر هذا المحذوف فعلا متأخرا
مناسبا للموضوع الذي تقدمته هذه البسملة هذا أحسن ويقول في متعلق البسملة وعليه فإذا كنت تريد أن تقرأ تقول إن الجار ومجرور متعلق بفعل محذوف تقديره بسم الله أقرأ يعني التقدير بسم الله
أقرأ وإذا كنت تريد توضأ تقول تقديره بسم الله أتوضأ إذا كنت تريد أن تذبح مذكاتا تقول بسم الله أذبح هذا التقدير يقول الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا وعلم أنه إذا صدر الكلام بهذه
الجملة يا أيها الذين آمنوا فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أرعها سمعك يعني انتبه لها فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه وإما خبر يكون فيه مصلحة لك مثل قول الله تعالى يا
أيها الذين آمنوا إنما المشتغ النجس وما أشبه ذلك المهم أنه لابد أن تكون لخير أو لشر أو لخبر يتضمن خيرا أو شرا وأعلم أيضا أنه إذا صدر الكلام بها فإنه يجل على أن ما بعدها من مقتضيات
الإيمان تصديقا به إن كان خبرا وعملا به إن كان طلبا وأن مخالفة ذلك نقص في الإيمان وأعلم أيضا أن الله تعالى يصدر الخطاب بها إغراءا للمخاطب لأنه إذا قيل يا أيها الذين آمنوا كأنه يقول
إن إيمانكم يحملكم على أن تفعلوا كذا وكذا أو أن تتركوا كذا وكذا حسب السياق يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أوفوا بها أي توبها وافية كاملة من غير نقص وقد بيّن الله تعالى الوعيد على
من يستوفي العقود تامة ولا يوفيها تامة في قوله تعالى وين للمطففين الذين يدكتالوا على الناس يستوكون وإذا كلوهم أو وزنوهم يخسرون إذن أوفوا بمعنى إيش إيتوا بها كاملة ومنهم قوله تعالى
وأوفوا بالعهد وأوفوا الكيلة إذا كلتم وما أشبه ذلك والعقود جم عقد وهو ما أبرمه الإنسان مع غيره وضد العقد الحل تقول عقدت الحبل وحللت الحبل فالعقود إذن ما أبرمه الإنسان مع غيره وهي
أنواع كثيرة منها البيع والإجارة والرهن والوقف والنكاح وغير ذلك وقول أوفوا بالعقود هذا عام أي عقد فإنه يجب الوفاء به ولكن لا بد أن يقيد بما جاءت به الشريعة وهو أن لا يكون العقد
محرما فإن كان العقد محرما فإن النصوص تدل على عدم الوفاء به بل على تحريم الوفاء به لقول النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مئة شرط ثم قال أحلت
لكم بهيمة الأنعام أحلت هذا فعل مبني لإيش لما لم يسمى فاعله وفاعله معلوم ليس مجهولا لأن الفاعل هنا هو الله عز وجل كما قال الله تبارك وتعالى ولا تقولوا لما تصف والسنتكم الكذب هذا
حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب فالمحل هنا هو الله وقول بهيمة الأنعام البهيمة ما لا ينطق كل حيوان لا ينطق فهو بهيمة وذلك لأن ما يتكلم به أو ما ينطق به يكون مبهما لا يعرف فهو
بهيما وقول الأنعام المراد بها ثلاث أنواع الإبل والبقر والغنم فإضافة البهيمة إلى الأنعام من باب إضافة الشيء إلى جنس كما تقول خاتم حديد وباب خشب وما أشبه ذلك كأنه قال البهيمة من
الأنعام بهيمة الأنعام وهي الإبل عندما نقول وهي الإبل والبقر والغنم هل نحن نفسر البهيمة ولا الأنعام الأنعام هي الإبل والبقر والغنم إلا ما يتلى عليكم هذا استثناء من قوله بهيمة
الأنعام لأن بهيمة الأنعام مفرد ومضاف فهو عام لكل شيء من بهيمة الأنعام قال إلا ما يتلى عليكم والمراد بذلك ما سيأتي في الآية التي بعدها في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم إلى أخر
هذا الذي يتلى علينا وغير محل الصيد هذه استثناء من قوله أحلت لكم بهيمة النعام ويحتمل أن تكون حالا وهي الأقرب لأنه مضافة لإسم فاعل يعني أحلت لكم حال كونكم غير محل الصيد وأنتم حرم
وقوله محل الصيد أي مستبيحيه وذلك بصيده وأنتم حرم حاء جملة حالية والحرم جمو حرام وهو من تلبس بالإحرام بحج أو عمره أو دخل في حرم وإن لم يكن محرما والحرم في مكة معروف في حدوده وفي
المدينة كذلك أيضا لكن المدينة ليست كمكة في التحرين بل هي أقل كما سيذكر إن شاء الله إن الله يحكم ما يريد الجملة كالتعليل ما قبلها لما ذكر عز وجل الإحلال والتحليم قال إن الله يحكم ما
يريد حكما شرعيا أو كونيا نعم يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي فكل ما يريده الله عز وجل فإنه يحكم به لأنه لا رد الحكم إن شاء حلل هذا وحرم هذا وإن شاء أوجب هذا ورخص في هذا وكذلك أيضا
إن شاء حكم على عباده بالغنى والأمن وإن شاء حكم بضد ذلك فالأحكام الكونية والشرعية كلها بإرادة الله ولا أحد يعترض على حكم الله عز وجل كما قال تعالى إن الحكم إلا لله يعني من حكم إلا
لله أمر أن لا تعبد إلا إياه وقول ما يريد أي الإرادتين نعم نقول هي الإرادة الكونية باعتبار كون الحكم كونية والشرعية باعتبار كون الحكم شرعية وحينئذن لابد أن نفرق ما بين الإرادتين
الكونية والشرعية الفرق بينهما أن الكونية بمعنى المشيئة فتتعلق فيما يحبه الله وما لا يحبه الله ويقع فيها ما أراد بكل حال وأما الشرعية فهي التي بمعنى المحبة فمعنى يريد أن يحب وتتعلق
فيما يحبه الله فقط وقد يقع فيها المراد وقد لا يقع فهذا هو الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية