1245 - 1652 باب العمرى 4📔 صحيح مسلم - ابن عثيمين

فتح على يوتيوب تحميل الصوت

التفريغ النصي

فالجواب أن لا نسلم أن هذا الشرط المنهي عنه هو نفس الإعمار في قوله هي لك عمرك لأنه لو كان كذلك لبطلت حقيقة عمرا كما قلناه ولأنه لو بطل ذلك لبطل قول المعطي هي لك سنة من عمرك ولم يبطل بالاتفاق فلا تبطل والجامع بين الصورتين أن كل واحد منهما إعطاء ذكر فيه العمر وقد قال القاسم بن محمد ما أدركت الناس إلا وهم على شروطهم في أموالهم ومما يتمسكون به قوله صلى الله عليه وسلم لأنه أعطى عقاء وقعت فيه المواريث فقد سيرها ملكا لأنه لا يوافع عن الإنسان إلا ما كان يملك ويجابون عن ذلك بأن اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من قول أبي سلمة بن عبد الرحمن كما قد رواه بن أبي ذئب عن ابن شهاب عن أبي سلمة وذكر الحديث المتقدم فلما فرغ قال قال أبو سلمة لأنه آقى عطاء وقعت فيه المواريث ولئن سلم ذلك فإنما جاء ذلك من حيث ذكر العقب فيكون فيه حجة لأهل القول الثالث لا للثاني وأما أهل القول الثالث فكأنهم أعملوا فيه فيما لم يذكر فيه العقب وتركوا مقتضاه حيث منع منه الشرع وكأنهم جمعوا بين الاسم والأحاديث التي في الباب وقد شهد لصحة هذا رواية من قال عن جابر إنما العمر التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها ثم ما ورد من الروايات مطلقا فإنه مقيد بهذا الحديث غير أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى عند قوله هي لك ولعقبك وما بعده من كلام الزهري على ما قاله محمد بن يحيى الزهري وهو ممن فرد به معمر عن الزهري وخالفه في ذلك سائر من رواه عن الزهري من الأئمة الحفاظ كالليث ومالك وابن أخي الزهري وابن أبي ذئب ولم يذكروا ذلك قلت والذي يظهر لي وأستخير الله في ذكره أن حديث جابر في العمر رواه عنه جماعة واختلفت ألفاظهم اختلافا كثيرا ثم رواه عن كل واحد من تلك الجماعة قوم آخرون واختلفوا كذلك ثم كذلك القول في الطبقة الثالثة وخلط فيه بعضهم بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس منه فاضطرب فضعفت الثقة به مع ما ينظاف إلى ذلك من مخالفته للأصل المعلوم المعمول به من أن الناس على شروطهم في أموالهم كما قال القاسم بن محمد وكما دل عليه الحديث المتقدم في الشروط وينظاف إلى ذلك أن الناس تركوا العمل به كما قال محمد بن أبي بكر فتعين تركه كما قال مالك ليته محيا ووجب التمسق بأصل وضع العمر كما تقدم وبالأصل المعلوم من الشريعة من أن الناس على ما شرطوه في أعطياتهم وهذا القول الأول وليس على غيره معول وإذا تقرر ذلك فلنبين وجه رد تلك النوايات إلى ما قررناه فأما قوله وإنها لا ترجع إلى صاحبها من أجل أنه آطى عطاء وقعت فيه المواريث فيعني به أنه لما جعلها للعقب فالغالب أن العقب لا ينقطع فلا تعود لصاحبها لذلك وأما قوله وقعت فيه المواريث فإن سلمنا أنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فمعناه والله أعلم أنها لما كانت تنتقل للعقب بحكم تلقيهم عن مورثهم ويشتركون في انتفاع بها أشبهت المواريث فأطلق عليها ذلك فإنه من باب الإرشاد إلى الأصلح لأن الإعمار يمنع المالك من التصرف فيما يملك رقبته آمادا طويلة لا سيما إذا قال هي لك ولعقبك فإن الغالب أنها لا ترجع إليه كما قررناه ولا يصح حمل هذا النهي على التحريم لأنه قد قال في الرواية الأخرى العمر جائزة لمن وهبت له أي عطية جائزة ولأنها من أبواب البر والمعروف والرفق فلا يمنع منه وقول ابن عباس لا تحل العمر ولا الرقب محمول على ذلك فإنه قال إثر ذلك فمن أعمر شيئا فهو له ومن أرقف شيئا فهو له فقد جعلهما طريقين للتمليك فلو كان عقدهما حراما كسائر العقود المحرمة لأمر بفسقهما فأعمر فمن أعمر شيئا فهو له ومن أرقب شيئا فهو له فقد جعلهما طريقين للتمليك فلو كان عقدهما حراما كسائر العقود المحرمة لأمر بفسقهما وأما قوله فهي للذي أعمرها حيا وميتا فيعني بذلك إذا قال هي لك ولعقبك فإنه ينتفع بها في حياته ثم ينتقل نفعها إلى عقبه بعد موته وهذه الرواية وإن وقعت هنا مطلقة فهي مقيدة بالروايات الأخر التي ذكر فيها العقب لا سيما والراوي واحد والقضية واحدة فيحمل المطلق منها على المقيد قولا واحدا كما قررناه في الأصول وقوله إنما العمر التي أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هي لك ولعقبك أي أمضى جوازها وألزمه دائما على ما ذكرناه وقوله وأما إذا قال فهي لك ما عش فإنها ترجع إلى صاحبها فإن كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو نص فيما اخترناه وإن كان من قول الراوي فهو أقعد بالحال وأعلم بالمقال تنبيه القائدون بأن العمر تمليك الرقبة فارقوا بينها وبين السحنى فلو قال أسكنتك حياتك فإذا مات رجعت إلى صاحبها إلا الشعبي فإنه سوى بينهما وقال في السفنة لا ترجع إلى صاحبها بوجه وهو شاذ لا يعبده نظر ولا خبر فإن العمر عند القائلين بأنها تمليك الرقبة خارجة عن القياس وإنما صاروا إليه من جهة ظواهر الأخبار فلا تقاس السفنة عليها لأن الخارج عن القياس لا يقاس عليه كما قررناه في الأصول ولا خبر فيه فلا يصار إليه والله تعالى أعلم