329 - 401 - تفسير الآية ( إن الذين كفروا وظلموا ...) والآية ( إلا طريق جهنم خالدين...) - ابن عثيمين
فتح على يوتيوبالتفريغ النصي
ثم قال عز وجل إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا هذه الآية كالآية الأولى فيها التوكيد بهذا الحكم لكن فيها التصريح بالظلم فبأي شيء ظلموا ظلموا بالاستمرار
على الكفر لأن الإنسان إذا استمر على الكفر فقد ظلم نفسه كما قال الله تعالى وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم والظلم في الأصل بمعنى النقص لقوله تعالى كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه
شيئا أي لم تنقص وسمي المعتدي ظالما لأنه نقص من حق المعتدى عليه فأعتدى عليه وهنا ظلموا من؟
هل ظلموا غيرهم ولا ظلموا أنفسهم؟
كلاهم يعني حصل منهم الظلم لأنفسهم ولغيرهم حيث دلوا غيرهم على طرق الكفر لم يكن الله ليغفر لهم اللام في قوله ليغفر تسمى عند العلماء النحو لام الجحود أو لام النفل وعلامتها أن تقع بعد
ما كان أو لم يكن فكلما وجدت اللام بعد لم يكن أو بعد ما كان فهي لام الجحود أو لام النفل تأخر قوله تعالى وما كان الله ليغفر لهم اللام لام الجحود لأنها وقعت بعد ما كان لم يكن الله
ليغفر لهم أيضا تسمى لام الجحود لأنها وقعت بعد لم يكن لم يكن الله ليغفر لهم والمعنى أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم وليس المعنى لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا فإن الله سبحانه
وتعالى يتوب على من تاب مهما كان عمله لكن المراد أنه لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم والمغفرة ستر الذنب مع التجاوز عنه تسرناها بهذه المعنى لأنها معهوذة من المغفر وهو الذي يوضع على
الرأس عند القتال وقاية للرأس من السهاء وفيه المعنيان جميعا وهما الستر والوقاية ويؤيد هذا ما ثبت في الحديث الصحيح أن الله عز وجل يخلو يوم القيامة بعد المؤمن ويقرضه بذنوبه فيقول قد
سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ولا ليهديهم طريقا يعني لا يوفقهم في الهداية هنا هداية توفيق طريقا أي مسلكا يسيرون عليه إلا طريقا واحدا وهو طريق جهنم إلا طريق جهنم وهو من
أسماء النار خالدين فيها أبدا خالدين أي ماكثين فيها أبدا أي باستمرار والأبد هو الاستمرار في المستقبل والأمد هو الاستمرار إلى حد معين غير مؤبد خالدين في أبد وكان ذلك على الله يسيرا
أي كان خلودهم في النار على وجه الأبد يسيرا على الله عز وجل مع أنه يستلزم أن تبقى النار بما فيها من السعيد والعذاب وأنواع العقوبات ومع هذا فهي يسيرا على الله عز وجل الإنسان لو أراد
أن يوقد تنورا يحتاج إلى عمل أليس كذلك يحتاج إلى عمل ووقود وتعب وملاحات لكن النار وهي أعظم شيء في الحرارة إذا بقيت على وجه الأبد فإن هذا أمر يسيره على الله عز وجل وليس بيصعب عليه
فيستفاد من هذه الآية الكريمة بل من الآيتين أن من اتصف بهذه الوصفين الكفر والظلم فإنه مستود عنه باب التوفير لقوله لم يكن الله ليغفر لهم ويستفاد منه إثبات الأفعال الأفعال الاختيارية
لله عز وجل يعني أنه يفعل ما يشاء بإرادته متى شاء يقول لم يكن الله ليغفر لهم والمغفرة فعل اختياري وهذا الذي عليه السلف الصالح وأهل السنة إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل وأنكر
ذلك أهل التعطير كالأشاعر والمعتزلة وقالوا لا يمكن أن يقوم بالله تعالى فعل اختياري يتجدد ويحدث وعلل ذلك بإعلان واهية قالوا إن الحادث لا يقوم إلا بحادث ولو أننا أثبتنا لله تعالى
أفعالا نحدثها متى شاء لازم من ذلك أن يكون الله حادثا ولا شك أن هذا قياس باطل لأنه مصادم للنص فالآيات الكثيرة التي لا تحصر كلها تدل على أن الله يقل ما يشاء متى شاء وربك يخلق ما يشاء
ويختار إن ربك فعل لما يريد ويفعل الله ما يشاء ويحكم الله ما يريد وغير ذلك من آيات الكثيرة التي لا تكاد تحصر الدال على أن الله تعالى يفعل ما يشاء متى شاء وثانيا نعم فهذا القياس باطل
لمصادمة النص وأيضا هو خطأ وذلك أننا نحن ونحن محدثون تقوم بنا أفعال متجددة ليست بلازمة لنا منذ خلقنا أليس كذلك؟
ولا يلزم من حدوث هذه الأفعال أن نكون لم نحدث إلا عند حدوثها بل حدوثنا سابق عليها كذلك الرب عز وجل وجوده أزلي أبدي ولا يمنع من ذلك أن يكون يحدث ما شاء من أفعاله وأحكامه وأقواله ومن
فوائد هذه الآية الكريمة أن الكافر لا يوفق للهدى لقوله ولا ليهديهم طريقا فإن قال قائل أليس يوجد أناس من الكفرة الماردين المارقين المضادين للدعوة الإلهية من هدهم الله؟
فالجواب بلى ولكن لا مانع من أن نخصص العام فيكون هذا العموم مخصوصا بمن أراد الله تعالى هدايته فمن أراد الله هدايته فإنه قد يهدى ولو كان قد كفر وظلق إذ من المعلوم أن من الصحابة رضي
الله عنهم من كان كافرا ظالما ومع ذلك أسلموا وكانوا رؤساء في الإسلام ولهم مقام صدر ومن فوائد هذه الآية الكريمة أن للنار طريقا طريقا وللجنة طريقا فما هو طريق النار؟
طريق النار يتلخص في مخالفة أمر الله ورسوله تركا للمأمور وفعلا للمحذوق هذا الطريق المخالفة أمر الله ورسوله هو طريق جهنم وموافقة أمر الله ورسوله هو طريق الجهنم ومن فوائد هذه الآية
الكريمة إثبات الخلود الأبدي لقول خالدين فيها أبدا والخلود الأبدي يتضمن أبدية المكان الذي يكون فيه الخلود وعلى هذا فيكون في الآية دليل واضح على أبدية النار وقد جاء ذكو الأبدية في
هذه الآية وفي آية أخرى في سورة الأحزاب وفي آية ثالثة في سورة الجن وهي معلومة وبناء على ذلك لا قول لأحد بعد قول الله ورسوله مهما كان من العلم ما دام هناك آيات صريحة فإننا لا نركن
إلى قول أحد كائن من كان لأن خبر الله صدق صادر عن علم مراد به البيان التام فلا يمكن أبدا أن يتخلف مدلوله حتى لو قيل إن فلانا يقول بكذا وفلانا يقول بكذا نقول لا قول لأحد بعد قول الله
ورسوله ومن فوائد الآية الكريمة أن كل شيء وإن صعب فهو يسير على الله عز وجل لكمال قوته وقدرته وسلطانه وكان ذلك على الله يسير